قلبي في يديك 187
قلبٌ يتوق إلى غدٍ لم يُكتب
بقلم مريم الحسن
عادت ليلى إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها. كان قلبها يخفق بقوة، كطائر أسير يحاول الفرار من قفصه. لم تكن تتخيل يومًا أن حياتها الخاصة، وتفاصيل حزنها، ستتحول إلى مادة للنقاش العام. فكرة أن يصبح آلامها وذكرياتها مع أحمد مادة لقراءة الآخرين، كانت تثير فيها اشمئزازًا عميقًا.
جلست على حافة السرير، وقد التصقت بزجاجة عطر أحمد، تستنشق عبير ذكرياته. كان العطر، كعادته، يمنحها شعورًا غريبًا يجمع بين الحنين والألم. تذكرت كيف كان أحمد يحب هذا العطر، وكيف كان دائمًا ما يضعه قبل لقائهما. كانت تلك اللحظات، التي تبدو الآن بعيدة كنجوم السماء، كفيلة بإشعال لهيب الحنين في قلبها.
"لماذا يحدث كل هذا؟" همست بصوت متقطع، ودموعها تنهمر على خديها. "لماذا يجب أن أتحمل كل هذا العبء؟"
بعد لحظات، سمعت صوت والدتها تطرق الباب برفق. "ليلى، هل أنتِ بخير؟"
ترددت ليلى، ثم أجابت: "نعم يا أمي، أنا بخير."
"هل أنتِ مستعدة للتحدث؟" سألت فاطمة.
"التحدث مع من؟"
"مع الصحفي. والدكِ يريد أن يعرف رأيكِ. إنهم ينتظرون."
تنهدت ليلى. لم تكن ترغب في أي شيء أكثر من أن تختفي في هذه اللحظة. لكنها كانت تعلم أن عليها أن تواجه هذا الأمر. "حسناً يا أمي. سأذهب."
خرجت ليلى من غرفتها، وتوجهت نحو الصالة. كان والداها جالسين، ووجهيهما يعكسان القلق. رأى والدها ابتسامة خافتة على وجهها، فاشار لها بالجلوس.
"هل أنتِ متأكدة يا ابنتي؟" سأل الشيخ عبد الرحمن.
أومأت ليلى برأسها. "نعم يا أبي. لا أريد أن أكون عبئًا عليكم. وإذا كان هذا الأمر سيساعد العائلة، فسأفعل."
"هذا ليس عبئًا يا ليلى. ولكننا لا نريد أن نجبركِ على شيء. إنها خصوصياتكِ، وحزنكِ. أنتِ من تملك الحق في اتخاذ القرار." قال الشيخ عبد الرحمن.
"ولكنني لا أريد أن أرى وجوهًا غريبة تنظر إلينا بحزن، أو فضول. ربما إذا تحدثنا معهم، سيفهمون ويعطوننا مساحة للعيش." قالت ليلى.
"إذا كان هذا ما ترغبين به، فلتكن." وافق والدها.
بعد فترة وجيزة، أذن الشيخ عبد الرحمن للصحفي سعيد بالدخول. دخل سعيد، ومعه مصوره. كان سعيد يتمتع بلباقة عالية، وبأسلوب يجعل المتحدث يشعر بالراحة.
"شكرًا لكم على هذه الفرصة." قال سعيد، وهو يجلس. "أعلم أن هذا وقت عصيب عليكم."
"نحن نمر بظروف صعبة." قال الشيخ عبد الرحمن. "لكننا مستعدون للتحدث."
بدأ سعيد بطرح الأسئلة. سأل عن قصة حب ليلى وأحمد، عن علاقتهما، وعن مدى حبهما. كانت ليلى تجيب بصوت هادئ، ولكنها كانت تشعر وكأنها تقطع جزءًا من قلبها في كل كلمة. كانت تتذكر التفاصيل الجميلة، والحوارات العميقة، والضحكات البريئة. كانت تتذكر كيف كان أحمد يصفها بأنها "الجوهرة النادرة التي وجدها في صحراء الحياة".
"ما هو الشعور الذي انتابكِ عندما علمتِ بخبر رحيل أحمد؟" سأل سعيد.
"لم يكن شعورًا. كان فراغًا. فراغًا هائلاً ابتلع كل شيء. شعرت وكأنني فقدت الجزء الأهم مني. كأن الحياة فقدت معناها." قالت ليلى، وقد غمرت عيناها الدموع.
"وكيف تعاملتِ مع هذا الحزن؟"
"لم أتعامل معه. لقد استسلمت له. تركت الحزن يسيطر عليّ. لم أعد أرى الشمس، ولا أسمع تغريد الطيور. كل ما أراه هو الظلام، وكل ما أسمعه هو صدى اسمه."
"ولكن هناك من يحاول مساعدتكِ. عائلتكِ، وربما آخرون."
