قلبي في يديك 187
أغلال السر
بقلم مريم الحسن
أغلال السر تسللت خيوط الفجر الأولى، حاملةً معها وعدًا بيومٍ جديد، لكنها بدت باهتةً خلف ستائر القلق التي نسجتها ليلة أمس. في شرفة منزل عائلة الغامدي، كانت نورسين تجلس، وقد غفا على وجهها تعبٌ عميق. لم تنم ليلتها، فبقايا المكالمة مع يوسف كانت تتردد في أذنها، تثير القلق في قلبها. كل كلمة قالها، كل وقفة، كل تنهيدة، كانت تحمل معنىً خفيًا، معنىً لم تستطع فك شفرته بعد.
"هل كان يشعر بالذنب؟" سألت نفسها بصوتٍ بالكاد يُسمع. "لماذا؟ ما الذي فعله لكي يشعر بالذنب تجاهي؟"
كان يوسف رجلًا نادرًا، لطيفًا، كريمًا، صاحب أخلاقٍ رفيعة. كانت علاقتها به تتجاوز مجرد الإعجاب، لقد كانت مبنية على الاحترام المتبادل، وعلى قناعةٍ راسخةٍ بأنه الرجل الذي يمكن أن تبني معه مستقبلًا آمنًا ومستقرًا. لقد رأته في أبهى صوره، في أضعف لحظاته، وكان دائمًا عند حسن ظنها. ولكن تلك المكالمة، ذلك الصوت الذي حمل بين طياته ثقلًا غريبًا، ألقى بظلالٍ من الشك في أذهانها.
في هذه الأثناء، كان يوسف قد استيقظ قبل شروق الشمس. لم يكن جسده مريحًا، بل كان منهكًا، يعاني من صداعٍ حادٍ وثقلٍ في رأسه. كانت آثار الليلة الماضية لا تزال بادية على وجهه، هالات سوداء حول عينيه، ووجهٌ شاحب. لقد حاول مقاومة الرغبة، بذل كل ما في وسعه، لكنه استسلم أخيرًا. كانت تلك اللحظة من الضعف، تلك اللحظة التي استسلم فيها لإدمانه، هي أشد اللحظات إيلامًا له.
"لقد خذلتها،" همس وهو يحدق في انعكاسه المشوه في المرآة. "خذلت نفسي، وخذلتها."
كان الإدمان بمثابة وحشٍ مفترسٍ كامنٍ في داخله، ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض. لقد كان يظن أنه قد استطاع ترويضه، أو على الأقل حصره في زاويةٍ بعيدةٍ من عقله. لكنه استيقظ مرة أخرى، مدفوعًا بالضغط، بالوحدة، وربما باليأس.
لقد بدأ هذا الإدمان منذ سنوات، في فترةٍ عصيبةٍ مر بها. كان يبحث عن وسيلةٍ للتغلب على الألم، على الشعور بالفراغ. وجد في تلك المواد المخدرة ملاذًا مؤقتًا، هروبًا من الواقع. لكن الهروب تحول إلى قيد، والراحة تحولت إلى سجن.
كانت علاقته بنورسين هي المنقذ الحقيقي. لقد رأى فيها الأمل، الغاية، الرجل الذي يريد أن يكون. لقد وعدها بصدق، ووعد نفسه بأنه لن يسمح لهذا الظلام بأن يبتلع حياته. كان يتناول بعض العقاقير التي تساعده على الاسترخاء وتقليل التوتر، وكان يمارس الرياضة بانتظام، ويحاول أن يشغل وقته بكل ما هو مفيد. لقد نجح في ذلك لبعض الوقت، نجاحٌ جعله يشعر بالفخر والأمل.
لكن في الأيام الأخيرة، شعر بضعفٍ غريب. ضغوط العمل المتزايدة، بعض المشاكل المالية التي لم يكن يعرف كيف يتغلب عليها، كل هذه الأمور أدت إلى تفاقم توتره. وفي لحظة ضعفٍ شديدة، وبعد ليلةٍ طويلةٍ من القلق، عاد إلى ذلك السلوك القديم.
