قلبي في يديك 187
همسات الماضي في حديقة الذاكرة
بقلم مريم الحسن
ارتسمت هالة من الضوء الذهبي على وجه عائشة وهي تتأمل في كتاب قديم، أوراق صفراء تلفها رائحة الزمن العتيق. كان الكتاب إهداءً من جدتها، مليئًا بالشعر المنسي والحكايات التي لم تُروَ إلا للأثير. جلست في ركن هادئ من الحديقة الخلفية للقصر، حيث تتراقص أوراق الشجر في همس خافت مع نسمات المساء اللطيفة، وتفوح رائحة الياسمين الممزوج بعبق التراب الندي. كان هذا المكان ملاذها، حيث تجد سكينة روحها وتنسج خيوط أحلامها التي بدأت تتشكل ببطء، كبرعم يتهيأ للتفتح.
لم يمضِ وقت طويل حتى سمعت خطوات تقترب. رفعت رأسها لتجد نواف يقف على مرمى بصرها، وفي عينيه ذلك البريق الذي اعتادت رؤيته، مزيج من الإعجاب والرهبة. ابتسمت ابتسامة خجولة، وشعرت بقلبها يخفق بعنف، كطائر حاول الفرار من قفصه.
"عائشة؟" نطق اسمها بصوت دافئ، وكأنه اسم مقدس. "لم أكن أتوقع أن أجدك هنا. ظننتك في قصر جدتك."
"كنت كذلك،" أجابت بصوت يكاد لا يُسمع، "لكنني فضلت قضاء بعض الوقت في هذا المكان الذي لطالما أحببته. إنه يحمل ذكريات جميلة."
اقترب نواف وجلس بجانبها على المقعد الحجري القديم، تاركًا مسافة محترمة تفرضها تقاليدهم، ورغم ذلك، شعر كل منهما بدفء وجود الآخر يغمر المساحة الفاصلة.
"أفهم. هذه الحديقة تحمل الكثير من قصص الماضي، أليس كذلك؟" قال وهو يلتقط وردة بيضاء سقطت على العشب، يتفحص بتلاتها بتمعن.
"بالتأكيد. جدتي كانت تحب هذه الحديقة كثيرًا. أمضت فيها ساعات لا تحصى، تسقي الورود وتتحدث إليها وكأنها بشر."
تأملها نواف، كيف تتحدث عن جدتها بحب عميق، وكيف تعكس كلماتها صورة لامرأة عظيمة. "يبدو أنها كانت شخصية استثنائية."
"كانت كذلك. علمتني الكثير عن الحياة، عن الصبر، وعن قوة الإيمان. وكانت دائمًا تقول: 'القلب النقي يرى الجمال في كل شيء، حتى في أشواك الورد.'"
ساد صمت مريح بينهما، مليء بالمعاني غير المنطوقة. كان كل منهما يستشعر الآخر بعمق، يقرأ ما في عينيه من مشاعر صادقة. نواف كان يشعر بانجذاب شديد نحو عائشة، ليس فقط لجمالها الظاهري، بل لروحها الطيبة، وعقلها الراجح، وإيمانها الراسخ. كانت امرأة تجعله يشعر بالسكينة، وبالأمل في مستقبل مشرق.
"أتذكر عندما كنت طفلاً، كنت تأتي إلى هنا مع والدي. كانت هذه الحديقة تبدو لي عالمًا سحريًا، مليئًا بالألوان والأصوات." قال نواف، وعيناه تجولان في الأرجاء، كأنه يستعيد شريط ذكريات قديم.
"أوه، حقًا؟ لم أكن أعرف." ردت عائشة بدهشة لطيفة. "ربما كنا نلعب في نفس الوقت، دون أن نعلم بوجود بعضنا البعض."
"ربما. الحياة غالبًا ما ترسم لنا مسارات متوازية، ثم تجمعنا في لحظة لم نتوقعها."
كانت كلمات نواف تحمل معنى أعمق، معنى أدركته عائشة فورًا. كانت حياتهما قد نسجت خيوطها بشكل خفي، وكان لقاؤهما ليس محض صدفة، بل قدرًا جميلًا.
"كنت أفكر كثيرًا في حديثنا الأخير، يا عائشة." قال نواف بتردد، "حول المستقبل، وحول... كل شيء."
ارتعشت عائشة قليلًا، وشعرت بدفء ينساب إلى وجنتيها. "وأنا كذلك، يا نواف."
