قلبي في يديك 187
مواجهة الحقيقة واختبار الولاء
بقلم مريم الحسن
كانت الأفكار تتلاحق في رأس عائشة كأمواج عاتية. كل كلمة قرأتها في تلك الرسالة القديمة، وكل حرف نطقته جدتها، كان أشبه بصاعقة تضرب أسس عالمها الهادئ. كان ماضي والدها، والذي اعتقدت أنه واضح ومستقيم، يتكشف أمامها بظلال معقدة، مشوهة بفعل الخوف والخيانة. شعرت بأن ثقة عائشة بأنها تعرف نواف جيدًا، وأن علاقتهما مبنية على أسس صلبة، تتعرض لاختبار حقيقي.
عندما وصل نواف، كان وجهه ينبض بالحيوية والابتسامة المعهودة. لكنه سرعان ما شعر بالجو المشحون في الغرفة، وبالقلق الواضح على وجه عائشة وجدتها.
"ما الأمر؟ هل حدث شيء؟" سأل، وعيناه تجولان بينهما.
نظرت عائشة إلى جدتها، التي أومأت برأسها موافقة. بدأت عائشة بالكلام، بصوت حاول أن يكون ثابتًا، لكنه كان مشوبًا بتردد.
"نواف، لقد وجدت شيئًا اليوم... شيئًا قد يغير نظرتنا لبعض الأمور."
"ما هو؟"
"لقد وجدت رسالة قديمة في أحد كتب جدتي. رسالة تتحدث عن صفقة... صفقة قام بها والدي قبل وفاته، صفقة كانت خطيرة."
شرحت عائشة ما وجدته، وقصة أحمد، والضغوط التي واجهها والدها، وتورطه مع شخص يدعى فؤاد. كانت الكلمات تخرج بصعوبة، لكنها كانت تعرف أن الصدق هو السبيل الوحيد.
عندما انتهت، ساد صمت ثقيل. كان نواف يستمع بعناية، تعابير وجهه تتغير من الدهشة إلى القلق، ثم إلى التفكير العميق. لم يبدُ عليه الغضب أو الخوف، بل بدت عليه علامات الوعي والمسؤولية.
"والدي لم يذكر لي شيئًا عن هذه الأمور قط." قال نواف أخيرًا، بصوت خفيض. "كان دائمًا يصف والده بالرجل الطيب، الذي كان يتعرض لبعض الضغوط في مجال عمله، لكنه لم يوضح أبدًا حجم هذه الضغوط أو طبيعتها."
"يبدو أن والدك كان يحاول حمايتك، كما حاول والدي حمايتنا." قالت الشيخة فاطمة، صوتها يحمل نبرة تفهم.
"لكن إذا كان هذا الفؤاد لا يزال موجودًا، وإذا كان لا يزال يبحث عن شيء ما... فهذا يعني أن هناك خطرًا لا يزال قائمًا." قال نواف، وهو ينظر إلى عائشة بعينين تحملان مزيجًا من القلق والحماية.
"هذا ما تخشاه جدتي. لقد عاشت هذه السنوات في قلق مستمر."
"هذا أمر مؤسف حقًا." قال نواف، ثم نظر إلى عائشة. "عائشة، أعرف أن هذه المعلومات صعبة، وأنها قد تثير الكثير من الشكوك. لكنني أريد منكِ أن تعرفي شيئًا واحدًا."
"ما هو؟"
"والدي، رغم كل شيء، كان دائمًا رجلًا نزيهًا. لم يتورط في أي شيء يغضب الله. لو كان الأمر كما تقولين، لعرفت. ربما كانت هناك سوء فهم، أو ربما كان والدي على علم بجزء من القصة فقط."
"ولكن الرسالة واضحة جدًا، نواف. إنها تتحدث عن تورط والدي، وعن الصفقة، وعن خشيته من فضح الأمر."
"أعلم، أعلم. ولكن دعيني أفكر في الأمر. لا يجب أن نستعجل الحكم. يجب أن نفهم القصة كاملة. وإذا كان هناك شخص يدعى فؤاد، ولا يزال يشكل خطرًا، يجب أن نتصرف بحكمة."
"وماذا عن أحمد؟ إذا كان حيًا، فقد يكون لديه معلومات قيمة." قالت عائشة.
"أتفق معكِ." قال نواف. "لكن كيف نجد شخصًا اختفى منذ سنوات؟"
"الرسالة التي وجدتها عائشة، ربما تكون مفتاحًا. ربما تتضمن تفاصيل تساعدنا في تتبع أحمد." قال الشيخة فاطمة.