"لماذا؟" تساءل بعصبيةٍ وهو يمسح وجهه بيديه. "لماذا أعود إلى هذا؟ لماذا لا أستطيع التخلص منه نهائيًا؟"
كان يشعر بالغضب من نفسه، من ضعفه. كان يعلم أن هذه المواد ليست سوى سرابٍ زائف، لا تقدم سوى راحةٍ مؤقتةٍ ثم تترك وراءها جحيمًا من الندم والذنب.
كانت نورسين تنتظره. كانت تخطط للقاء به في ذلك اليوم، لتشاركه أفكارها، ولتعبر له عن دعمها. كانت تعلم أن هناك شيئًا ما يزعجه، وشيئًا ما يخفيه. لقد كانت على استعدادٍ للاستماع، لتقديم المساعدة، ولكن كيف يمكنها أن تساعده إذا كان هو نفسه لا يستطيع مساعدتها؟
"ربما يجب أن أخبرها،" فكر يوسف بخوفٍ متزايد. "ربما يجب أن أضع كل شيءٍ على الطاولة، وأدعها تقرر."
لكن فكرة إخبار نورسين كانت مرعبةً له. لقد كان يحبها حبًا عميقًا، وكان يخشى أن تتغير نظرتها إليه. كانت هي ملاذه، هي دافعه للتغيير، هي النور الذي يضيء دربه. أن يخبرها بهذا السر المظلم، يعني أن يخاطر بفقدانها، بفقدان كل شيء.
"إذا أخبرتها، قد تنفر مني،" قال لنفسه بصوتٍ مرتعش. "قد ترى فيّ مجرد شخصٍ مدمن، شخصٍ لا يستحق حبها."
كان يعلم أن إدمانه ليس مجرد عادة، بل هو مرضٌ نفسيٌ وجسدي. لكنه كان يخشى أن لا يرى الآخرون سوى "الضعف" و"الخطيئة".
كان والد نورسين، الحاج صالح، رجلًا ذا حكمةٍ وبصيرة. كان يؤمن دائمًا بأن الأسرار، حتى لو كانت بنيتها طيبة، يمكن أن تتحول إلى جدرانٍ تفصل بين القلوب. كان يوصي ابنته دائمًا بالوضوح والصراحة.
"يا ابنتي،" كان يقول لها دائمًا، "إذا شعرتِ بأن هناك شيئًا يعكر صفو علاقتك، فلا تسكتي. تحدثي، استمعي، حاولي أن تفهمي. فالحوار هو جسرٌ بين القلوب."
كانت نورسين تتذكر كلام والدها دائمًا، وتطبقه على حياتها. كانت تؤمن بأن الصدق، حتى لو كان مؤلمًا، هو أفضل من السكوت الذي يولد الشكوك.
في منزل عائلة الغامدي، قررت نورسين أن تتجاوز حذرها. لقد شعرت بأن الوقت قد حان. أمسكت هاتفها، وبدأت بكتابة رسالةٍ ليوسف. كانت الرسالة مليئة بالحب، بالقلق، وبالرغبة في فهم ما يدور في خلده.
"يوسف الغالي،" بدأت بكتابة، "آمل أن تكون بخير. منذ مكالمتنا الأخيرة، وقلبي مشغولٌ عليك. أحسست بأن هناك شيئًا ما يزعجك، شيئًا تثقل به صدرك. أرجوك، لا تحمل كل شيءٍ وحدك. أنا هنا، أحبك، وأريد أن أكون بجانبك، مهما كان الأمر. أرجوك، دعنا نتحدث."
كانت هذه الكلمات تعبر عن جوهر حبها، حبها الذي لا يضع شروطًا، حبها الذي يمنح الأمان. ولكن هل سيستطيع يوسف التغلب على خوفه، ويفتح قلبه لنورسين، أم أن أغلال السر ستظل تقيده، وتدفعه نحو المزيد من الهاوية؟ كان السؤال يثير تساؤلاتٍ أخرى، ويجعل النفس تشتاق إلى معرفة ما سيحدث.
===