الفصل 19 / 25

قلبي في يديك 187

الفجر يتوارى خلف ستار العتمة

بقلم مريم الحسن

كانت ليلةً عصيبة، سقطت فيها الأقنعة وتكشفت الأسرار، فارتعشت أركان عالم "نور" و"أنس" وكادت أن تنهار. في غرفتها المعتمة، حيث لم تكن نافذتها تسمح إلا بعبور خيوط رفيعة من ضوء القمر الباهت، جلست "نور" محتضنةً ركبتيها، وعيناها تتبعان الظلال الراقصة على الجدران. لم تكن مجرد ظلال، بل كانت صوراً مشوشة لمستقبلٍ قد تلاشى، لأحلامٍ كانت تتفتح كزهر الربيع، والآن باتت تذبل تحت وطأة الحقيقة المرة.

كيف لأمٍ أن تخفي عن ابنتها كل هذا؟ كيف لأبيها، الذي لطالما كان حصنها المنيع، أن يكون هو ذاته مصدر هذا الألم؟ أسئلةٌ كانت تتصارع في صدرها، تطحن بداخلها كل ما تبقى من سلام. الدموع كانت تجري بحرارة على خديها، لكنها لم تكن دموع ضعف، بل دموع غضبٍ مكبوت، وغصةٍ عميقةٍ في حلقها. لم تستطع تصديق أن "السيدة فاطمة"، تلك المرأة التي احتضنتها بحنانٍ وكأنها ابنتها، هي ذاتها من نسجت هذه الخيوط السوداء حول حياتها.

تذكرت كلمات جدتها العجوز، تلك المرأة الحكيمة التي لطالما كانت ملاذها في الضيق، وهي تقول لها: "يا ابنتي، ليس كل ما يلمع ذهباً، وقد تحمل الأيام أسراراً مدفونةً أعمق مما تتخيلين". حينها، ظنت أن جدتها تحدثها عن تقلبات الدنيا، عن خيبات الأمل التي قد يلقيها البشر، لم تتصور أبداً أن تلك الأسرار تتعلق بتاريخ عائلتها، بتاريخٍ يخفيه زوجها "أنس" عن كل من حوله.

توالت في ذهنها الصور: وجه "أنس" الشاحب حين سألته عن سبب تلك المكالمات المريبة، تلك النظرة المتوترة التي حاولت أن تخفيها خلف ابتسامةٍ مصطنعة. لم يكن يخفي عليها شيئاً، بل كان يخفي عليها حقيقةً كانت تهدم كل شيء. حقيقةٌ تتعلق بوالده، ذلك الرجل الذي لم تعرفه إلا من خلال قصص "أنس" الخجولة، relatos عن رجلٍ صالحٍ طيب. ولكن، هل كان كذلك حقاً؟

شعرت بنبضات قلبها تتسارع. لم يكن مجرد اضطرابٍ عاطفي، بل كان خوفاً حقيقياً. خوفٌ من المجهول، خوفٌ من تبعات هذه الحقيقة التي بدأت تتكشف كالنار في الهشيم. لقد كانت "السيدة فاطمة" قد تركت لها ورقة، ورقةٌ بخط يدها، مكتوبٌ عليها عنوانٌ قديم، وعنوانٌ آخر جديد، وعبارةٌ لم تفهم معناها إلا بعد طول تفكير: "الحقائق لا تموت، بل تتأجل".

نهضت "نور" بخفة، ومرت أمام مرآةٍ معتمة، بدت فيها كشبحٍ باهت. لم تعد تلك الفتاة المرحة والمفعمة بالحياة. لقد جردتها هذه الليلة من براءتها، وزرعت في قلبها بذرة شكٍ لن تنبت إلا خريفاً. أمسكت بيدها بالورقة، وتوجهت نحو مكتب "أنس". كانت تعلم أن ما ستفعله الآن هو عبورٌ لنقطة اللاعودة. لم تعد هناك طريقة للرجوع إلى الوراء، إلى الحياة الهادئة التي كانت تعيشها.

