الفصل 14 / 25

حب وكرامة 188

همسات الماضي وظلال الحاضر

بقلم فاطمة النجار

مرت ثلاثة أيامٍ عجاف على رحيل بدر. لم تعد أخبارٌ جديدةٌ تصل، وبقي الصمت يخيم على المنزل، صمتٌ أثقل من أي كلام. كانت ليلى تقضي أيامها بين القراءة، والصلاة، ومساعدة والدتها في أعمال المنزل. لكن كل ما كانت تفعله كان مجرد قناعٍ يخفي اضطرابها الداخلي. كان قلبها معلقًا ببدر، تنتظر أي إشارة، أي كلمة، تعيد إليها الطمأنينة.

في أحد الأيام، حين كانت تساعد والدتها في ترتيب المخزن القديم، عثرت ليلى على صندوقٍ خشبيٍّ صغير، مليء بالرسائل القديمة. جمعتها بحذر، ووضعتها جانبًا. بعد أن أنهت أعمالها، جلست في غرفتها، وبدأت في تصفح تلك الرسائل. كانت أغلبها رسائل والدتها إلى والدها حين كان مسافرًا في شبابه. كلماتٌ مليئةٌ بالحب، والشوق، والأمل. تنهدت ليلى، وشعرت برابطٍ خفيٍّ يربطها بماضي والديها.

من بين تلك الرسائل، وجدت رسالةً تبدو مختلفة. خطها لم يكن خط والدتها، بل خطٌ رجوليٌّ أنيق. كان المرسل إليها "مريم"، وهي والدة بدر، رحمها الله. أما المرسل، فهو لم يذكر اسمه، لكنه تحدث بكلماتٍ تحمل عاطفةً جياشة، وعتابًا رقيقًا. قرأت ليلى الرسالة بفضولٍ متزايد. كان المرسل يتحدث عن لقاءٍ قديم، عن وعدٍ بالزواج، وعن أحلامٍ مشتركةٍ تم نسفها فجأة. كانت كلماته تحمل مرارةً عميقة، وشعورًا بالخيانة. "لم أتوقع منكِ هذا يا مريم. لقد وعدتني. أين ذهب ذاك الحب الذي كنا نبادله؟"

شعرت ليلى بقشعريرةٍ تسري في جسدها. هل كانت هذه الرسالة تتحدث عن والدة بدر؟ ومن هو هذا الرجل الذي تحدثت عنه؟ ومن هي "مريم" التي كتب لها؟ ثم تذكرت أن والدة بدر اسمها "مريم". هل كان هذا الرجل هو والد بدر؟

في الرسالة، كان المرسل يشير إلى أن "الظروف" قد أجبرته على الرحيل، وأنه اضطر إلى اتخاذ قرارٍ صعب. تحدث عن "ضغوطٍ عائلية" و"واجباتٍ لا مفر منها". كانت كلماته غامضة، لكنها تحمل إيحاءً بأن هناك أمرًا قد فرّق بينه وبين "مريم".

أغلقت ليلى الرسالة، وقلبها يخفق بشدة. هل كان والد بدر قد تركها؟ هل هذه هي "الصفقة التجارية" التي تحدث عنها بدر؟ هل هناك ماضٍ مؤلمٌ لا يزال يلقي بظلاله على حياة بدر وعائلته؟

بعد ساعات، اتصلت بدرًا. أجابها بصوتٍ منهك، بالكاد استطاعت ليلى تمييزه. "بدر، أنا... وجدت شيئًا."

"ماذا وجدتِ يا ليلى؟" سأله بصوتٍ ينم عن قلقٍ خفي.

"رسالةٌ قديمةٌ لوالدتكِ. تتحدث عن... عن رجلٍ آخر."

ساد صمتٌ طويلٌ على الخط. شعر ليلى بأن بدرًا قد تجمد في مكانه. ثم سمعته يقول بصوتٍ بالكاد مسموع: "أي رجلٍ هذا؟"

"لا أعرف اسمه. لكنه يتحدث عن حبٍ ووعدٍ بالزواج، ثم عن رحيله بسبب الظروف."

