الفصل 2 / 25

حب وكرامة 188

صدى الأمس في أروقة المدينة

بقلم فاطمة النجار

لم يكنْ وصولُ ليلى ويوسفَ إلى المدينةِ محضَ عبورٍ عابرٍ. كانتْ رحلةً تتخللها صمتٌ مُحمّلٌ بالكلماتِ، ونظراتٌ تتحدثُ بلغةٍ أعمقَ من الأصوات. المدينةُ، بأسوارها العاليةِ وضجيجها المتصاعد، بدتْ كعالمٍ آخرَ تماماً، مختلفٍ عن هدوءِ الباديةِ وعمقِ سكونها. كانتْ ليلى، ابنةُ شيخِ القبيلةِ، تشعرُ بوخزٍ غريبٍ في قلبها، خليطٍ من الحماسِ والقلقِ. لقد تركتْ وراءها عالماً آمناً، ومُحدّداً، لتغوصَ في بحرٍ واسعٍ من المجهول، بصحبةِ رجلٍ لم تعرفْ عنهُ سوى اسمهِ وحكايتهِ الضبابية.

كانَ يوسفُ، بذاته الغامضةِ، يُشكلُ لغزاً مُتزايداً. كانَ هادئاً، لكنّ كلماته كانتْ تحملُ ثقلاً، وحكمتهُ بدتْ أكبرَ من عمرهِ، إنْ كانَ عمرهُ واضحاً. تبيّنَ لهُ أنّهُ قادمٌ من بعيد، وأنّ لهُ ديوناً قديمةً يسعى لسدادها، ومسؤولياتٍ ثقيلةً أثقلتْ كاهلهُ. لم يُفصحْ عن تفاصيلَ كثيرةٍ، لكنّ ليلى شعرتْ بأنّ هذا الرجلَ يحملُ بداخلهِ قصةَ نضالٍ وصبرٍ، وأنّ ما يبحثُ عنهُ في المدينةِ قد لا يكونُ مجرّدَ عملٍ أو مال.

معَ غروبِ الشمسِ، وصلوا إلى حيٍّ قديمٍ، تفوحُ منهُ رائحةُ البهاراتِ وأصداءُ الأحاديثِ. استقرتْ ليلى في بيتٍ بسيطٍ استأجرتهُ لبعضِ الوقت، بيتٍ لهُ فناءٌ صغيرٌ تزينهُ شجرةُ ليمونٍ تحملُ ثماراً ذهبية. أما يوسف، فقد وجدَ لهُ مكاناً بسيطاً في خانٍ قريب، بعدَ أنْ وعدَ ليلى بأنّهُ سيزورها كلَّ يومٍ ليتفقدا أمراً ما.

في الأيامِ الأولى، كانتْ ليلى تجولُ في أسواقِ المدينةِ، تتأملُ الاختلافَ بينَ حياةِ الباديةِ وصخبِ العمران. كانتْ عيناها، التي اعتادتْ رؤيةَ اتساعِ الصحراءِ، تتسعُ وهي ترى تفاصيلَ الحياةِ اليوميةِ، تفاصيلَ البشرِ، ملابسهم، حديثهم، أحلامهم. لقد كانتْ تبحثُ عن فرصةٍ، عن عملٍ يُمكنها من المساهمةِ في مستقبلِ قبيلتها، وأنْ تكونَ سنداً لوالدها. كانتْ طموحاتها كبيرةً، وأكبرَ من مجردِ فتاةٍ تزينُ بيتَ زوجها.

ولكنّ الأمرَ لم يكنْ سهلاً. كانتْ الشهاداتُ التي تحملها من شيخِ قبيلتها، ومهاراتها في إدارةِ شؤونِ البيتِ وتربيةِ الأطفالِ، لا تُعتبرُ مؤهلاتٍ كافيةٍ في عالمِ التجارةِ والسياسةِ الذي كانتْ تطمحُ للدخولِ إليه. كانتْ تُواجهُ الأبوابَ الموصدةَ، والابتساماتِ الزائفةَ، والإحباطَ الذي كانَ يتسللُ إلى قلبها كسمٍ بطيء.

في أحدِ الأيام، بينما كانتْ تجلسُ في مقهىً شعبيٍّ، تراقبُ الناسَ، جاءَ يوسفُ وجلسَ إلى جوارها. كانَ يبدو أكثرَ هدوءاً، وعيناهُ تحملانِ بريقاً خفيفاً من التفاؤل.

"كيفَ حالكِ يا ليلى؟ هل وجدتِ ما تبحثينَ عنهُ؟" سألَ يوسفُ، وبدتْ نبرةُ صوتهِ مريحةً.

تنهدتْ ليلى. "الأمرُ أصعبُ مما توقعتُ يا يوسف. يبدو أنّهُ لا أحدَ هنا يُقدّرُ قيمةَ امرأةٍ قادمةٍ من البادية، مهما بلغتْ من ذكاءٍ أو قدرة."