فتحت باب المكتب المظلم. الهواء كان ثقيلاً، محملاً برائحة الورق القديم وعطرٍ خفيفٍ لا تزال تفوح منه آثار وجود "أنس". نظرت حولها، وكأنها تبحث عن إجاباتٍ معلقةٍ بين رفوف الكتب. ثم، عينها وقعت على درجٍ خشبيٍ صغيرٍ في زاوية المكتب، درجٌ لم تلاحظه من قبل، درجٌ بدا وكأنه مدسوسٌ بعناية.

ترددت للحظة. هل من حقها أن تبحث في خصوصياته؟ لكن، ما الذي تفعله إذا لم تفعل؟ لقد تركت لها "السيدة فاطمة" دلائل، ألغازاً، وكأنها تدفعها دفعاً نحو هذا الطريق. بإصرارٍ متجدد، مدّت يدها وفتحت الدرج. لم يكن يحوي الكثير، مجرد بعض الأوراق القديمة، وصندوقٍ خشبيٍ صغيرٍ مزخرف.

ألقت نظرةً على الأوراق. كانت تقارير مالية، بعض العقود القديمة، وسجلاتٌ تعود لسنواتٍ طويلة. ثم، أمسكت بالصندوق الخشبي. كان ثقيلاً بعض الشيء، وعندما فتحته، وجدت بداخله صوراً. صورٌ قديمةٌ بالأبيض والأسود، صورٌ لعائلةٍ لم تعرفها، نساءٌ ورجالٌ بملابسٍ غريبة، وجوهٌ تبدو مألوفةً بشكلٍ غريب، وكأنها رأتهم في أحلامها.

وبين الصور، وجدت رسالةً أخرى. رسالةٌ مطويةٌ بعناية، بخطٍ قديمٍ وأنيق. بدأت في قراءتها، وكل كلمةٍ كانت تزيد من حدة الخفقان في صدرها. الرسالة كانت موجهةً إلى "أنس"، من والده. لم تكن مجرد رسالة، بل كانت وصيةً، اعترافاً، وتنبيهًا.

"ابني الحبيب أنس، إذا وقعت هذه الرسالة في يدك، فاعلم أن الزمن قد ضيق علينا الخناق، وأن الحقيقة التي كنا نظنها مدفونةً للأبد قد بدأت تتنفس. والدتك، رحمها الله، قد حرصت على إخفاء أمرٍ عظيمٍ لسنواتٍ طويلة، حرصت على بناء عالمٍ من الأمان والوهم حولك وحولنا. ولكن، ما أخشاه الآن هو أن تتكشف كل الأوراق، وأن يعود الظلام ليخيم علينا."

شعرت "نور" بالبرودة تسري في عروقها. واصلت القراءة، وقلبها يرتجف.

"أعلم أنك تحمل في قلبك براءةً قديمة، وحباً صادقاً. ولكن، الحب وحده لا يكفي ليواجه قسوة الواقع. السر الذي أودعته والدتك، والذي لم أستطع أنا بدوري أن أتخلص منه، يتعلق بعلاقةٍ قديمةٍ نشأت قبل مولدك بسنوات، علاقةٌ حملت في طياتها وعداً بالزواج، ثم ما لبثت أن تحولت إلى ورطةٍ عائلية. لقد كان لزاماً عليّ، واضطراراً، أن أبتعد، وأن أترك خلفي أثراً لا يمكن محوه بسهولة. ابنتي، التي لم أعرف بوجودها إلا متأخراً، والتي لم أستطع التواصل معها لأسبابٍ قاهرة، أخشى أن يأتي يومٌ وتجد نفسها في مواجهةٍ لا قدرة لها على تحملها."