"سأبحث في أوراق والدي، وفي أي شيء يتعلق بصداقته مع والدك." قال نواف بحزم. "لا يمكن أن نسمح لهذا الأمر بأن يبقى معلقًا، خصوصًا وأنه يتعلق بعائلتي، وبهذه العلاقة التي بدأت تتكون بيننا."
نظر إلى عائشة، وفي عينيه صدق ورغبة في حماية حبهما. "لا تقلقي يا عائشة. مهما كانت الحقيقة، سنواجهها معًا. إيماننا بالله، وحبنا لبعضنا البعض، هما أقوى سلاح لدينا."
شعرت عائشة بالراحة وهي تسمع كلماته. كان نواف يثبت لها يومًا بعد يوم أنه الرجل الذي تستطيع الاعتماد عليه، الرجل الذي يحترم مشاعرها، ويدعمها في أصعب الظروف.
"لكن يا نواف، هل تعتقد أن هذا الفؤاد قد يكون لديه صلة بما حدث لوالدك؟" سألت الشيخة فاطمة، متذكرة كيف توفي والد عائشة في حادث غامض.
توقف نواف للحظة. "كانت وفاة والدك حادثًا مؤسفًا، أليس كذلك؟ هل كان هناك أي شك في طبيعة هذا الحادث؟"
"لم يكن هناك شك مباشر، لكن... كان الأمر مفاجئًا جدًا. وكان والدك في قمة صحته."
"سأحاول أن أستقصي عن أي معلومات تتعلق بوفاته أيضًا. لا يمكن أن نترك أي باب مفتوحًا أمام الشك."
"أنا ممتنة لك يا نواف." قالت عائشة. "لأنك تتعامل مع هذا الأمر بجدية. لأنك لا تسمح للماضي بأن يفرق بيننا."
"لن يسمح أبدًا." قال نواف، وامسك بيدها برفق. "أنا أفهم أن هذا قد يكون صعبًا عليكِ. لكن يجب أن نتذكر أننا نسعى للزواج، ولتكوين أسرة. يجب أن نتأكد من أننا نبدأ هذه الحياة الجديدة ونحن على أرض صلبة، وأننا قد تخلصنا من أي ظلال قديمة."
"وهذا هو ما أريده أيضًا."
"سنحل هذه المشكلة. سنكشف الحقيقة. وسنخرج منها أقوى."
في تلك الليلة، لم ينم نواف كثيرًا. كان يبحث في مذكرات والده، ويستعيد ذكريات قديمة، يحاول ربط خيوط القصة. كان يشعر بمسؤولية كبيرة، ليس فقط تجاه عائلته، بل تجاه عائشة أيضًا. كان يدرك أن هذه القصة لم تعد مجرد ماضٍ غامض، بل أصبحت تحديًا حاضرًا، تهدد بزعزعة استقرار مستقبلهما.
في صباح اليوم التالي، اتصل نواف بعائشة.
"عائشة، لقد وجدت شيئًا." قال بصوت فيه نبرة من الاكتشاف. "أتذكر أن والدي كان لديه صديق قديم، يدعى 'فؤاد'. كانا يعملان معًا في بداية حياتهما المهنية. لكنهما اختلفا على مشروع ما، وانقطعت علاقتهما. لم أكن أعرف أن هذا هو نفس فؤاد الذي تتحدثين عنه."
"وهل كان يعرف شيئًا عن هذه الصفقة؟"
"لا أدري. لكن والدي لم يتحدث عنه بخير أبدًا. كان يقول إنه شخص لا يمكن الوثوق به، وأن لديه طموحات كبيرة لا تعرف حدودًا."
"وهل كان والدي على علم بعائلة أحمد؟"
"على حد علمي، لا. لم يذكر والدي اسم أحمد قط. يبدو أن هذه القصة كانت سرًا دفينًا في حياة والدك."
"وهذا يعني أننا بحاجة للعثور على أحمد. أو على أي شخص يعرفه."
"أتفق معكِ. سأطلب من بعض الأشخاص الموثوق بهم في مجال التحقيق الخاص أن يبحثوا عن أي معلومات حول أحمد. ربما يكون لديه عائلة، ربما يكون لديه أبناء."
"أتمنى ذلك."
"عائشة، مهما حدث، يجب أن نثق ببعضنا البعض. هذه محنة، لكنها ستجعلنا أقوى. حبنا، وإيماننا، هما ما سيقوداننا."
"أنا معك يا نواف. أنا واثقة بك."
شعرت عائشة بقلبها يخفف عنه بعض الثقل. كان نواف يواجه الحقيقة بشجاعة، ويدعمها بكل قوته. لم تعد تشعر بأنها وحدها في مواجهة هذا الماضي المعقد. لقد أصبح لديهما هدف مشترك، هدف هو كشف الحقيقة، وحماية مستقبلهما.