"هذهِ ليستْ مشكلةً فيكِ يا ليلى، بل مشكلةٌ في نظرةِ الآخرين." قالَ يوسفُ بهدوءٍ. "الكثيرونَ يركزونَ على المظاهرِ، وينسونَ الجواهر."

"ولكنْ كيفَ أُغيرُ هذهِ النظرة؟ كيفَ أُثبتُ لهم أنّني أستحقُّ الفرصة؟" سألتْ ليلى، وقد استبدلَ اليأسُ بالملل.

ابتسمَ يوسفُ ابتسامةً عميقةً. "إنّ التغييرَ يبدأُ من الداخلِ. عندما تؤمنينَ بنفسكِ، سيبدأُ الآخرونَ بالإيمانِ بكِ." ثمّ وضعَ يدهُ على الطاولةِ، واقتربَ منها قليلاً. "أتعرفينَ؟ لقد رأيتُ اليومَ شيئاً مهماً. رأيتُ رجلاً يُدعى 'أبو الخير'. تاجرٌ ثريٌ، لكنّ سمعتهُ في السوقِ ليستْ جيدةً. يقولونَ أنّهُ لا يهتمُّ إلا بالربحِ، ولا يُقدّرُ العلاقاتِ الإنسانية."

"وما علاقةُ هذا بي؟" سألتْ ليلى، وهي تدركُ أنّ يوسفَ لا يتحدثُ عبثاً.

"علاقتهُ بكِ، أنّهُ يبحثُ عن شخصٍ يُساعدهُ في إدارةِ بعضِ الأمورِ الجديدةِ التي دخلَ فيها. ورغمَ سمعتهِ، إلا أنّهُ رجلٌ لديهِ نفوذٌ، ولديهِ المال. ربما تكونُ هذهِ هيَ الفرصةُ التي تبحثينَ عنها، وإنْ كانتْ غيرَ مثالية."

نظرتْ ليلى إلى يوسفَ، شعرتْ بإعجابٍ متزايدٍ بهذا الرجل. كيفَ استطاعَ أنْ يجمعَ هذهِ المعلوماتَ في وقتٍ قصير؟ وكيفَ استطاعَ أنْ يرى فيها ما لم ترهُ هيَ بنفسها؟

"ولكنّي سمعتُ عنهُ الكثيرَ من القصصِ السيئة." قالتْ ليلى مترددةً.

"القصصُ قد تكونُ مجرّدَ أقاويل. الأهمُّ هوَ أنْ تكوني حذرةً، وأنْ تتذكري دائماً من أنتِ، وماذا تريدين. لا تدعي المالَ أو النفوذَ يُغيرانِ من مبادئكِ." قالَ يوسفُ، وبدا وكأنّهُ يُلقي عليها نصيحةً شخصيةً، نصيحةً خرجتْ من تجربةٍ عميقة.

"هل تعرفُهُ حقاً؟" سألتْ ليلى.

"لقد تحدثتُ معه. لقد رأى فيّ شيئاً، وقد أرسلني لأبحثَ عن شخصٍ لديهِ الحدسُ اللازمُ لفهمِ طبيعةِ العملِ التجاريّ. وصدقيني يا ليلى، عندما سمعتُ عن هذا الشخصِ، تبادرتْ إليكِ صورتكِ فوراً."

ابتسمتْ ليلى، ابتسامةٌ ارتسمتْ فيها بقايا الأمل. "شكراً لكَ يا يوسف. ولكنْ هل أنتَ متأكدٌ من أنّهُ سيكونُ مناسباً لي؟"

"لا أحدَ يُمكنهُ أنْ يكونَ مناسباً مئةً بالمئة. لكنّ الفرصَ لا تأتي دائماً بالصورةِ التي نتخيلها. أحياناً، علينا أنْ نذهبَ إليها، وأنْ نُشكّلها بأنفسنا." قالَ يوسفُ، ثمّ نظرَ إليها بعمقٍ. "أتذكرينَ عندما قلتِ لي إنّ الصحراءَ تعلمنا أنّهُ حتى في أقسى الظروف، هناكَ أملٌ في العثورِ على الطريقِ الصحيح؟ هذا هوَ الطريقُ الصحيحُ لكِ الآن. ربما."

أخذتْ ليلى نفساً عميقاً. كانَ يوسفُ قد زرعَ بذرةَ أملٍ في قلبها، بذرةً بدأتْ تنمو وسطَ رمالِ الإحباط. كانَ يتحدثُ عن الحياةِ بطريقةٍ مختلفة، بطريقةٍ تجعلُها تفكرُ فيما وراءَ الظواهرِ، فيما وراءَ المظاهرِ.

"حسناً يا يوسف. سأفكرُ في الأمر. وسأكونُ حذرةً. كما قلتَ." قالتْ ليلى، وقد اتّخذتْ قراراً داخلياً.

"هذا هوَ الأهم." قالَ يوسفُ، وشعرَ بارتياحٍ. "والآن، سأذهبُ لأكملَ بعضَ أموري. ربما نلتقي غداً؟"

"بالتأكيد." أجابتْ ليلى.

