الفصل 1 / 25

حب وكرامة 188

شروقٌ على رمالٍ عطشى

بقلم فاطمة النجار

ارتعشَ الهواءُ فوقَ سهولِ نجدٍ العتيقة، مُحمّلاً بعبقِ النّفَلِ البرّيِّ ووشوشاتِ الرّياحِ التي تروي قصصَ الأجدادِ. كانت الشمسُ، قرصٌ من ذهبٍ مصهور، ترتسمُ على خطِّ الأفقِ، مُنبئةً ببدءِ يومٍ جديدٍ، يومٍ قد يحملُ في طيّاتهِ قدرًا لم يُخطّط له. في قلبِ هذهِ الصحراءِ الشاسعة، حيثُ تتراقصُ الأشباحُ وتُناجي النّجومُ الصّامتون، كانت تقفُ "ليلى"، فتنةُ القلوبِ وعقلُ العقولِ، كصخرةٍ عتيقةٍ صمدتْ أمامَ عواصفِ الزّمن.

كانتْ تستندُ إلى جذعِ نخلةٍ وارفةِ الظلال، ترتشفُ من قربةِ ماءٍ باهتةِ اللّون، عيناها السوداوانِ، واسعتانِ كليالي الصحراءِ الصّافية، تتتبّعانِ خطا بعيرٍ وحيدٍ يتيهُ في الأفقِ. ارتدتْ ملابسَ نساءِ الباديةِ المتواضعة، ثوبٌ فضفاضٌ بلونِ الرمالِ، وغطاءٌ يلفّ شعرها الأسودَ الفاحمَ، لكنّ الأناقةَ كانتْ تنبعثُ من كلِّ ذرّةٍ من كيانها، من طريقةِ وقوفها، من هدوءِ حركاتها، من النّظرةِ الثّاقبةِ التي كانتْ تخترقُ الغموضَ.

ليلى لم تكنْ مجرّدَ فتاةٍ في باديةٍ نائية. كانتْ ابنةَ شيخِ القبيلةِ، "سلطان"، الذي اشتهرَ بحكمتهِ وعدله، وورثتْ عنهُ ذكاءً حاداً وطموحاً جامحاً، يتجاوزُ حدودَ مجتمعها المحافظ. لكنّ هذهِ الطموحاتِ كانتْ مُقيدةً بصرامةِ التقاليدِ، وبصورةٍ نمطيةٍ للمرأةِ في ذلكَ الزمانِ والمكان.

"هل وجدتهُ يا ابنتي؟"

جاءَ الصوتُ خافتاً، يحملُ نبرةَ قلقٍ عميق، وانبعثَ من خلفِ النخلةِ رجلٌ طاعنٌ في السن، ذو لحيةٍ بيضاءَ تشقّقَ وجههُ، وهو "صالح"، كبيرُ الخدمِ ورفيقُ دربي والدها.

استدارتْ ليلى، ابتسامةٌ رقيقةٌ ارتسمتْ على شفتيها، لكنّ عينيها لم تخفِا شيئاً من انزعاجها. "لا يا عمّي صالح. يبدو أنهُ قد ضلَّ الطريقَ تماماً."

كانتْ تبحثُ عن جملٍ، جملٍ أهدتهُ إياها جدتُها قبلَ أنْ تُودّعَ هذهِ الدنيا، جملٌ ذو لونٍ أبيضَ ناصعٍ، ويُقالُ أنّهُ من سلالةٍ كريمةٍ، يمتلكُ سرعةً فائقةً وقوةً لا تُضاهى. كانتْ تستعدُّ للسفرِ إلى المدينةِ، للقاءٍ مُهمٍّ، لم تُفصحْ عن تفاصيله لأحدٍ. كانَ هذا اللقاءُ يمثلُ بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ في حياتها، مرحلةٌ ستُعيدُ تشكيلَ مسارها، وربما، قدرها.

"أتعبتِ نفسكِ يا ليلى. الصحراءُ لا ترحمُ الضياع. لربما عادَ إلى القطيع." قالَ صالحٌ بنبرةٍ أبويةٍ.

تنهدتْ ليلى. "ولكنّهُ كانَ وعدي لهُ. لا أستطيعُ أنْ أتخلّى عن وعدي. وخاصةً هذا الوعد."