"نعم، عائلتي تحاول. ولكن جرحي عميق جدًا. جرح في القلب، وجرح في الروح. ولا أعتقد أن الوقت قادر على شفائه."
"هل هناك شخص معين تحبين أن تذكريه في هذه المقابلة؟ شخص كان له دور كبير في حياتكِ مع أحمد؟"
نظرت ليلى إلى والديها، ثم قالت: "أريد أن أشكر والديّ على صبرهما وحبهما. وأنا أدعو الله أن يرحم أحمد، وأن يجعله في جنات النعيم. وأود أن أقول له، إن قلبي ما زال ينبض بحبه، وإن ذكراه ستظل محفورة في روحي إلى الأبد."
كان المصور يلتقط صورًا لليلى، لوجهها الحزين، وعينيها الدامعتين. كان سعيد يسجل كل كلمة، وكل همسة.
بعد المقابلة، ودع سعيد العائلة، واعدًا بنشر القصة بكل احترام. خرجت ليلى من هذه التجربة تشعر بالإرهاق، ولكنها كانت تشعر أيضًا بشيء من الراحة. ربما كان التحدث عن حزنها، وتفريغ ما في قلبها، خطوة أولى نحو الشفاء.
بعد يومين، ظهرت المقابلة في جريدة "أخبار اليوم". تصدرت ليلى وصورتها الغلاف. انتشر الخبر في كل مكان. بدأ الأهل والأصدقاء بالاتصال، معبرين عن تعاطفهم، ومقدمين الدعم.
وفي الوقت نفسه، بدأ يأتيها بعض الرجال، الذين كانوا يرغبون في التقدم لخطبتها. جميعهم كانوا من عائلات محترمة، ومن بيئات محافظة. ولكن ليلى كانت ترفضهم جميعًا، بأدب ولكن بحزم.
"لا يا أمي، لا يمكنني. لم يمر وقت كافٍ." كانت تقول لوالدتها. "أحمد ما زال في قلبي. كيف يمكنني أن أنظر إلى رجل آخر؟"
"يا ابنتي، الوقت هو الشفاء. والزواج هو سكن ومودة ورحمة. قد تجدين في زوج جديد الراحة والسكينة التي تحتاجينها." قالت فاطمة.
"ولكنه ليس أحمد. ولن يكون أبدًا." ردت ليلى.
وذات مساء، وبينما كانت تجلس في حديقة المنزل، تشم عبير الزهور، سمعت صوتًا يناديها: "ليلى!"
التفتت ليلى، فرأت خالد، ابن عمها، يقف على مسافة منها. كان خالد قد عاد من سفره، وكان يبدو حزينًا ولكنه يحمل في عينيه نظرة أمل.
"خالد!" قالت ليلى، وقد شعرت ببعض الراحة لرؤيته.
"كيف حالكِ يا ليلى؟" سأل خالد، وقد اقترب منها.
"بخير، الحمد لله." أجابت ليلى، ولكنها لم تستطع أن تخفي حزنها.
"لقد قرأت المقابلة. لم أكن أعرف أنكِ تمرّين بهذه الظروف الصعبة." قال خالد، بحزن. "أحمد كان صديقًا عزيزًا. خسارته كانت كبيرة بالنسبة لي أيضًا."
"نعم. لقد كان فقدانه خسارة كبيرة لنا جميعًا."
"ليلى، أنا هنا لدعمكِ. أنا موجود لأي شيء تحتاجينه. لا تترددي في طلب المساعدة." قال خالد، بصدق.
نظرت ليلى إلى خالد، ورأت في عينيه صدقًا لم تره من قبل. ربما كان هذا الرجل، الذي شاركها أحزانها، هو الشخص الذي قد تستطيع أن تعتمد عليه. ربما كان هو غدًا الذي لم يُكتب بعد، ولكنه ينتظرها.
"شكرًا لك يا خالد." قالت ليلى. "كلامك يخفف عني."
"أنا سعيد بأنني أستطيع المساعدة. ولكن أود أن أقول لكِ شيئًا." قال خالد، وقد بدا عليه بعض التردد.
"ما هو؟"
"لقد تحدثت مع والدكِ. وهو يرى أنكِ بحاجة إلى تغيير. وأنا، إذا كنتِ تسمحين لي، أود أن أتقدم لخطبتكِ. ليس من باب الواجب، بل من باب الحب والاحترام. أنا أحترم أحمد، ولن أنسى صداقتي به. ولكنني أيضًا أحترمكِ، وأحبكِ كأخت. وأعتقد أننا معًا، يمكننا بناء مستقبل جديد."
كانت للمات خالد كالصاعقة لليلى. هل يعقل هذا؟ خالد، الذي كان كالأخ لها؟ هل كان يفكر في الزواج منها؟