الفصل 19 / 25

حب وكرامة 188

بين الحق والوعد

بقلم فاطمة النجار

في تلك الليلة، لم تغمض عين بدر جفنًا. اجتمع فيه الحرمان. حرمان من ليلى، إن هو رفض شروط جدته، وحرمان من حقوق عائلته، إن هو وافق. كانت الغرفة مظلمة، ولكن عقله كان يعج بالصور. صور ليلى، وهي تبتسم، وصور لوالده، وهو يشرح له أهمية تلك الأراضي، وصور لجدته، وهي تفرض شروطها القاسية.

"كيف لي أن أفعل ذلك؟" همس بدر لنفسه، وهو يقلب وجهه على الوسادة. "كيف لي أن أتخلى عن كل ما ناضل والدي من أجله؟ تلك الأراضي ليست مجرد أرض، إنها جزءٌ من تاريخ عائلتنا، من كرامتنا."

كانت جدته، الحاجة فاطمة، على حقٍ في كثيرٍ من الأمور. لقد كانت الخلافات مع آل شهابٍ قد استنزفت الكثير من قوة عائلته، وضيعت فرصًا كثيرة. ولكن هل كان الحل هو التنازل عن كل شيء؟ هل كان حب ليلى يستحق كل هذه التضحية؟

ذهب بدر إلى والده، السيد أحمد، في وقتٍ متأخرٍ من الليل. وجده جالسًا في مكتبه، يتأمل في صورٍ قديمة.

"أبي،" قال بدر، بصوتٍ خافت.

التفت السيد أحمد، وقد بدا عليه بعض الدهشة. "بدر؟ هل أنت بخير؟"

"لستُ بخير يا أبي." أجاب بدر، وجلس على كرسيٍ قريب. "جدتي وضعتني أمام خيارٍ صعب."

روى بدر لوالده ما قالته الحاجة فاطمة، وعن شرط آل شهابٍ. استمع السيد أحمد بصمتٍ، ثم تنهد بعمق.

"لقد توقعتُ هذا." قال السيد أحمد. "آل شهابٍ لا ينسون. لطالما كانوا يطمعون في تلك الأراضي. إنها ليست مجرد أراضٍ، إنها رمزٌ لقوتهم وتاريخهم."

"ولكننا أيضًا ناضلنا من أجلها يا أبي!" قال بدر، وقد بدأت نبرته ترتفع. "لقد عانينا الكثير. كيف لي أن أتخلى عن كل ذلك؟"

"أعلم يا بني، أعلم. لقد بذلتُ كل ما في وسعي لاستعادتها. ولكنني أدرك أيضًا أن هذه القضية قد استنزفتنا. ربما يكون هذا هو الوقت المناسب لإنهاء هذا الصراع، حتى لو كان الثمن ثقيلاً."

"ولكن ليس بهذا الثمن يا أبي!" قال بدر، وقد احمرّت عيناه. "هل تريدني أن أخون كل ما آمنا به؟ هل تريدني أن أضعف؟"

"لا يا بني، لم أقل لك أن تخون. بل قلت لك أن تفكر بعمق. أن تزن الأمور. أحيانًا، تكون التضحية هي القوة الحقيقية. أن تتخلى عن شيءٍ عزيز، من أجل تحقيق سلامٍ دائم."

"سلامٌ يأتي بثمنٍ كهذا، ليس سلامًا يا أبي. إنه استسلام."

"ربما. ولكن استسلامٌ قد ينقذ الكثير من الأرواح، وينهي الكثير من المعاناة."

صمت بدر. لقد رأى في عيني والده حكمةً لم يستطع تجاهلها. ولكن قلبه كان يصرخ. كان يرى ليلى، وكان يرى تلك الابتسامة، وذلك الوعد.

"إذا وافقت،" قال بدر، بصوتٍ متردد، "فهل هذا يعني أنني فقدتُ حب ليلى؟"

"بالعكس يا بني." قال السيد أحمد، وهو يبتسم ابتسامةً باهتة. "إذا وافقت، وكنتَ صادقًا في حبك، فإن ليلى ستفهم. وسوف تجد فيك القوة التي تجعلها تحبك أكثر. الحب الحقيقي لا يقوم على المكاسب، بل على التضحية والتفاهم."

