الفصل 4 / 25

حب وكرامة 188

غياهب السهر والأسى

بقلم فاطمة النجار

كانت ليلة أخرى تلتف حول بيت الحاج محمود كعباءة من الظلام الدامس. لم تكن هذه الظلمة طبيعية، بل كانت تنبعث من الداخل، من غرفٍ امتلأت بأنينٍ مكتوم، وأنفاسٍ لاهثة، وشعورٍ بالضياع بدأ يتجذر في أركان المنزل. سارة، التي كانت دومًا شعلةً من النشاط والحيوية، أصبحت أشباحًا تسير على أطراف أصابعها، وعيناها فقدتا بريقهما، تحل محلهما هالاتٌ سوداء عميقة تخبر عن ليالٍ طوال قضتها في السهر. لم يكن سهرها للمطالعة أو العبادة، بل كان مطاردةً لشبحٍ رماديٍّ يتربص بها في عتمة غرفتها، يهمس في أذنيها بوعودٍ كاذبةٍ عن النسيان والراحة، ثم يتركها تائهةً في صحراءٍ من القلق والندم.

ذلك الشبح، الذي أطل برأسه الخبيث في حياتها قبل أشهرٍ قليلة، كان اسمًا مخيفًا لممارسةٍ باتت تُفقدها صوابها، وتُغرقها في دوامةٍ من العزلة والخوف. كانت تبدأ بجرعةٍ صغيرة، مجرد محاولةٍ للهرب من ضغوط الحياة، من تلك النظرات التي لم تعد تحتملها من أبيها، من تلك الهمسات التي بدأت تشعر بها حول خطيبها الذي لم ترَ فيه يومًا شريك حياتها. ثم تضخمت الرغبة، وتحولت إلى حاجةٍ ملحةٍ، تتطلب المزيد والمزيد، لتُبقيها واقفةً على قدميها، تتنفس، وتتظاهر بأن كل شيءٍ على ما يرام.

في هذه الليلة، بدت الحاجة أشد وطأةً من أي وقتٍ مضى. جلست على سجادتها، تبحث في جيوب ثوب نومها عن تلك العلبة الصغيرة التي باتت رفيقتها الدائمة. يداها كانتا ترتجفان، وأنفاسها تتسارع. لم تكن تعلم كيف وصلت إلى هذا الحد، كيف أصبحت هذه العادة هي المحور الذي تدور حوله حياتها. تذكرت أيام الصبا، عندما كانت أحلامها بسيطةً وواضحة، كانت تتخيل مستقبلًا مليئًا بالحب والوفاء، مع رجلٍ اختاره قلبها، لا يختاره الواجب أو الخوف.

"يا الله، كيف سمحتُ لهذا أن يحدث؟" همست لنفسها، وصوتها بالكاد مسموع. حاولت أن تتلو آياتٍ من القرآن الكريم، لكن الكلمات تبعثرت في ذهنها، غير قادرةٍ على إيجاد طريقها إلى قلبها المتعب. كان العقل يشكو، والجسد يتوق. كانت في صراعٍ لا ينتهي، صراعٌ بين ما تعرف أنه حقٌ وصواب، وما أصبح يمثل لها، في تلك اللحظات الضعيفة، خلاصًا مؤقتًا.

منذ أسابيع، بدأت آثار هذا الانحراف تظهر بوضوح. شحوبٌ في الوجه، ارتعاشٌ في اليدين، صعوبةٌ في التركيز، ونوباتٌ مفاجئةٌ من الغضب أو الحزن. والدتها، الحاجة أمينة، لاحظت التغيير. كانت تقترب منها بخوفٍ وأمل، تسألها عن حالها، عن غذائها، عن نومها. لكن سارة كانت تُقابلها بالإنكار، بالابتسامات المتكلفة، وبأعذارٍ واهيةٍ عن الإرهاق أو ضغوط العمل. كانت تخشى أن تكشف الحقيقة، تخشى نظرة الخيبة في عيني والدتها، وتخشى أكثر نظرة العتاب والشفقة من أبيها.

