قلبي في يديك 187

صدى الأمس في متاهات الحاضر

بقلم مريم الحسن

كان صباح اليوم التالي يحمل في طياته وعدًا بوهج مختلف، وإن كان ما زال غارقًا في ضباب الحزن. لم يكن الصباح ليُعلن عن انتهاء الليل، بقدر ما كان يؤكد استمرارية الوجود، وقدرة الشمس على تحدي الظلام. استيقظت ليلى على صوت آذان الفجر، ولكنها لم تنهض لتؤدي صلاتها كما اعتادت. كانت ما زالت حبيسة أفكارها، أسيرة ذكرياتها.

بينما كانت تحدق في السقف، غارقة في عالمها الداخلي، سمعت طرقًا خفيفًا على باب غرفتها. لم تكن متعودة على استقبال أحد في هذا الوقت المبكر، ولم تكن ترغب في ذلك. "من هناك؟" سألت بصوت ضعيف، يكاد لا يُسمع.

"أنا يا ابنتي، أمك." جاء صوت السيدة فاطمة، هادئًا ودافئًا، يحمل في طياته حنان الأم.

ترددت ليلى لحظة، ثم قالت: "تفضلي."

فتحت فاطمة الباب، ودخلت الغرفة محملة بصينية فضية أنيقة، عليها كوب من الشاي الساخن وبعض قطع التمر. وضعت الصينية على طاولة جانبية، ثم جلست على حافة السرير، وبدأت تمسح على شعر ابنتها بحنان. "صباح الخير يا روحي. لم أركِ تصلين الفجر."

لم تجب ليلى، بل انكمشت أكثر في فراشها، وكأنها تحاول الاختباء من العالم.

ابتسمت فاطمة ابتسامة حزينة. "أعلم أنكِ ما زلتِ في حالة صعبة. ولكن الدنيا لا تتوقف يا ليلى. يجب أن تأكلي شيئًا، حتى تقوي نفسك. أنتِ بحاجة إلى القوة."

أخذت ليلى كوب الشاي، وبدأت ترتشفه ببطء. كان دفء السائل ينتشر في جسدها، لكنه لم يستطع أن يذيب الجليد الذي يغلف قلبها. "كيف لي أن أتقوى يا أمي؟ وأحمد قد رحل؟ كل أحلامي، كل آمالي، ذهبت معه."

"ليست كل الآمال قد ذهبت يا ابنتي. وهناك أحلام أخرى قد تنتظركِ. قدر الله ما شاء فعل. يجب أن نتقبل ما كتبه لنا." حاولت فاطمة أن تبث بعض الطمأنينة في ابنتها، لكنها كانت تعلم أن الكلمات وحدها لا تكفي.

"ولكن كيف؟ كيف يمكنني أن أتقبل رحيله؟ كيف يمكنني أن أعيش حياة خالية منه؟" سألت ليلى، وقد فاضت عيناها بالدموع.

"بالإيمان يا ليلى. بالإيمان بأن الله رحيم. وأن أحمد في مكان أفضل. وبالتسلح بالصبر. وبالنظر إلى المستقبل. أنتِ ما زلتِ شابة، ولديكِ حياة كاملة أمامك."

"حياة بدون أحمد؟ لا معنى لها." قالت ليلى بمرارة.

"لا تقولي ذلك. حياتكِ لها معنى، ولها هدف. أحمد لم يكن حياتكِ كلها، بل كان جزءًا منها. وجزءًا جميلًا، نعم. ولكن ليس هو النهاية."

تنهدت فاطمة وقالت: "استمعي يا ابنتي. غدًا، سيأتي إلينا ابن عمكِ 'خالد'. لقد تحدث معكِ والدكِ. خالد يريد أن يطمئن عليكِ، وهو يكن لكِ كل الاحترام والتقدير. وهو أيضًا لم ينسَ صداقته بأحمد. قد يكون وجوده مفيدًا لكِ. ربما يمكنكِ التحدث معه، أو الخروج معه قليلًا. تغيير الجو قد يفيدكِ."

ارتجفت ليلى عند سماع اسم خالد. خالد، ابن عمها الأكبر، الشاب الهادئ، الذي لطالما كان سندًا لهم. كان خالد يحب أحمد كثيرًا، ويعتبره أخاه. لقد كان حزينًا جدًا على رحيله. لكن فكرة رؤيته، وفكرة أي شخص آخر، كانت تثير فيها شعورًا بالضيق.

"لا يا أمي، لا أريد أن أرى أحدًا. أريد فقط أن أكون وحدي." قالت ليلى بصرامة.

"ليلى، يا ابنتي، أنتِ تعذبين نفسكِ. وهؤلاء الذين يحبونكِ يعذبون أنفسهم أيضًا. خالد يريد أن يساعدكِ. هو رجل طيب، ورجل صالح. وسيحتل مكانة قريبة من مكانة أحمد في قلوبنا. لا تدعيه يشعر بأنكِ ترفضينه. فهو ليس غريبًا عنكِ."

"أمي، خالد شخص جيد. أعرفه جيدًا. لكنني لست مستعدة. لم تأتِ بعد هذه اللحظة."

"حسناً يا ابنتي. سأتحدث مع والدكِ. ولكن فكري في الأمر. قد يكون لقاؤه مفيدًا لكِ. فقط حاولي." قالت فاطمة، وهي تنهض لتغادر الغرفة، تاركة ابنتها في دوامة أفكارها.