تنهد بدرٌ تنهيدةً عميقة، أشبه بالزفرة. "هذا... هذا أمرٌ قديمٌ جدًا يا ليلى. أمرٌ لا أريد أن أتحدث عنه."

"لكن يا بدر، يبدو أن هذا الأمر قد يكون له علاقةٌ بما يحدث الآن. هل أنت حقًا في خطر؟"

"لا تقلقي يا ليلى. أنا لست في خطر. الأمر يتعلق ببعض المسائل العائلية القديمة، والتي يحاول البعض استغلالها. لكنني سأجد حلًا."

"لكن من هو هذا الرجل؟ ولماذا يتحدث بهذه الطريقة؟" ألحّت ليلى.

"هذا الرجل... هو عمي. شقيق والدي." قال بدرٌ بصوتٍ خافت. "لقد كان هناك خلافٌ بين والدي وعمه منذ سنواتٍ طويلة. خلافٌ يتعلق بميراثٍ قديم، وبعض الأمور التجارية. والدتي لم تتحدث كثيرًا عن هذا الموضوع، ولم أتعلمه إلا لاحقًا."

"عمك؟ وما علاقته بهذا الأمر الآن؟"

"يبدو أن عمي لديه بعض الأبناء. وهم من يحاولون الآن استغلال هذا الخلاف القديم، لخلق المشاكل لي، ولإجبارنا على التنازل عن حقوقنا. لقد حاولوا التواصل معي، ووعدوني بأنهم سيجعلون حياتي جحيمًا إذا لم أستجب لمطالبهم."

صدمةٌ أخرى تتلقاها ليلى. لم تكن تتوقع أن تكون المشكلة عائلية بهذا الشكل. "لكن لماذا لم يخبرك والداك بهذا من قبل؟"

"لقد حاولا. لكن عمي كان رجلًا شديد البأس، وكان يسعى للسيطرة على كل شيء. وبعد وفاة والدي، أصبح الأمر أكثر تعقيدًا. أما والدتي، فقد كانت دائمًا ترفض الخوض في هذه التفاصيل، وتفضل نسيان الماضي. لكني الآن أفهم لماذا كانت تحمل هذا الحزن في عينيها."

شعر ليلى بحزنٍ عميقٍ على بدر. كان يتحمل عبئًا ثقيلًا، عبئًا لم يكن من المفترض أن يتحمله في هذا العمر. "وماذا ستفعل؟"

"سأحاول حل الأمر وديًا. سأتحدث مع عمي، وأحاول أن أجد تسويةً ترضي الجميع. لكني لا أضمن شيئًا. فهم قد يكونون شديدي التعنت."

"بدر، أنا معك. مهما حدث." قالت ليلى بصدق، وحاولت أن تبث في صوتها القوة.

"أعلم يا ليلى. ووجودكِ بجانبي هو أكبر دعمٍ لي."

انتهت المكالمة، تاركةً ليلى تتأمل خيوط الماضي المتشابكة مع ظلال الحاضر. أدركت أن حبها لبدر لم يكن مجرد مشاعر عابرة، بل كان تيارًا عميقًا يربطها بعائلته، وبتاريخه، وبآلامه. كان عليها أن تكون قوية، وأن تساند بدرًا في هذه المحنة.

في الأيام التالية، بدأت ليلى في البحث في مذكرات والدتها. وجدت صفحاتٍ قليلةً تتحدث عن "الحبيب الضائع"، عن "قلبٍ مكسور"، وعن "حياةٍ لم تتحقق". كانت هذه الصفحات تحمل حزنًا عميقًا، لكنها لم تذكر أي تفاصيل عن اسم أو هوية الرجل. كانت والدة بدر قد احتفظت بأسرارها لنفسها.

شعرت ليلى بأنها تقف على أعتاب عالمٍ جديد، عالمٍ مليء بالتحديات والخفايا. كان عليها أن تتسلح بالصبر، وبالإيمان، وبحبها العميق لبدر، لتتمكن من عبور هذه الأزمة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%