الحاج محمود، الذي كان ينظر إلى ابنته كجوهرةٍ ثمينةٍ، لم يكن لديه أدنى فكرةٍ عما كانت تمر به. كان يرى فيها ابنةً ملتزمةً، وعلى وشك الزواج من رجلٍ حسبه صالحًا تقيًّا. كان قلبه مليئًا بالفرح للاقتراب من تحقيق أمنيةٍ طالما حلم بها، تزويج ابنته لسترها، وتهنئتها ببداية حياةٍ جديدة. كان يستمتع بحديثها عن تفاصيل تجهيزات الزفاف، وعن قائمة المدعوين، وعن فستان العرس الذي اختارته. لم يكن يدري أن هذه الأحاديث كانت مجرد قناعٍ يخفي وراءه معاناةً صامتة.

أما خطيبها، الشاب المدعو خالد، فقد كان يبدو رجلًا هادئًا، قليل الكلام، يعمل في أحد المكاتب الحكومية. كانت والدة سارة هي من رشحته، ووالدها وافق بسعادة. كانت ملامحه توحي بالجدية، وملبسه مرتبٌ دومًا، وكان يتحدث عن المستقبل بنبرةٍ واثقة. لكن شيئًا ما في عينيه كان يُقلق سارة، بريقٌ باردٌ، ونظرةٌ لا تحمل الدفء الذي كانت تتوق إليه. في البداية، أقنعت نفسها بأن هذا هو الهدوء والرزانة، وأن الحب سيتولد مع الوقت. لكن مع الأيام، ومع ابتعادها عن نفسها، بدأت ترى في برود خالد انعكاسًا لبرودٍ أعمق فيها، نتيجةً لضعفها وانحرافها.

ذات مساء، وبعد أن أوشكت جرعتها المعتادة على الانتهاء، شعرت سارة بخدرٍ زاحفٍ في أطرافها. لم يكن الخدر مألوفًا، بل كان أعمق، وأكثر إيلامًا. بدأت رؤيتها تتشوش، وتشعر بضيقٍ في التنفس. بدأت تدرك أنها تجاوزت الحد، وأنها كانت تلعب بالنار. سمعت صوت والدتها تقرع باب غرفتها بلطف: "سارة يا ابنتي، هل أنتِ بخير؟ لقد تأخر الوقت ولم تأتي للعشاء."

لم تستطع سارة الإجابة. انتابها ذعرٌ شديد، وبدأت تعرق بغزارة. حاولت النهوض، لكن قدميها لم تعد تحملانها. سقطت على الأرض، والعالم من حولها بدأ يدور. سمعت صوت والدتها يعلو، وصوت أبيها ينهض من مجلسه. "ما هذا الصوت؟ هل أنتِ بخير يا سارة؟"

دق الباب بقوة، ثم انفتح. رأى الحاج محمود ابنته ممددةً على الأرض، وجهها شاحبٌ، وعيناها مغمضتان، وجسمها يرتعش. لم يفهم ما الذي يحدث. الحاجة أمينة أسرعت إليها، وبكت. "ما بكِ يا بنيتي؟ ما الذي ألم بكِ؟"

حاولت سارة فتح عينيها، لكن لم يكن لديها القوة. كان الشعور بالخزي والإحساس بالفشل ينهشان روحها. كل ما كانت تحاول إخفاؤه، كل ما كانت تخشاه، ها هو يظهر للعيان، في أفظع صوره. صوت والدها القلق، وصوت والدتها الباكي، وصورة أبيها الذي طالما افتخر بها، كل هذا كان يمثل لها جبلًا من الذنب.

"أبي... أمي..." تمتمت بصوتٍ بالكاد مسموع. "أنا... أنا تعبانة."

لكن والدها، بشفقته المعتادة، لم يستطع أن يرى ابنته هكذا. حملها بين ذراعيه، متجاهلاً الارتعاشات التي كانت تسري في جسدها. "سأخذها إلى الطبيب فورًا." قال بصوتٍ حازم، لكن الخوف كان واضحًا في عينيه.

وهكذا، وسط الليل، ومع غياب الوعي الكامل، بدأت رحلة سارة الطويلة في مواجهة ما كانت تخفيه، وما كانت تظن أنه مجرد ضعفٍ مؤقت، تبين أنه غياهب سحيقة، تحتاج إلى قوةٍ وصبرٍ لا تعرف من أين ستأتيهما. لقد وصل صراعها مع ذلك الشبح الرمادي إلى ذروته، ولم يعد بالإمكان تجاهله.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%