قلبي في يديك 187

تقاطعات القدر

بقلم مريم الحسن

في حيٍّ شعبيٍّ قديم، تتلاصق فيه البيوت وتتشابك فيه الأزقة، كانت تعمل الشابة "لمى" في دكانٍ صغيرٍ لبيع العطور والبخور. لمى، فتاةٌ بسيطةٌ، لكنها تتمتع بقلبٍ واسعٍ وروحه مرهفة. كانت تعيش مع جدتها المريضة، وكانتا تعتمدان على دخل الدكان المتواضع لتغطية نفقاتهما.

لمى، وإن بدت بسيطةً، كانت تحمل في طياتها حلمًا كبيرًا، حلمًا بالدراسة الجامعية، حلمًا بالاستقلال المادي. لكن الظروف لم تكن دائمًا في صالحها. كانت تعمل بجدٍ، وتدخر كل قرشٍ تستطيع توفيره، على أمل أن يأتي اليوم الذي تستطيع فيه تحقيق حلمها.

في أحد الأيام، بينما كانت لمى تترتب بعض العطور على الرفوف، دخل شابٌ إلى الدكان. كان نحيفًا، شاحب الوجه، تبدو عليه علامات الإرهاق. كان هذا الشاب هو "سعود"، وهو شابٌ كان يعاني من مشاكل نفسيةٍ واجتماعيةٍ عديدة، وكان يقضي معظم وقته في التسكع والضياع.

سعود، لم يكن غريبًا على حيّهم. كان معروفًا بالصعوبة، وبمشاكله التي لم يكن أحدٌ يعرف أسبابها الحقيقية. كان يراه الناس كشابٍ ضائع، لكن لمى، وبسبب طيبة قلبها، كانت تراه كشخصٍ يحتاج إلى المساعدة.

"هل تبحث عن شيءٍ معين؟" سألت لمى بصوتٍ لطيف.

نظر سعود إليها، ورأى في عينيها بريقًا من الاهتمام، بريقًا لم يجده في عيون الآخرين. شعر بشيءٍ غريبٍ يلامس روحه، شيءٌ من الدفء والتقدير.

"لا، فقط... أبحث عن شيءٍ يعيد إليّ بعض الهدوء،" قال سعود بصوتٍ متعب.

ابتسمت لمى، وقالت: "ربما تفضل رائحة الورد، أو ربما رائحة البخور. كلها تحمل هدوءًا خاصًا."

بدأت لمى في عرض بعض العطور والبخور على سعود. لم يكن سعود مهتمًا بالشراء، لكنه كان يستمتع بالحديث معها. كانت كلماتها بسيطة، لكنها كانت تحمل معنىً عميقًا، معنىً من الأمل والإيجابية.

كان سعود، في الواقع، يمر بأزمةٍ حقيقية. لقد كان يعاني من إدمانٍ خفيٍ لموادٍ مخدرةٍ كانت تسيطر على حياته. كان يحاول التوقف، لكنه لم يجد الدعم الكافي، ولم يمتلك الإرادة القوية.

"هل تعتقدين أن هناك شيئًا يمكن أن يغير حياتي؟" سأل سعود لمى فجأة.

فوجئت لمى بسؤاله، لكنها أجابت بثقة: "بالتأكيد. الحياة دائمًا تحمل فرصًا للتغيير. فقط تحتاج إلى الإيمان بذلك، والإيمان بنفسك."

لم تستطع لمى أن تعرف أن كلماتِها البسيطة، تلك الكلمات التي تحمل براءةَ القلب، كانت تلامس وترًا حساسًا في روح سعود. لقد شعر بأن هناك أملًا، وأن هناك شخصًا يؤمن به.

في هذه الأثناء، كانت عائلة آل سيف تستعد لرحلةٍ علاجيةٍ ليوسف. بعد اعترافه لنورسين، قررت العائلة أن تبدأ مرحلة العلاج بشكلٍ جاد. استأجروا مكانًا هادئًا في إحدى المدن الساحلية، لتكون هناك فرصةً ليوسف للابتعاد عن الضغوط، ولتلقي العلاج المناسب.

نورسين، كالعادة، كانت الداعم الأول ليوسف. لقد كانت ترافقه في رحلته، وتمنحه القوة والأمل. كانت تعرف أن الطريق لن يكون سهلاً، لكنها كانت على استعدادٍ للمشاركة في كل خطوة.

"يوسف،" قالت له في إحدى الليالي، "تذكر، أنت لست وحدك. أنا معك، وعائلتك معك. وسوف نتجاوز هذا الأمر معًا."

كانت كلماتها هذه كبلسمٍ لروح يوسف. لقد شعر بأن هناك من يحبه ويدعمه، وأن هناك فرصةً حقيقيةً للنجاة.

بالعودة إلى حيّ لمى، كان سعود قد بدأ يشعر ببعض التغيير. كان يزور دكان لمى بانتظام، ليس للشراء، بل للحديث. كان يتحدث إليها عن أحلامه، عن مخاوفه، عن كل ما يعانيه.

لمى، بدورها، كانت تستمع إليه بصبرٍ وتعاطف. كانت تشجعه على البحث عن مساعدةٍ متخصصة، وعلى تغيير حياته.

"سعود،" قالت له في إحدى المرات، "هناك مراكز متخصصة لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من مشاكل مشابهة. ربما يجب أن تفكر في زيارة أحدهم."

فكر سعود في كلامها. لقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يشعر فيها بأن هناك من يؤمن بقدرته على التغيير.

"هل تعتقدين حقًا أنني أستطيع أن أتغير؟" سأل سعود لمى.

"أنا لا أعتقد، أنا متأكدة،" أجابت لمى بثقة. "الإنسان قادر على تغيير حياته، ما دام لديه الرغبة والإرادة."

كانت هذه المحادثة نقطة تحولٍ لسعود. لقد بدأ يبحث بجديةٍ عن المساعدة، وبدأ يفكر في مستقبله.

في هذه الأثناء، كان هناك تقاطعٌ غير متوقعٍ في القدر. فقد علمت السيدة فاطمة، والدة يوسف، عن أحد المراكز العلاجية المرموقة في المدينة الساحلية. وعندما بحثت عن معلوماتٍ حول المركز، وجدت أن هناك مساعدةً نفسيةً متاحةً أيضًا للأشخاص الذين يعانون من مشاكل اجتماعيةٍ ونفسية.

"ربما يمكن أن يكون هذا مفيدًا لسعود أيضًا،" فكرت السيدة فاطمة. "إذا كان يوسف بحاجةٍ للمساعدة، فقد يكون هناك شبابٌ آخرون بحاجةٍ إليها أيضًا."

لقد علمت السيدة فاطمة عن سعود من خلال بعض معارفها في الحي. سمعت عن قصته، وعن معاناته.

"سأحاول أن أساعده،" قررت السيدة فاطمة. "لن أترك أي شخصٍ يعاني إذا كان بإمكاني المساعدة."

كان هذا القرار من السيدة فاطمة سيؤدي إلى تقاطعٍ بين عالمي يوسف وسعود. عالمٌ يسعى فيه يوسف إلى الشفاء من إدمانه، وعالمٌ يبحث فيه سعود عن طريقٍ للخروج من ضياعه. كانت تقاطعات القدر هذه تحمل في طياتها الكثير من التساؤلات، والكثير من التشويق. هل ستساعد هذه التقاطعات في شفاء الجميع؟ أم أنها ستؤدي إلى تعقيداتٍ جديدة؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%