عندما رحلَ يوسف، بقيتْ ليلى وحدها، تفكرُ في كلماته. لقد كانَ ظهورهُ في حياتها بمثابةِ رياحٍ قويةٍ، أثارتْ رمالَ حياتها الهادئة، وبدأتْ تُغيرُ ملامحَ أفقها. كانتْ تدركُ أنّ هذهِ المدينةَ، وهذا الرجلَ، قد فتحا أمامها أبواباً لم تكنْ تتوقعها. لكنّ السؤالَ الذي كانَ يُلحُّ عليها هوَ: هل هذهِ الأبوابُ ستقودها إلى ما تصبو إليهِ، أم إلى متاهةٍ أعمق؟

*

بعدَ أيامٍ، وبينما كانتْ ليلى تتجهزُ للقاءٍ معَ "أبو الخير"، جاءَ يوسفُ إلى بيتِها. كانَ يحملُ بيدهِ ظرفاً صغيراً.

"هذا لكِ." قالَ يوسفُ، ومدّ لها الظرف.

فتحتْ ليلى الظرفَ. كانتْ بداخلهِ ورقةٌ صغيرةٌ، مكتوبٌ عليها بخطٍ أنيقٍ: "غداً، في الساعةِ العاشرةِ صباحاً، في مكتبي. ننتظرُ رؤيةَ خبراتكِ."

"ما هذا؟" سألتْ ليلى.

"هذهِ دعوةٌ من أبي الخير. يبدو أنّهُ اقتنعَ بما قُلتُ لهُ عنكِ. إنّها فرصتُكِ يا ليلى. فرصةٌ ذهبية." قالَ يوسفُ، وبدتْ عيناهُ تلمعانِ بالفرحِ.

شعرتْ ليلى بسعادةٍ غامرةٍ، ممزوجةٍ ببعضِ الرهبة. "ولكنْ كيفَ...؟"

"لقد أخبرتهُ عن بعضِ المهاراتِ التي تمتلكينها، والتي قد تكونُ مفيدةً لهُ. لقد أوضحتُ لهُ أنّكِ ذكيةٌ، وقادرةٌ على استيعابِ الأمورِ بسرعة، وأنّكِ تمتلكينَ حسّاً قوياً. لقد أعطى الأولويةَ لذلك."

"شكراً لكَ يا يوسف. أنتَ حقاً... أنتَ حقاً شخصٌ لا يُعوّض." قالتْ ليلى، وشعرتْ بالامتنانِ العميق.

"نحنُ هنا لبعضنا البعضِ يا ليلى. خاصةً في هذهِ المدينةِ الكبيرةِ، حيثُ يمكنُ أنْ تضيعَ روحُ المرءِ بينَ الأبنيةِ والصخب." قالَ يوسفُ، ونظرَ إليها نظرةً تحملُ أبعاداً جديدة.

شعرتْ ليلى بأنّ هناكَ شيئاً ما في نظراتِ يوسفَ، شيئاً لم تستطعْ أنْ تُفسّره. كانَ هناكَ دفءٌ، وحنانٌ، وشيءٌ من الأملِ الذي بدأَ ينمو في قلبها، أملٌ لم يكنْ يقتصرُ على تحقيقِ أهدافها المهنية.

"وماذا عنكَ يا يوسف؟ هل وجدتَ ما تبحثُ عنهُ؟" سألتْ ليلى، وقد بدأَ فضولها يتجهُ نحوهُ أكثرَ فأكثر.

تنهدَ يوسفُ تنهيدةً خفيفةً. "ما زلتُ أبحثُ. لكنّني أشعرُ بأنّني أقربُ قليلاً. هذهِ المدينةُ مليئةٌ بالأسرارِ، وأنا أحاولُ أنْ أكشفَ بعضَ منها."

"أتمنى لكَ كلَّ التوفيق." قالتْ ليلى بصدق.

"ولكِ أيضاً يا ليلى. غداً، ستكونُ بدايةُ فصلٍ جديدٍ لكِ. أتمنى أنْ يكونَ هذا الفصلُ جميلاً، وأنْ تُحققي فيهِ كلَّ ما تحلمينَ به."

*

كانتْ ليلةً طويلةً بالنسبةِ لليلى. كانتْ تتقلبُ في فراشها، تفكرُ في المستقبلِ، وفي يوسف. كانَ صدى كلماته، ونظراته، يترددُ في ذهنها. شعرتْ بأنّها على وشكِ الدخولِ في معركةٍ، معركةٍ لا تعرفُ نتائجها، لكنّها كانتْ مستعدةً لخوضها.

ومعَ بزوغِ الفجرِ، وبدءِ شروقِ الشمسِ فوقَ المدينةِ، شعرتْ ليلى بأنّ شيئاً قد تغيرَ بداخلها. لم تعدْ مجرّدَ فتاةٍ من الباديةِ، بل أصبحتْ امرأةً تحملُ طموحاً، وقوةً، وسراً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%