الفصل 6 / 25

حب وكرامة 188

ضباب الشك وضغوط القرابة

بقلم فاطمة النجار

بعد أيامٍ قليلةٍ من خروج سارة من المستشفى، وعودتها إلى المنزل كفراشةٍ لا تزال أجنحتها متعبةً من عاصفةٍ هوجاء، بدأت المشاكل تتفاقم، وتأخذ منحىً أكثر تعقيدًا. ظل الحاج محمود يراقب ابنته عن كثب، قلقًا عليها، ومصممًا على توفير كل سبل الراحة والدعم لها. كانت سارة لا تزال ضعيفةً، شاحبة الوجه، تفضل البقاء في غرفتها، تتجنب الأنظار، وتتجنب بشكلٍ خاص أي ذكرٍ لخالد أو لموضوع الزواج.

الحاجة أمينة، التي كانت تتقبل اعتراف ابنتها بصبرٍ وشفقة، كانت تحاول جاهدةً استعادة ابنتها إلى حياتها الطبيعية. كانت تحضر لها الطعام الصحي، وتجلس معها لساعات، تتحدث معها عن أمورٍ بسيطة، تحاول أن تُعيد إليها الابتسامة. لكن سارة كانت غالبًا ما ترد بصمت، أو بكلماتٍ قليلة، وعيناها تحملان ثقلًا كبيرًا.

جاءت اللحظة التي كان الحاج محمود يخشاها. كان لا بد من مواجهة خالد، وإخباره بقرار سارة. جمع شجاعته، وجلس في مكتبه، ودعا خالد للحضور. حضر خالد في الموعد المحدد، بوجهه الهادئ المعتاد، وبملابسه المرتبة. لكن هذه المرة، بدا وكأن هناك شيئًا من البرود قد زاد في عينيه.

"السلام عليكم يا عمي." قال خالد، وهو يجلس في المقعد الذي أشار إليه الحاج محمود.

"وعليكم السلام يا بني." أجاب الحاج محمود، وبدأ كلماته ببطء، مستجمعًا أفكاره. "لقد مررنا بأيامٍ عصيبةٍ مع سارة. لقد مرضت، ودخلت المستشفى. والطبيب أكد لنا أنها كانت تعاني من مشكلةٍ كبيرة."

نظر خالد إلى الحاج محمود، ولم يبدُ عليه الاهتمام. "أعلم أنها كانت متعبة. وقد أرسلت لها والدتي رسالةً للاطمئنان."

"لم يكن الأمر مجرد تعبٍ يا خالد." قال الحاج محمود، وبدأ يشعر بالضيق. "لقد كانت تعاني من إدمان. إدمان لمادةٍ ما. وهذا ما جعلها تصل إلى هذه الحالة."

ارتفعت حاجب خالد قليلاً. "إدمان؟ هذا غريب. لم أكن أعرف."

"نعم، إدمان." كرر الحاج محمود. "وهذا الإدمان، بالإضافة إلى أمورٍ أخرى، جعل سارة تشعر بعدم الارتياح تجاه فكرة الزواج منك. لقد أخبرتني، بصدقٍ، أنها لا تريد إكمال الزواج."

ساد صمتٌ ثقيل. لم يقل خالد شيئًا، فقط ظل ينظر إلى الحاج محمود. ثم سأل ببرودٍ قاسٍ: "هل هذا كل شيء؟ هل هذا ما أردت إخباري به؟"

"هذا هو القرار الذي اتخذته سارة، يا خالد." قال الحاج محمود، محاولًا أن يبقى هادئًا. "وهي طلبت مني إبلاغك. نحن نحترم قرارها."

ابتسم خالد ابتسامةً باردة، لم تصل إلى عينيه. "احترام قرارها؟ بعد كل هذا؟ بعد كل ما بذلناه في التحضير؟"

"الظروف تغيرت يا بني." قال الحاج محمود. "وسارة ليست في حالةٍ تسمح لها بالزواج الآن. إنها تحتاج إلى وقتٍ للشفاء."

"الشفاء؟" استأنف خالد حديثه بنبرةٍ ساخرة. "هل تعتقدون حقًا أن هذه "المشكلة" التي تتحدثون عنها هي السبب الوحيد؟ أم أن هناك أسبابًا أخرى تخفونها؟"

شعر الحاج محمود بالغضب يتصاعد في صدره، لكنه حاول أن يكتمه. "ما هي الأسباب الأخرى التي تتحدث عنها يا خالد؟"

"أنا لست غبيًا يا عمي." قال خالد، وقد ظهر بعض الاحمرار على وجهه. "لقد لاحظتُ أن سارة كانت تتجنبني منذ فترة. أن نظراتها كانت تخفي شيئًا. هل تعتقد أنني لم أشعر بذلك؟ الآن، بعد أن خرجت من المستشفى، ومع هذه القصة عن الإدمان، هل تعتقدون أنني سأصدق كل هذا؟"

"يا خالد، نحن نقول لك الحقيقة." قال الحاج محمود. "سارة كانت تعاني."

"وهل تعتقدون أنني لم أعاني؟" قاطعه خالد. "لقد بذلتُ جهدًا كبيرًا لأكون الخطيب المثالي. لقد تحملتُ الكثير من أجل هذه العلاقة. والآن، تأتي سارة، مع كل هذه "المشاكل"، وتقول إنها لا تريد الزواج. هذا غير مقبول."

