قلبي في يديك 187
أصداء الذكريات وصخب المشاعر
بقلم مريم الحسن
تجمدت ليلى في مكانها، والكلمات التي نطق بها خالد تتردد في أذنيها كصدى رنينٍ موسيقي غريب، لم تألفه من قبل. "أود أن أتقدم لخطبتكِ." جملة بسيطة، ولكنها حملت معها ثقلًا هائلاً، وأثارت في روحها زوبعة من المشاعر المتناقضة. كيف لخالد، الذي كان دائمًا الأخ والصديق، أن يقدم على هذه الخطوة؟
نظرت إليه، ورأت في عينيه الصدق والجدية، ولكنها رأت أيضًا شيئًا آخر. ربما كان ذلك هو الحب، الحب الذي طالما فرّت منه، والذي تخشى أن تتجرأ عليه مرة أخرى.
"خالد... لا أعرف ماذا أقول." تمتمت ليلى، وقد شعرت بأن أنفاسها أصبحت ضحلة. "أنت تعلم أنني ما زلت أحب أحمد. لم أنسه بعد. قلبي ما زال ينبض بذكرياته."
ابتسم خالد ابتسامة خفيفة، تحمل في طياتها فهمًا عميقًا. "أعلم يا ليلى. وأنا لا أتوقع منكِ أن تنسيه بين عشية وضحاها. أحمد كان رجلًا طيبًا، وحبيبًا مخلصًا. ولن تجدي من ينساه بسهولة. ولكن الحياة تستمر. والحزن، مع مرور الوقت، يصبح ذكرى جميلة، لا عبئًا مؤلمًا."
"ولكن... أنت وخالد... كنا دائمًا كالأخوة." قالت ليلى، وقد بدأ الخوف يتسرب إلى صوتها. "لم أتخيل يومًا أن أراك بهذا الشكل."
"وهل تفكرين بأن الحب يجب أن يأتي فجأة، كالصاعقة؟" سأل خالد بهدوء. "أحيانًا، يبدأ الحب كبذرة صغيرة، تنمو ببطء، وتروى بالاحترام، والتفاهم، والصداقة. أنتِ وأنا، تجمعنا صداقة قوية، وعلاقة عائلية متينة. وهذا ما يجعلني أؤمن بأننا يمكن أن نبني شيئًا جميلًا معًا."
"ولكن... ماذا عن أحمد؟" سألت ليلى، وكأنها تتشبث بالماضي.
"أحمد سيبقى في قلبكِ، وسيظل جزءًا من ذكرياتكِ الجميلة. ولكن هذا لا يعني أنكِ لا تستطيعين أن تحبي مرة أخرى. أن تمنحي قلبكِ فرصة جديدة." قال خالد، وقد اقترب منها قليلًا. "أنا لا أطلب منكِ أن تنسي، بل أن تفتحي الباب لأمل جديد. أنا أقدم لكِ نفسي، كزوج، كشريك، وكصديق. شخص يقف بجواركِ، في أحزانكِ، وفي أفراحكِ."
شعر قلب ليلى ببعض الخفقان. كانت كلمات خالد صادقة، ولم تكن تهدف إلى إزعاجها أو استغلال ضعفها. لقد رأى في عيني خالد أملًا، وأمانًا. شيء كانت تفتقده بشدة.
"خالد، أنت تعرفني جيدًا. وتعرف مدى حبي لأحمد." قالت ليلى، بصوت متقطع. "أنا خائفة. خائفة من أن أخون ذكراه، وخائفة من أن أخذل نفسي."
"لن تخوني ذكراه يا ليلى. بل ستكرمينه ببدء حياة جديدة، حياة سعيدة. وحزنكِ لن يختفي، ولكنه سيتغير. سيعاد تشكيله. وأنا، إذا سمحتِ لي، أستطيع أن أساعدكِ في ذلك." قال خالد. "أنا لا أطلب منكِ قرارًا الآن. فكري في الأمر. تحدثي مع والدتكِ، ومع والدكِ. ما رأيكِ؟"
"لا أعرف يا خالد. كل شيء حدث بسرعة كبيرة."
"خذي وقتكِ يا ليلى. ولكن لا تترددي في أن تسأليني أي سؤال. أنا هنا لأجلكِ." قال خالد، بصدق.
وقفت ليلى أمام والدتها في اليوم التالي، تشعر بثقل القرار. "ماذا تقولين يا ليلى؟" سألت فاطمة، وقد لاحظت حزن ابنتها.
"خالد... يريد أن يخطبني يا أمي." قالت ليلى، بصوت منخفض.
اتسعت عينا فاطمة. "حقًا؟ هذا خبر جيد! خالد رجل صالح، ورجل يعتمد عليه. وأحمد كان يحبه كثيرًا. أعتقد أن هذه فرصة رائعة لكِ يا ابنتي."
