قلبي في يديك 187
وهم السراب
بقلم مريم الحسن
كان الليل قد ألقى بظلاله الداكنة على مدينة الرياض، وقد انسدل السكون على أرجائها، إلا من همسات الريح العابرة ووشوشات النخيل المتمايلة. في ذلك الجو الساحر، كانت نورسين تجلس في شرفتها المطلة على حديقة منزل عائلتها الوارفة، تتأمل النجوم التي بدت وكأنها تحاكي لمعان الأمل في عينيها، أو ربما تختبئ خلف ستار من الأحزان. كان قلبها يخفق بشدة، ذلك الخفقان الذي اعتادته في حضرة يوسف، ذلك الشاب الذي تملك زمام مشاعرها، وحول حياتها الهادئة إلى ألوان زاهية لم تكن تعرف بوجودها.
لكن هذه الليلة، كان الخفقان محملاً بعبء أثقل، بظلٍ داكنٍ بدأ يتسلل إلى صفاء علاقتها بيوسف. كانت تتذكر تلك المكالمة الهاتفية التي دارت بينهما قبل ساعات. صوت يوسف كان مختلفًا، فيه خشونة لم تعهدها، ونبرة عتاب مبطنة أحالت قلبها إلى قطعة جليد. لقد تحدث عن "أمرٍ مهم" يريد أن يصارحها به، عن "ثقلٍ" ينوء به صدره، وعن "حاجةٍ" دفينةٍ في أعماقه. هذه الكلمات، الغامضة والمقلقة، ظلّت تدور في فلك تفكيرها، تغذي مخاوفها وتوقظ قلقها.
"ما هذا الثقل يا يوسف؟" تساءلت بصوت خافت، وكأنها تتحدث إلى الفراغ. "وما هي الحاجة التي تشغل بالك؟ هل هي مني؟ هل أخطأت في شيء؟"
لم تكن نورسين تدرك أن "الثقل" الذي تحدث عنه يوسف لم يكن شيئًا بسيطًا، بل كان إدمانًا خفيًا، سراً أسود داكنًا كان يخفيه عن العالم أجمع، وعن أقرب الناس إليه، وخاصة عن نورسين التي يحبها بحجم السماء. منذ سنوات، وهو يكافح هذا الإدمان، تلك الرغبة الملحة التي تداهمه في أوقات ضعفه، وتدفعه إلى سلوكيات يندم عليها لاحقًا. كان يظن أنه قد تخلص منه، أو على الأقل استطاع السيطرة عليه، حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم الذي استيقظ فيه على نداء ذلك السراب اللعين مرة أخرى.
في الجهة الأخرى من المدينة، كان يوسف يقضي ليلة لا تقل قلقًا عن نورسين. كان يجلس في غرفته، يحدق في هاتفه وكأنه يحمل كل أسرار الكون. كانت صورة نورسين معلقة على حائط غرفته، تبتسم له ابتسامة تفيض بالحب والنقاء. كلما نظر إليها، شعر بوخزٍ في قلبه، وخجلٍ عميقٍ من نفسه. لقد وعدها بصدق، ووعد نفسه بأنه سيصبح أفضل من أجلها، من أجل مستقبلهما الذي يرسمانه معًا. لكن كيف يمكنه أن يفي بوعده وهو غارقٌ في مستنقعٍ يكاد يبتلعه؟
كانت الليلة هي الأولى التي يشعر فيها بعجزٍ تام. لقد حاول كل شيء. حاول أن يشغل نفسه، أن يركز على عمله، أن يتحدث مع أصدقائه. لكن تلك الرغبة كانت أقوى، تتسلل إلى تفكيره كالسم، تتلاعب بأعصابه، وتوقظ فيه ذلك الشوق المخيف. لقد شعر وكأنه وحشٌ جائعٌ لم يتذوق طعامًا منذ أيام، يئن ويتلوى بحثًا عن شيءٍ يطفئ لهيبه.
"لقد دمرت نفسي،" تمتم بصوتٍ مختنق. "ولم أدمر نفسي فقط، بل سأدمرها هي أيضًا."