كانَ هناكَ شيءٌ في صوتها، في طريقةِ تشديدها على كلمةِ "هذا"، يُشيرُ إلى أهميةٍ تتجاوزُ مجرّدَ جملٍ. في الواقع، كانَ جملُها هذا، "المهيب"، يمثلُ مفتاحاً لشيءٍ أعمق. كانتْ تخفي سراً، سراً يتعلقُ بهذا الحيوانِ الأليفِ، وبالسببِ الحقيقيِّ وراءَ بحثها المحمومِ عنه.

"لا تقلقي يا عمّي. سأجدهُ. مهما طالَ البحث." قالتْ ليلى بحزمٍ، تتجاهلُ تحذيراتِ صالحٍ وواقعَ الأمرِ القاسي.

مرّتْ ساعاتٌ، والشمسُ ترتفعُ أكثرَ فأكثر، وتُطلقُ أشعتها اللاذعةَ على الأرض. استمرتْ ليلى في بحثها، تتنقّلُ بينَ الكثبانِ الرمليةِ، وتُراقبُ أفقَ الصحراءِ المترامي الأطراف. لم تكنْ تملكُ سلاحاً سوى بصيرتها الثّاقبةِ، وإصرارها الذي لا يلين.

فجأةً، لمحَتْ شيئاً بعيداً، شيئاً لم يكنْ من طبيعةِ الرمالِ أو الأشجارِ البرية. كانتْ نقطةً داكنةً تتحركُ ببطءٍ، تتجهُ نحوها. شعرتْ بخفقانٍ مفاجئٍ في قلبها. هل هو؟

اقتربتِ النقطةُ أكثر، واتّضحتْ ملامحها. لم يكنْ جملاً، بل كانَ رجلاً. رجلاً يركبُ على جملٍ، يبدو عليهِ التعبُ والإرهاق. كانَ يرتدي ثياباً قذرةً، وغبارَ الصحراءِ قد غطّى وجههُ، لكنّ عينيهِ، عندما رفعَ رأسهُ ورآها، كانتا تشعّانِ ببريقٍ غريب، بريقُ أملٍ ورجاء.

لمعتْ عينا ليلى. كانتْ تعرفُ هذا الرجل. لم ترهُ من قبل، لكنّ صورتهُ قد تركتْ أثراً عميقاً في ذاكرتها. كانتْ صورةٌ رأتها في حلمٍ، أو ربما في وصفٍ قرأتهُ في كتابٍ قديم.

وقفَ الرجلُ أمامها، وأنزلَ رأسهُ متعباً. "السلامُ عليكم. هل لكِ أنْ تُعطيني القليلَ من الماء؟"

تجاوبتْ ليلى على الفور، رغمَ دهشتها. "وعليكم السلام. تفضّل."

مدّتْ إليهِ قربتها، وسكبَ الرجلُ الماءَ في كفهِ المرتعشِ، وشربَ بنهمٍ، كمنْ لم يذقْ طعمَ الماءِ منذُ سنين.

"باركِ اللهُ فيكِ. لقد أنقذتِ حياتي." قالَ الرجلُ، وصوتهُ أضعفُ من الهمس.

"من أنتَ؟ وما قصتك؟" سألتْ ليلى، فضولها يتزايدُ معَ كلِّ لحظة.

ترددَ الرجلُ قليلاً، وكأنّهُ يبحثُ عن الكلماتِ المناسبة. "اسمي... اسمي 'يوسف'. وكنتُ في رحلةٍ... رحلةٌ طويلةٌ... وضللتُ الطريق."

"يوسف..." همستْ ليلى، وكأنّها تتذوقُ الاسم. كانَ الاسمُ مألوفاً، يحملُ ثقلاً وروعةً.

"وأنتِ؟ من تكونين؟" سألَ يوسف.

"أنا ليلى."

"ليلى..." كررَ يوسفُ الاسمَ، وبدا وكأنّهُ يبحثُ عن شيءٍ فيه. "اسمٌ جميلٌ كجمالِ هذهِ الصحراءِ عندَ الشروق."

ابتسمتْ ليلى ابتسامةً خفيفةً. "شروقٌ لم يكتملْ بعد."

"أتساءلُ ما الذي يبحثُ عنهُ الشروقُ؟" قالَ يوسفُ، ورفعَ عينيهِ إليها، وبدتْ فيهما حكمةٌ لا تتناسبُ معَ حالتهِ المزرية.