"ولكن ماذا لو لم تفهم؟ ماذا لو رأت أنني استسلمت؟"

"هذا قدرٌ علينا أن نواجهه. ولكن أولاً، يجب أن تقرر أنت. يجب أن تقرر ما هو الأهم بالنسبة لك."

في الصباح، ذهب بدر إلى ليلى. وجدها في حديقة منزلها، تسقي الزهور. كانت تبدو أكثر جمالاً من أي وقتٍ مضى.

"صباح الخير يا ليلى." قال بدر.

"صباح النور يا بدر." ردت ليلى، وهي تبتسم. "هل أنت مستعد؟"

نظرت إليه ليلى بعينيها البريئتين، وعيناها تلمعان بالحب. شعر بدر بأن قلبه يضيق. لقد كان عليه أن يقول شيئًا.

"ليلى،" بدأ بدر، بصوتٍ فيه رجفة. "هناك أمرٌ مهمٌّ يجب أن أخبركِ به."

"ما هو؟" سألت ليلى، وقد بدت عليها بعض القلق.

"جدتي، وافقت على خطبتنا، ولكن... بشرط."

"ما هو الشرط؟"

"أن نتخلى عن كل المطالب التي قدمتها عائلتنا بخصوص الأراضي."

صمتت ليلى. بدا عليها الصدمة. لم تتكلم.

"ليلى؟" نادى بدر.

"هل أنت موافق يا بدر؟" سألت ليلى، وصوتها يكاد لا يُسمع.

"أنا... أنا لم أقرر بعد." قال بدر. "أنا أفكر."

"ماذا تفكر؟" سألت ليلى، وقد بدأت الدموع تتجمع في عينيها. "هل هذا يعني أنك ستتخلى عن حقوق عائلتك؟"

"إنه أمرٌ معقدٌ يا ليلى."

"معقدٌ؟" تكررت ليلى الكلمة، بصوتٍ فيه شيءٌ من الألم. "إنه أمرٌ يتعلق بشرف عائلتك. ولكن أليس هذا الزواج يعني أيضًا أن نكون عائلةً واحدة؟ أليس هذا يعني أن نتشارك في كل شيء؟"

"بالتأكيد يا ليلى. ولكن..."

"ولكن ماذا؟" قاطعت ليلى، وقد انفجرت بالبكاء. "هل حبك لي أقل من حبك لحقوق عائلتك؟ هل هذا يعني أنك لا ترغب في هذا الزواج حقًا؟"

"لا يا ليلى! هذا ليس صحيحًا! أنا أحبكِ أكثر من أي شيءٍ في هذا العالم!" قال بدر، وقد شعر بالعجز. "ولكني لا أستطيع أن أتخلى عن كل شيءٍ بسهولة. هذه القضية لها تاريخٌ طويل، وألمٌ عميق."

"إذًا، اختر." قالت ليلى، بصوتٍ متهدج. "اختر بين حبنا، وبين تلك الأراضي."

كانت هذه هي اللحظة الحاسمة. لحظةٌ تتجسد فيها كل الصراعات. كان بدر يقف على حافة الهاوية، ومدى حب ليلى يلوح له من جهة، وحقوق عائلته تتربص به من جهة أخرى. لقد وضعت ليلى الأمر في صيغةٍ مباشرة: إما أن يتنازل، وإما أن يخسرها.

كانت الشمس قد بدأت تغرب، تلقي بظلالها الطويلة على الحديقة. شعر بدر بأن الهواء قد اختنق. لقد كانت هذه هي النقطة الفاصلة. نقطةٌ سيحدد فيها مصيره، ومصير حبه.

"ليلى،" قال بدر، وقد ارتسمت على وجهه علامات الألم. "أنا... أنا سأفعل ذلك."

لم يكمل جملته. رأى في عيني ليلى مزيجًا من الحزن والفهم. لقد كانت تعلم كم هو مؤلمٌ هذا القرار بالنسبة له.

"أنا أقدر تضحيتك يا بدر." قالت ليلى، بصوتٍ يحمل الكثير من المشاعر. "ولكن تذكر، أن الحب يبني، ولا يهدم."

ابتسم بدر ابتسامةً حزينة. لقد اختار. اختار الحب، واختار ليلى، واختار سلامًا مؤقتًا، وإن كان بثمنٍ غالٍ. كانت هذه نهاية الفصل، ولكن بداية صراعٍ جديد. صراعٌ داخلي، وصراعٌ مع الآخرين.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%