حب وكرامة 188
شعلة الأمل وخيوط الشك
بقلم فاطمة النجار
استيقظت ليلى على شعاع الشمس يتسلل من نافذة غرفتها، ليوقظ فيها غفوة طالت. مدت يدها تتلمس الفراغ بجانبها، لتستشعر بردته، فتذكرت رحيل بدر المفاجئ. نهضت من فراشها، وقلبها يعتصر ألمًا مخلوطًا بشوقٍ دفين. كان اليوم موعد عودته، لكن غيابه ترك فراغًا كبيرًا في أرجاء المنزل.
في المطبخ، كانت السيدة فاطمة تعدّ الفطور، ودخانه يملأ المكان برائحة الزعتر والخبز الطازج. ابتسمت لليلى حين رأت والدتها، وشعرت بنسيمٍ من الدفء يحيط بها. "صباح الخير يا أمي."
"صباح النور يا حبيبتي. كيف حالك اليوم؟" أجابت السيدة فاطمة وهي تضع طبقًا من التمر أمامها.
"بخير والحمد لله. متى تتوقعين عودة بدر؟" سألت ليلى، محاولةً إخفاء قلقها.
تنهدت السيدة فاطمة وقالت: "لم يذكر وقتًا محددًا. قال إنه سيعود حين تنجلي الأمور. أتمنى ألا يطول غيابه."
جلست ليلى تتناول فطورها بصمت، وعقلها مشغولٌ بتفاصيل لقائهما الأخير. كان وجه بدر شاحبًا، وعيناه تحملان همًا ثقيلاً. لقد حاول أن يبث فيها الطمأنينة، لكن كلماته بدت خالية من الأمل. "ما الذي يشغل باله يا أمي؟" سألت فجأة، وكأنها تهمس لضميرها.
نظرت إليها السيدة فاطمة بعينين حزينتين. "لا أعلم يا ابنتي. هو دائمًا ما يحمل هموم الدنيا. لكنه قال إن الأمر يتعلق بصفقةٍ تجاريةٍ قديمةٍ عادت لتطفو على السطح."
"صفقة تجارية؟" تكررت الكلمة على لسان ليلى، حاملةً نبرة استغراب. لم تكن تعلم شيئًا عن أعمال بدر التجارية، فقد كان دائمًا يفضل إبعادها عن متاعب عمله.
"نعم، قال إنها صفقةٌ تعود لسنوات، وأن هناك بعض الأطراف التي تحاول استغلالها لإلحاق الأذى به. لكنه وعدني بأنه سيتجاوز الأمر."
شعرت ليلى ببرودة تسري في عروقها. هل هذا هو السبب وراء رحيله المفاجئ؟ هل هو في خطر؟ حاولت أن تتجاهل هذه الأفكار، لكنها كانت كالحجر الذي يلقى في بئرٍ عميق، ودوائره تتسع لتشمل كل زاويةٍ في عقلها.
بعد الفطور، ذهبت ليلى إلى حديقة المنزل، حيث اعتادت قضاء وقتها في القراءة والتأمل. جلست تحت شجرة الرمان، وأخرجت مصحفها. تلت آياتٍ من الذكر الحكيم، مستعينةً بالقرآن الكريم على تهدئة اضطرابها. لكن الكلمات لم تعد تتسرب إلى قلبها كما كانت تفعل دائمًا. كانت صورة بدر، وجهه القلق، ونبرة صوته الخائفة، تتردد في أذنيها.
بعد ساعات، سمعت صوت خطواتٍ تقترب. رفعت رأسها لتجد خالتها، السيدة زينب، تقف أمامها بابتسامةٍ دافئة. "صباح النور يا ابنتي. كيف حالك؟"
"صباح النور يا خالتي. بخير، الحمد لله." أجابت ليلى، وشعرت ببعض الراحة لرؤية وجهٍ مألوفٍ آخر.
جلست السيدة زينب بجانبها، وقالت: "سمعت أن بدرًا غادر. هل كل شيء على ما يرام؟"
"نعم، قال إنه أمرٌ طارئ يتعلق بعمله."
نظرت إليها السيدة زينب بنظرةٍ عميقة، وكأنها تقرأ ما يدور في خلدها. "أتمنى ألا يكون هذا الأمر قد أثقل عليك. أنتِ تعلمين أن بدرًا يحمل مسؤولياتٍ كبيرة. لكنه في النهاية رجلٌ قوي، وسيجد حلًا."