تذكر كيف بدأت القصة. بدايةً، كان الأمر مجرد "تجربة" بريئة، كما كان يصفها لنفسه. مجرد ترفٍ عقلي، وسيلة للهروب من ضغوط الحياة. لكن الهروب تحول إلى إدمان، والترف تحول إلى عبودية. لقد كان يتعاطى مخدراتٍ خفيفة، لا تسبب له أضرارًا جسدية واضحة في البداية، لكنها تركت بصماتها العميقة على نفسيته، وعلى قدرته على التحكم بنفسه. لقد كان حذرًا في إخفاء الأمر، يعيش حياة مزدوجة، يظهر بمظهر الشاب الناجح، المثالي، الشريف، بينما يخفي في داخله وحشًا يقظًا.
كانت العلاقة بنورسين هي المنارة التي أنارت له دربه. لقد أحبها حبًا صادقًا، حبًا جعله يرى العالم بعينٍ مختلفة، عينٍ ترى المستقبل المشرق، عينٍ ترى قيمة الحياة الحقيقية. لقد دفعه حبها إلى محاولة التغيير، إلى الرغبة في أن يكون ذلك الرجل الذي تستحقه. لقد حاول، حقًا حاول. كان يتناول أعشابًا معينة، ويتبع حميات غذائية، ويقوم بتمارين روحية، كل ذلك بهدف تقوية إرادته ومقاومة الرغبة.
لكن في الأيام الأخيرة، ضعفت إرادته. ربما كان ضغط العمل، أو بعض المشاكل العائلية التي بدأت تتكشف، أو ببساطة، استيقاظ ذلك الوحش النائم. لقد عاد إلى نفس السلوك الذي كان يخشاه، وعاد معه الشعور بالذنب واليأس.
"كيف يمكنني أن أخبرها؟" تساءل بصوتٍ متهدج. "كيف يمكنني أن أضع هذا العبء الثقيل على قلبها؟ لن تسامحني، ولن تفهم."
كان يعلم أن نورسين فتاة نقية، طيبة القلب، تربت على قيمٍ أصيلة. كانت علاقتها به مبنية على الثقة والشفافية. كيف يمكنه أن يكشف لها عن هذا الجانب المظلم من حياته؟ كان يخشى أن تراه بعينٍ مختلفة، أن تشعر بالاشمئزاز أو الخوف. كانت تلك المخاوف تنهش روحه، وتزيد من وحدته.
في المقابل، كانت نورسين تشعر بشيءٍ غامضٍ يتسلل إلى عالمها. كانت تعرف يوسف حق المعرفة، تعرف صدقه، تعرف طيبته. لكن هذه المرة، كان هناك شيءٌ مختلف. لم يكن الأمر مجرد شعورٍ بالغيرة أو الشك، بل كان إحساسًا بأن شيئًا ما قد انكسر، أو على وشك أن ينكسر.
تذكرت كيف كان والدها، الرجل الحكيم، يحدثها دائمًا عن أهمية الصدق والوضوح في العلاقات، وعن أن الحب الحقيقي ينمو في أرض الثقة، ويزدهر تحت سماء الشفافية. لقد كانت نورسين دائمًا تؤمن بهذه المبادئ، وتراها جزءًا لا يتجزأ من بناء أسرةٍ متينة.
"إذا كان هناك شيءٌ يخفيه، فربما ليس لأنه يريد إيذائي،" فكرت بصوتٍ مسموع. "ربما لأنه يخاف. يخاف أن يخسرني. ولكنه يخسرني بالفعل بهذا الإخفاء."
نهضت من مكانها، واتجهت نحو نافذة غرفتها. كانت السماء مليئة بالنجوم، تتلألأ ببريقٍ باهت. كانت تراها كأنها دموع السماء، دموعٌ تعكس ما في قلبها من حزنٍ وألم.
"يوسف،" همست باسمه، وكأنها ترسل همسها عبر المسافات. "أتمنى أن تكون قويًا بما يكفي لمواجهة ما تقلق بشأنه. وأتمنى أن تكون شجاعًا بما يكفي لتشاركني همومك. أنا هنا، وسأكون دائمًا هنا."
لم تكن تعلم أن كلماتها، وإن لم تصل إليه مباشرة، كانت تحمل قوةً خفية، قوة الحب والدعم التي تحتاجها لتجاوز هذه المحنة. ولكن ما هو بالتحديد ذلك "السراب" الذي استدرج يوسف؟ وما هي النتائج التي ستترتب على إدمانه؟ وهل ستتمكن نورسين من مساعدة يوسف في العودة إلى الطريق الصحيح، أم أن هذا السراب سيغرق كليهما في صحرائه القاحلة؟ كانت الأسئلة تحوم في الأجواء، تبعث قلقًا عميقًا، وتشوق للقادم.