"ربما يبحثُ عن معنى. عن هدف." أجابتْ ليلى، وشعرتْ بأنّها تتحدثُ معَ شخصٍ يفهمُ دواخلها، رغمَ معرفتها السطحيةِ به.

"وأنتِ؟ ما الذي تبحثينَ عنهُ؟" سألَ يوسفُ، والأسئلةُ تتدفّقُ من فمهِ وكأنّها ينابيعُ معرفةٍ.

نظرتْ ليلى إلى الأفقِ، حيثُ كانتْ الشمسُ قد أطلّتْ بأبهى حللها، مُلقيةً خيوطَ النورِ الذهبيةَ على الرمال. "أبحثُ عن مستقبلي."

"والمستقبلُ... هل هوَ مخبّأٌ في هذهِ الرمالِ؟"

"ربما. أو ربما هوَ في مكانٍ آخر. في مدينةٍ بعيدةٍ، فيها الأحلامُ تُصبحُ حقائق."

"الأحلامُ... قد تكونُ وهماً، وقد تكونُ واقعاً. لكنّ الحقيقةَ دائماً أقوى." قالَ يوسفُ، وتنهدَ بعمق. "لقد ضللتُ طريقي، ليسَ في الصحراءِ فقط، بل في حياتي أيضاً."

شعرتْ ليلى بشيءٍ من الشفقةِ نحوه، وفي نفسِ الوقتِ، بشيءٍ من الإعجابِ بهذا الرجلِ الغريبِ الذي ظهرَ من العدم. كانَ يتحدثُ بكلماتٍ تحملُ ألغازاً، وكانَ في عينيهِ حزنٌ دفين، وحنينٌ لشيءٍ ضائع.

"إنّ الصحراءَ تعلمنا درساً عظيماً يا يوسف. أنّهُ حتى في أقسى الظروف، هناكَ أملٌ في العثورِ على الطريقِ الصحيح. وأنّ ما نفقدهُ قد يُقابلُهُ ما نجدهُ، بطرقٍ لم نتوقعها." قالتْ ليلى، وقد استعادتْ ثقتها بنفسها.

ابتسمَ يوسفُ ابتسامةً باهتةً. "ربما أنتِ محقةٌ يا ليلى. ربما كانَ هذا الضياعُ هوَ نقطةَ البدايةِ لشيءٍ جديد."

نظرتْ ليلى حولها. لم يعدْ جملُها "المهيب" مهماً في تلكَ اللحظة. ما كانَ مهماً هوَ هذا الرجلُ الغامضُ، الذي بدا وكأنّهُ قدرٌ قد أُرسلَ إليها.

"هل أنتَ ذاهبٌ إلى المدينة؟" سألتْ ليلى، بخطوةٍ جريئةٍ لم تتوقعها من نفسها.

توقّفَ يوسفُ عن شربِ الماءِ، ورفعَ رأسهُ إليها، وعيناهُ تتفحّصانها بعمق. "نعم. لابدّ لي من الذهابِ إلى المدينة. فهناكَ ينتظرني مصيري."

"إذن... يمكننا أنْ نذهبَ معاً." قالتْ ليلى، وشعرتْ بأنّ قلبها يدقُّ بسرعةٍ، دقاتٍ تختلفُ عن دقاتِ الخوفِ أو القلق. كانتْ دقاتُ الأملِ، دقاتُ البداية.

صمتَ يوسفُ لبرهةٍ، بدا وكأنّهُ يُفكّرُ ملياً. ثمّ قالَ بهدوءٍ: "إذا كانَ هذا ما تريدينَ يا ليلى، فلتكنْ. قد يكونُ في هذا اللقاءِ خيرٌ لنا كليني."

مدّتْ ليلى يدها لمساعدتهِ على الوقوف. كانتْ يدهُ خشنةً، تحملُ آثارَ العملِ الشاق، لكنّ دفئها كانَ محسوساً. وبينما كانا يقفانِ جنباً إلى جنبٍ، أمامَ شروقٍ باهرٍ، شعرتْ ليلى بأنّ رحلتها قد بدأتْ للتوّ، وأنّ هذا الرجلَ الغريبَ سيكونُ جزءاً لا يتجزّأُ منها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%