"نحن نفهم أن الأمر قد يكون صعبًا عليك." قال الحاج محمود. "لكننا لا يمكننا إجبارها على الزواج."

"إجبارها؟" ضحك خالد ضحكةً قصيرةً خاليةً من البهجة. "لا، لن أجبرها. ولكن تذكروا، كل شيءٍ له ثمن. وأنتم، وعائلتكم، ستدفعون ثمن هذا القرار."

بعد أن قال ذلك، نهض خالد من مقعده، وخرج من المكتب دون كلمةٍ أخرى. ترك الحاج محمود وحيدًا، يشعر بالثقل والضيق. لم يكن يتوقع ردة فعلٍ كهذه. لقد اعتقد أن خالد سيكون أكثر تفهماً، أو على الأقل أكثر حكمةً.

في الأيام التالية، بدأ الحاج محمود يشعر بضغطٍ من جهاتٍ أخرى. كانت أخبار مرض سارة، ثم إشاعة "المشكلة" التي حلت بها، قد بدأت تنتشر في الحي. لم يكن الحاج محمود معتادًا على هذه الشائعات، وكان يشعر بالإحراج.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. بدأت بعض الأقارب، ممن كانت تربطهم علاقةٌ بعائلة الحاج محمود، بالتدخل. كانت الحاجة فاطمة، أخت الحاج محمود، امرأةٌ فضوليةٌ، ومحبةٌ للتدخل في شؤون الآخرين. اتصلت بالحاج محمود، وبدأت تسأله عن التفاصيل.

"يا أخي، سمعنا أن سارة مريضة. ما بها؟ هل هي حالةٌ خطيرة؟" قالت بصوتٍ متحمس.

حاول الحاج محمود أن يختصر الأمر. "إنها تتعافى يا أختي. لا داعي للقلق."

"لكن سمعنا أنها عانت من شيءٍ غريب. هل هذا صحيح؟" استمرت الحاجة فاطمة في إلحاحها. "هل هناك شيءٌ تخفيه عنا؟"

شعر الحاج محمود بالإحباط. "يا فاطمة، لم يكن هناك شيءٌ نخفيه. إنها مجرد فترةٌ صعبة مرت بها. والآن هي بخير."

"بخير؟" استغربت الحاجة فاطمة. "لكن خالد؟ ماذا عن خطبته؟ هل ما زالوا سيستمرون؟ لقد سمعنا أنه ألغى الخطوبة."

"نعم، ألغيت الخطوبة." قال الحاج محمود.

"أوه! هذا مؤسفٌ جدًا. ولكن، هل يمكن أن تخبرني السبب الحقيقي؟ لماذا ألغى؟ هل هناك شيءٌ يتعلق بسارة؟"

كان الحاج محمود يشعر بأن جدران غرفته تضيق عليه. لقد كان يكره هذه الأحاديث، هذه الفضولية التي لا نهاية لها. "يا فاطمة، هذا أمرٌ شخصيٌّ بين سارة وخالد. ولا ينبغي لنا الخوض فيه."

"لكننا عائلةٌ يا أخي! ونحن نهتم. وإلا، لماذا ستلغي الخطوبة؟ ألم تكن سارة فتاةً صالحةً؟"

"سارة فتاةٌ صالحة، لكن الظروف أدت إلى هذا القرار." قال الحاج محمود، محاولًا إنهاء الحديث.

"والله أنا قلقةٌ على سارة. هذه الأمور قد تؤثر على سمعتها. وخاصةً بعد انتشار هذه الإشاعات. هل هي حقًا مدمنة؟"

عندما سمعت كلمة "مدمنة"، شعر الحاج محمود ببرودةٍ تسري في عروقه. كيف وصلت هذه المعلومة إلى الحاجة فاطمة؟ ومن أين حصلت عليها؟ هل كان خالد هو من نشر هذه الشائعة؟

"لا، يا فاطمة. سارة ليست مدمنة." قال الحاج محمود بنبرةٍ قوية. "لقد كانت تمر بمرحلةٍ نفسيةٍ صعبة، وهذا كل ما في الأمر."

"لكن الطبيب قال..." بدأت الحاجة فاطمة، ثم توقفت، وكأنها لم ترغب في الكشف عن مصدر معلوماتها.

"الطبيب قال ما قال، وأنا قلت ما قلت." قال الحاج محمود. "لا أريد أن أسمع المزيد عن هذا الموضوع. وأرجو منكِ، يا أختي، أن تتوقفي عن نشر هذه الشائعات."

أنهى الحاج محمود المكالمة، وشعر بإرهاقٍ شديد. لم يكن يعرف كيف سيواجه كل هذه الضغوط. ضغط خالد، وضغط الشائعات، وضغط الفضول العائلي. كل هذا كان يزيد من عبء سارة، ويزيد من عبئه هو.

في تلك الليلة، وبعد أن تأكد من أن ابنته نائمة، دخل إلى غرفتها، ونظر إليها. كانت تبدو هادئةً في نومها، لكن وجهها كان لا يزال يحمل آثار الشقاء. تذكر قوله لخالد: "كل شيءٍ له ثمن." لقد كان على وشك أن يكتشف هذا الثمن، وثمن القرارات التي ستتخذها ابنته. كان يعلم أن الطريق أمامهم سيكون مليئًا بالعقبات، مليئًا بضباب الشك، ولعنة الشائعات، وضغوط القرابة التي لا تعرف الرحمة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%