"لا أريد أن أستعجل الأمور. أعرف أننا في مرحلة حساسة، وأن هناك عادات وتقاليد يجب أن نحترمها. لكنني أريد أن تعرفي أنني جاد في كل ما قلته."
"وأنا أقدر لك ذلك كثيرًا."
"جدتك، حفظها الله، تحدثت معي اليوم. أرادت أن تطمئن عليّ، وأن تعرف رأيي في... الأمور."
اتسعت عيناك عائشة. "حقًا؟ وماذا كان رأيك؟"
"قلت لها ما في قلبي. قلت لها أنني أرى فيكِ الزوجة الصالحة، والشريكة التي يتمناها كل رجل مسلم. قلت لها أنني أؤمن بأن زواجنا سيكون مباركًا، وأنه سيجمع بين عائلتين لهما تاريخ مشترك."
لم تستطع عائشة منع ابتسامة سعيدة من الظهور على وجهها. كلمات نواف كانت بلسمًا لروحها، وتأكيدًا لكل ما كانت تتمنى.
"هذا... هذا يريحني كثيرًا يا نواف."
"وأنا أريد أن أطمئنكِ أيضًا. سأحافظ على كرامتكِ، وسأصون حبكِ. سأكون زوجًا بارًا، وأبًا رحيمًا، إن شاء الله."
وقفت عائشة، وشعرت وكأن الأرض تحت قدميها قد تحولت إلى سماء. نظرت إلى نواف، وفي عينيها لمعان لم يكن مجرد ضوء القمر، بل ضوء حب جديد يتفتح.
"ربما يجب أن نذهب الآن، أظن أن جدتي تبحث عني." قالت بصوت خافت، فيه نبرة من الحنين والترقب.
"بالتأكيد." نهض نواف معها، وشعر وكأن يديه تتوقان لتمسك بيدها، لكنه كبح جماح نفسه، متذكرًا الحدود.
مشيا معًا عبر الممر المرصوف بالحجارة، والياسمين يلفهما. كانت نسمة عابرة تداعب شعر عائشة، فتنسدل خصلات منه على كتفها، وشعر نواف أنه يرغب في إبعادها بيديه، لكنه استبدل الرغبة بدعاء في قلبه.
"تحدثت أيضًا مع والدي عن هذا الأمر." قال نواف فجأة، "وأخبرته أنني أريد أن أتقدم لخطبتكِ رسميًا قريبًا."
تجمدت عائشة للحظة، ثم شعرت بقلبها يقفز فرحًا. "نواف! هذا... هذا أمر عظيم."
"أعرف أن الأمر قد يبدو سريعًا للبعض، لكنني أشعر أن هذا هو الوقت المناسب. وأن هذا هو ما يريده الله لنا."
"وأنا أشعر بنفس الشيء."
وصلوا إلى باب القصر، حيث كانت جدة عائشة تقف تنتظر. عندما رأتهما، ابتسمت ابتسامة واسعة، وكأنها علمت بما دار بينهما.
"يا ابنتي، أين كنتِ؟" قالت بلهجة حنونة، ثم نظرت إلى نواف. "وأنت يا نواف، هل وجدت ما كنت تبحث عنه؟"
"نعم يا عمة. وجدت ما هو أغلى من كل كنوز الأرض." أجاب نواف، وفي عينيه نظرة امتنان وحب لعائشة.
نظرت الجدة إلى عائشة، فرأت في عيني ابنة حفيدتها بريقًا جديدًا، وعدًا بمستقبل مشرق. ربّتت على رأس عائشة بحنان، وقالت: "الحمد لله. إن اختيار القلب الصالح هو بداية كل سعادة."
في تلك الليلة، لم تنم عائشة بسهولة. أفكار كثيرة دارت في رأسها، مشاعر مختلطة من السعادة، والترقب، والقليل من الخوف. لكن في جوهر كل هذه المشاعر، كان هناك يقين قوي بأن هذا هو الطريق الصحيح، وأن قلبها في يد رجل يستحق ثقتها، رجل يحترمها، ويقدرها، ويخاف الله فيها. لقد بدأت قصة حب جديدة، قصة عنوانها "قلبي في يديك"، لكن هذه المرة، كانت الـ 187 التي تتبعها تحمل في طياتها وعدًا بالبقاء، وبالاستقرار، وبالحلال.