خرجت فاطمة، وشعرت بعبء ثقيل على قلبها. كانت ترى ابنتها تضيع، وغارقة في بحر من اليأس. كانت تعلم أن الصبر مفتاح الفرج، وأن الله لا ينسى عباده. لكنها كانت تتمنى لو تستطيع أن تنقل بعضًا من قوتها إلى ابنتها، حتى تستطيع الوقوف على قدميها من جديد.

بعد رحيل والدتها، لم تستطع ليلى أن تستقر. نهضت من فراشها، وتوجهت نحو نافذتها. كانت الشمس قد ارتفعت، وأضأت سماء الرياض بوهج ذهبي. كانت الأشجار في الحديقة ترقص تحت نسمات الهواء العليل، والطيور تشدو بألحان الحياة. كل شيء كان يعلن عن بداية يوم جديد، وبداية حياة جديدة.

لكن ليلى لم تستطع أن تشارك هذا الحماس. كانت تشعر وكأنها غريبة في هذا العالم. كانت تتذكر كيف كانت تخطط لمستقبلها مع أحمد. كيف كانا يتحدثان عن بيتهم المستقبلي، وعن أطفالهم. كل هذه الأفكار كانت الآن مجرد أشباح، تلاحقها في كل زاوية.

فجأة، سمعت صوتًا غريبًا. صوت لم تكن معتادة عليه. صوت آلات تصوير. نظرت ليلى إلى الشارع، فرأت مجموعة من الصحفيين والمصورين أمام منزلهم. كانوا يبتسمون، ويحملون كاميراتهم.

"ما هذا؟" تساءلت بصوت مرتجف. "من هؤلاء؟"

هرعت إلى والدتها، التي كانت في صالة الاستقبال. "أمي، من هؤلاء الذين في الخارج؟"

نظرت فاطمة إلى الخارج، وبدت عليها الدهشة. "لا أعرف يا ابنتي. لم نتوقع أحدًا."

خرج الشيخ عبد الرحمن من مكتبه، وقد علت وجهه علامات الاستغراب. "ما الأمر؟" سأل.

"لا نعرف يا أبي. هناك صحفيون ومصورون في الخارج." قالت ليلى.

"صحفيون؟ أمام منزلنا؟ هذا غريب جدًا." قال الشيخ عبد الرحمن، وهو يتوجه نحو الباب.

قبل أن يصل إلى الباب، انفتح الباب تلقائيًا، ودخل رجل طويل القامة، يرتدي بذلة أنيقة، وعلى وجهه ابتسامة عريضة. كان يرتدي شارة صحفي.

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." قال الرجل بصوت جهوري. "اسمي 'سعيد'، أنا صحفي من جريدة 'أخبار اليوم'."

نظر الشيخ عبد الرحمن إليه بحذر. "وعليكم السلام. بماذا يمكنني مساعدتك؟"

"سيدي، نحن هنا بناءً على معلومات وردتنا عن حادث السير المأساوي الذي تعرض له المهندس 'أحمد بن سعود'، ابن عمكم." قال سعيد. "نريد أن ننقل للجمهور قصة حبكم، وقصة خسارتكم الأليمة. قصتكم ملهمة، ونحن نعتقد أن نقلها سيمنح الأمل للكثيرين."

صُدمت ليلى. هل وصل خبرها إلى الصحافة؟ هل ستبدأ حياتها المأساوية تصبح مادة للتداول العام؟

"يا بني، إننا نمر بظروف صعبة. ونحن نفضل أن تكون هذه الأمور خاصة بعائلتنا." قال الشيخ عبد الرحمن بجدية.

"أتفهم ذلك سيدي. ولكن قصتكم مؤثرة جدًا. إنها قصة حب حلال، لم تكتمل، ولكنها ستظل في الذاكرة. قصة تضحية، وقصة إيمان. قصتكم ستبعث على الأمل في زمن فقد فيه الكثيرون الأمل." أصر سعيد.

"ولكننا لم نتحدث مع أحد. كيف وصل الخبر إليكم؟" سأل الشيخ عبد الرحمن.

"هناك مصادر كثيرة يا سيدي. ولا نود أن نذكرها. ولكننا هنا لتقديم الدعم. ونحن على استعداد للتكتم على أي تفاصيل لا ترغبون في نشرها."

نظرت ليلى إلى والدها، ثم إلى والدتها. كانت تشعر بالخوف والارتباك. هل يجب أن تسمح لهم بالدخول؟ هل ستستطيع أن تتحمل كل هذه الأضواء، وكل هذه الأسئلة؟

"سيدي، نحن بحاجة إلى وقت للتفكير." قال الشيخ عبد الرحمن.

"بالطبع سيدي. لننتظر. ولكننا نأمل أن توافقوا. إننا نرى فيكم مثالاً للشرف والعائلة والقيم الأصيلة." قال سعيد، وهو يبتسم.

وقف الصحفيون أمام الباب، ينتظرون قرار العائلة. أما ليلى، فقد عادت إلى غرفتها، وشعرت وكأن العالم كله يلتف حولها. صدى الأمس، في متاهات الحاضر، بدأ يزداد ضجيجًا، ولم تعد تعرف ما هو الطريق الصحيح.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%