الحب الحلال 186
همسات الشك
بقلم سارة العمري
مع كل شروق شمس، كانت نور تشعر بمزيج من التحدي والأمل. كانت قد بدأت بالفعل في تنفيذ خطة سلمى. حذفت كل الحسابات والبرامج التي كانت تغذي إدمانها، وأعادت تنظيم جدولها اليومي. ملأت وقتها بالدراسة، والقراءة، والتمارين الرياضية التي كانت تجلب لها شعورًا غريبًا بالانتعاش، رغم كل الألم الذي كانت تشعر به.
لكن الشك كان يرافقها كظلها. همسات خفية كانت تدور في رأسها، تعيد إليها صور الماضي، وتذكرها بالراحة السهلة التي كانت تجدها في تلك العادات. "لماذا كل هذا العناء؟" كان صوت يهمس لها. "لماذا لا تعودين فقط؟ لن يلاحظ أحد. إنها مجرد لحظات."
كانت تدرك أن هذه الهمسات ليست من تلقاء نفسها، بل هي بقايا التعلق، محاولات الإدمان اليائسة للعودة. كانت تتذكر كلمات سلمى: "قاومي هذه الهمسات، فهي مجرد فخاخ."
تحدثت إلى عمار. لكنها لم تخبره بالحقيقة كاملة. قالت له إنها تمر بفترة ضغط دراسي، وأنها تشعر ببعض الإرهاق. كان عمار متفهمًا، ولكنه بدا عليه القلق.
"نور، هل أنتِ متأكدة أنكِ بخير؟" سأل في إحدى المكالمات. "صوتكِ مختلف. تبدين مرهقة."
"نعم يا عمار، أنا بخير. فقط... أحاول أن أنظم وقتي بشكل أفضل."
"إذا كنتِ بحاجة إلى أي شيء، فقط أخبريني. أنا هنا."
كان لطفه يقلقها أكثر من غضبه. كيف يمكنها أن تخذله؟ كيف يمكنها أن تبني مستقبلًا معه وهي تخفي عنه جزءًا كبيرًا من نفسها؟
في أحد الأيام، بينما كانت في المكتبة، لاحظت أن أحدهم يراقبها. كانت شابًا، يبدو في عمرها، يجلس في زاوية قريبة، وعيناه مثبتتان عليها. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. هل كان يعرف؟ هل رآها في مكان ما؟
حاولت تجاهله، ركزت على كتابها. لكن نظراته كانت تخترقها. ثم، بعد فترة، غادر. لم يكن الأمر واضحًا، ولكنه ترك لديها شعورًا بعدم الارتياح.
في اليوم التالي، بينما كانت عائدة من الجامعة، رأت نفس الشاب مرة أخرى، يسير في الشارع المقابل. هذه المرة، كانت نظراته تحمل شيئًا مختلفًا، شيئًا فيه تحدٍ.
"هل هذا من عملي؟" سألت نفسها. "هل بدأت الأشياء تظهر؟"
لم تكن متأكدة، ولكن الشك بدأ يتسلل إلى قلبها. هل كان هناك من يعرف سرها؟ هل كان يحاول ابتزازها؟
ذهبت إلى سلمى، وأخبرتها بما حدث.
"لا تقلقي يا نور،" قالت سلمى بهدوء. "ربما يكون مجرد سوء فهم. لكن علينا أن نكون حذرين. هل هناك أي شيء آخر حدث؟ أي شيء يجعلكِ تشعرين بالقلق؟"
"لا أعتقد. فقط... هذه المراقبة الغريبة."
"حسناً. سنبقى يقظين. والأهم، لا تدعي هذا الشيء يعيدكِ إلى الوراء. أنتِ أقوى من هذا."
لكن الهمسات استمرت. بدأت نور تشعر بأنها مراقبة في كل مكان. بدأت تشعر بأن ماضيها يطاردها. بدأت تفكر في عمار. هل سيكون من الممكن أن يقبلها إذا عرف؟ هل سيراها كشخص مريض يحتاج إلى مساعدة، أم كشخص ضعيف لا يستحق الثقة؟
في إحدى الأمسيات، تلقت رسالة نصية من رقم مجهول. قلبها تسارع. فتحت الرسالة، ورأت: "أعلم ما تفعلينه. لدينا ما نتحدث عنه."
ارتجفت يدها. "هذا حقيقي،" همست لنفسها. "إنه ليس مجرد وهم."
لم تكن تعرف من هو هذا الشخص، وماذا يريد. لكنها عرفت أن هذا الوضع أصبح أكثر خطورة. هل كان هذا الشخص مرتبطًا بالشاب الذي رأته؟ هل كان يعرف شيئًا محددًا؟
ذهبت إلى غرفتها، وجلست على السرير. نظرت حولها، كأنها تبحث عن مخرج. كانت تشعر بأن كل الأبواب تغلق أمامها.
"يا رب،" دعت بصوت متهدج. "أعني. أنا ضعيفة."
فجأة، تذكرت شيئًا. تذكرت أنها لم تخبر عمار بكل شيء. لم تخبره عن خطأها الأول، وكيف بدأت تدريجيًا. لم تخبره عن الضغط الذي شعرت به.
"هل يجب أن أخبره؟" تساءلت. "هل سيحتمل؟"
تذكرت كلام سلمى: "إذا كان يحبكِ حقًا، سيحتويكِ."
قررت. قررت أن تواجه هذه الحقيقة، مهما كانت مؤلمة. قررت أن تخبر عمار. إن لم يقبل، فهذا يعني أن حبه لم يكن كافيًا، أو لم يكن صادقًا. وإن قبل، فهذا يعني أنهما سينطلقان في رحلة الشفاء معًا.
طلبت من عمار أن يزورها في أقرب وقت ممكن. عندما جاء، كان وجهه يحمل مزيجًا من القلق والترقب.
"ما الأمر يا نور؟ تبدين مضطربة جدًا."
جلست نور، تتنفس بعمق. نظرت في عينيه، ورأت فيه الصدق والأمل.
"عمار،" بدأت بصوت مرتجف. "هناك شيء يجب أن أخبرك به. شيء... قد يغير كل شيء."
شعرت بأن اللحظة قد حانت. لحظة الكشف، ولحظة الحقيقة.