"أتمنى ذلك يا خالتي."
"ليلى، هل حدث شيءٌ بينكما قبل رحيله؟" سألت السيدة زينب فجأة، وكأنها تشعر بوجود شيءٍ غير طبيعي.
احمرّ وجه ليلى قليلاً. "لا، لم يحدث شيءٌ سوى الوداع."
"لا تكذبي على خالتك يا ابنتي. أرى القلق في عينيك، وأسمع الحيرة في صوتك. هل هناك ما تخفينه؟"
ترددت ليلى للحظة. هل تخبر خالتها عن حديثها مع بدر عن المستقبل، وعن مخاوفها من عدم استطاعته تحقيق أحلامهما؟ ترددت، ثم قررت أن تخبر والدتها فقط. "لا شيء يا خالتي، أنا فقط قلقة عليه."
قضت السيدة زينب فترة بعد الظهر مع ليلى، تحدثا عن أمورٍ مختلفة، لكن جو القلق ظلّ يخيم على حديثهما. حين غادرت السيدة زينب، عادت ليلى إلى غرفتها، وبدأت في تصفح دفتر ذكرياتها. وجدت رسوماتٍ لبدر، وقلوبًا مرسومةً بعناية، وكلماتٍ تعبر عن حبٍ صادق. تلمست الصور بأصابعها، وشعرت بدموعٍ تتجمع في عينيها.
في المساء، اتصلت بدرًا. كانت مكالمةً قصيرة، لم تتجاوز الدقائق. تحدثت معه بصوتٍ مرتجف، وسألته إن كان بخير. أجابها بصوتٍ متعب: "أنا بخير يا ليلى، لا تقلقي. سأتصل بكِ حين أتمكن من ذلك."
"متى ستعود؟" سألت بصوتٍ خفيض.
"لا أعرف بعد. الأمر أعقد مما توقعت."
كانت كلماته كطعنةٍ في قلبها. "هل أنت في خطر؟" سألت بصوتٍ مرتجف.
"لا، لا تقلقي. الأمر يتعلق بالعمل فقط. اعتني بنفسكِ، وأخبري والدتكِ أنني سأتصل بها قريبًا."
أنهى بدر المكالمة، تاركًا ليلى في دوامةٍ من القلق والأسئلة. نامت تلك الليلة وقلبها مثقلٌ بالهموم، تتمنى أن ينقشع هذا الغم عن حياة بدر، وعن مستقبلهما.
في صباح اليوم التالي، حين دخلت ليلى المطبخ، وجدت والدتها تتحدث في الهاتف بوجهٍ متجهم. حين أنهت المكالمة، رأت ليلى وجهها المليء بالقلق، وقالت: "هذه إحدى صديقات بدر، يبدو أنها سمعت أخبارًا مقلقةً عن وضعه."
"ماذا سمعت؟" سألت ليلى بلهفة.
"لا أعرف بالضبط. قالت إن هناك بعض الشائعات التي تنتشر حوله في أوساط التجار. شائعاتٌ تتعلق بخسائر كبيرة، وصفقاتٍ مشبوهة."
ارتعشت ليلى. هل هذا هو الشق الآخر من القصة؟ هل قد يكون بدر في ورطةٍ مالية؟ لم تستطع إخفاء صدمتها. "لكن بدر قال إنه أمرٌ يتعلق بصفقةٍ قديمة، وليس بخسائر."
"ربما يا ابنتي. لكن الشائعات لا تنتهي. أدعو الله أن يكون بدرٌ في حفظه ورعايته."
جلست ليلى تتأمل والدتها. كانت ترى في عينيها خوفًا لم تره من قبل. أدركت أن الأمر أكبر مما ظنت، وأن غياب بدر لم يكن مجرد رحلة عملٍ عادية. كانت تشعر بمسؤوليةٍ ثقيلةٍ تقع على عاتقها، مسؤولية مساندة بدر، ودعمه، مهما كانت طبيعة المشكلة. كانت شعلة الأمل لا تزال تتوهج في قلبها، لكن خيوط الشك بدأت تتشابك حولها، لتخنقها ببطء.