"ابنتي"؟ رفعت "نور" رأسها، وعيناها تتسعان في دهشةٍ وصدمة. هل كان يتحدث عن أختٍ لم تعرفها؟ هل كان يتحدث عن نفسها؟

"أتذكر جيدا تلك الفتاة، نور، التي رافقت والدتها في زياراتها الأولى. كانت تحمل في عينيها بريقاً جميلاً، وفِي صوتها رقةً ملائكية. لم أكن أعلم حينها أنها ابنتي. لقد ظلت أسباب إخفاء الأمر معقدة، تتعلق بتقاليدٍ بالية، وحرصٍ مبالغ فيه على سمعة العائلتين. لقد تركنا لكِ، أنا ووالدتك، مسؤوليةً ثقيلة، وهي إيجاد الطريقة المناسبة لحل هذا الأمر دون أن تتضرر الأطراف. ولكن، الزمن قد فعل فعله، والحقيقة قد تدق الأبواب. لقد أودعتُ السيدة فاطمة، تلك المرأة الصادقة التي وثقنا بها، كل ما يتعلق بهذا الأمر. إنها تعلم كل شيء، وهي المسؤولة عن إيصال الأمانة إليك."

"أمانة؟" همست "نور" بصوتٍ بالكاد مسموع. لم تكن مجرد رسالة، بل كانت إقراراً، اعترافاً، وتحذيراً. لقد كانت رسالةً من والدها، الذي لم يكن يعرف عنه شيئاً سوى أنه أبٌ صالح، رسالةٌ تفضح سراً عظيماً، سراً يتعلق بوجودها هي.

نظرت إلى الصور مرة أخرى، إلى وجوه تلك العائلة الغريبة. وبدأت تتضح لها بعض الأمور. صورةٌ لامرأةٍ جميلةٍ ذات ملامحٍ تشبه ملامحها إلى حدٍ كبير، صورةٌ لجدتها التي تحدثت عنها "السيدة فاطمة" كثيراً، صورةٌ لزوجٍ شابٍ يبدو عليه الثراء، وصورةٌ أخرى لامرأةٍ مسنةٍ بابتسامةٍ حانية. هل كانت هذه هي عائلتها الحقيقية؟ هل كانت "السيدة فاطمة" تعرف كل هذا؟

تذكرت حينما سألت "السيدة فاطمة" عن والدها، وعن حياته قبل زواجه من والدتها، وكيف تهربت منها بذكاءٍ ودبلوماسية. الآن، أدركت السبب. لم يكن الأمر مجرد تردد، بل كان إخفاءً متعمداً.

لم يعد هناك شك. لقد كشفت "السيدة فاطمة" لها الجزء الأول من الحقيقة، والجزء الثاني كان ينتظرها في هذا الدرج، في هذا الصندوق، في هذه الرسالة. لقد كان والدها، الذي لم تعرفه، أباً لها، وقد ترك لها هذا الإرث الثقيل.

أغلقت الصندوق ببطء، ووضعت الرسالة في جيب فستانها. شعرت بثقلٍ جديدٍ يقع على كتفيها. لم تكن وحدها في هذا العالم، بل كانت جزءاً من قصةٍ أكبر، قصةٍ معقدةٍ تمتد جذورها في الماضي.

نظرت إلى النافذة. بدأ الفجر يلوح في الأفق، باهتاً، حذراً، وكأنه يخشى أن يكشف عن عواقب هذه الليلة. كانت تعلم أن هذه الليلة كانت نهايةً لبداية، وأن الغد سيحمل في طياته ما لم تكن مستعدةً لمواجهته. ولكن، لم يعد هناك مجال للتراجع. لقد عبرت عتبةً، ولن تعود.

وضعت يدها على باب المكتب، وبنفس الهدوء المصطنع الذي بدأت به، خرجت. تركت خلفها الظلال والأسرار، متجهةً نحو نورٍ جديد، نورٍ قد يكون مشرقاً، وقد يكون محرقاً. لم يكن الأمر يتعلق بحبها لـ"أنس" فقط، بل يتعلق بذاتها، بجذورها، وبالمستقبل الذي يتوجب عليها أن تصنعه بنفسها، بغض النظر عن ثمنه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%