"ولكنني خائفة يا أمي. ما زلت أحب أحمد. كيف لي أن أبدأ حياة جديدة مع رجل آخر؟"
"يا ابنتي، أحمد في رحمة الله. وقدركِ ما زال مستمرًا. خالد ليس غريبًا. إنه ابن عمكِ، وهو يحبكِ ويحترمكِ. وقد يكون هو السند الذي تحتاجينه في هذه الفترة العصيبة." قالت فاطمة، وهي تمسك بيد ابنتها. "والحب، يا ليلى، لا يأتي بالطلب، ولكنه يأتي بالصبر، وبالتقدير، وبالتفاهم. ربما تجدين مع خالد حبًا جديدًا، حبًا يختلف عن حب أحمد، ولكنه قد يكون جميلًا أيضًا."
"ولكن... هل يجب أن أوافق؟"
"القرار لكِ يا ابنتي. ولكنني أرى فيه خيرًا لكِ. انظري إلى المستقبل. هل تريدين أن تعيشي باقي حياتكِ في حزن؟ أم تريدين أن تمنحي نفسكِ فرصة للسعادة؟"
فكرت ليلى كثيرًا. كانت والدتها على حق. كانت بحاجة إلى تجاوز حزنها، والبدء من جديد. كانت بحاجة إلى شخص يقف بجوارها، يدعمها، ويحبها. ورغم أن حبها لأحمد كان عميقًا، إلا أنها أدركت أن هذا لا يعني أن الحياة قد انتهت.
"ما رأيكِ في خالد؟" سألت ليلى والدتها.
"خالد رجل طيب. وأخلاقه نبيلة. ودينه قوي. أعتقد أنه سيكون زوجًا صالحًا لكِ." قالت فاطمة.
"ولكن... هل سيحبني؟ هل سيستطيع أن يتجاوز فكرة أنني كنت أحب أحمد؟"
"الحب يا ليلى، لا يمكن الحكم عليه. ولكن الاحترام، والتقدير، والتفاهم، هذه أمور يمكن بناؤها. وأنا متأكدة أن خالد رجل حكيم، وسيفهم موقفكِ."
"ربما... ربما يجب أن أعطيه فرصة." قالت ليلى، بصوت متردد.
"هذا هو رأيي أيضًا. تحدثي معه مرة أخرى. وقولي له أنكِ مستعدة للتفكير في الأمر. ولكن لا تستعجلي. خذي وقتكِ، واستخيري الله."
في اليوم التالي، التقت ليلى بخالد مرة أخرى. كان اللقاء في حديقة المنزل، تحت ظلال أشجار النخيل. كانت الأجواء هادئة، تليق بلحظة اتخاذ قرار مهم.
"خالد..." بدأت ليلى، وشعرت بتوتر شديد. "لقد فكرت في كلامك."
ابتسم خالد، وشعر بأن شيئًا ما قد تغير. "وماذا كان تفكيركِ؟"
"أنا... أنا لا أستطيع أن أنسى أحمد. ذكراه ما زالت حية في قلبي. ولكنني أدرك أنني بحاجة إلى المضي قدمًا. وأنني بحاجة إلى شخص يقف بجانبي." قالت ليلى، وقد بدأت الدموع تتجمع في عينيها.
"وهل ترين أنني أستطيع أن أكون ذلك الشخص؟" سأل خالد، بصوت مليء بالأمل.
"ربما... ربما نعم." أجابت ليلى، بصوت خافت. "أنا مستعدة لمنحي هذه الفرصة. ولكني أريد منك شيئًا واحدًا."
"ما هو؟"
"أريد منك أن تتفهم أن أحمد سيظل جزءًا من ماضي. وأنني قد احتاج إلى وقت لأتكيف. وأنني قد أتحدث عنه أحيانًا. أريد منك أن تكون صبورًا."
"بالتأكيد يا ليلى. الصبر هو مفتاح كل شيء. وأنا مستعد لأن أكون صبورًا. بل وأكثر من ذلك. أنا مستعد لأن أحتضن ذكرياتكِ، وأحتضن ماضيكِ، وأبني معكِ مستقبلًا جديدًا." قال خالد، وقد لمعت عيناه.
"إذن... موافقة." قالت ليلى، بابتسامة خافتة، ولكنها كانت ابتسامة تحمل في طياتها بارقة أمل.
"الحمد لله." قال خالد، وقد شعر بارتياح كبير. "الله سبحانه وتعالى دائمًا مع الصابرين. وسيجعل في هذا القرار خيرًا."
"ولكن... لا أريد أن يعلم أحد بهذا الأمر الآن. أريد أن آخذ وقتي، وأن أستعد نفسيًا. لا أريد أن أرى نظرات الشفقة، أو الفضول."
"هذا حقكِ. وسأحترم رغبتكِ. سنحافظ على خصوص