الفصل 7 / 25

حب وكرامة 188

سكون القلب وجفاف الروح

بقلم فاطمة النجار

بعد قرار إلغاء الخطوبة، ودخول سارة في مرحلةٍ من التعافي البطيء، بدا وكأن جوًا من السكون المفروض قد خيّم على بيت الحاج محمود. لم يكن سكونًا نابعًا من السلام الداخلي، بل كان سكونًا يخفي تحت سطحه خليطًا من المشاعر المتضاربة: حزنٌ عميقٌ على ضياع فرصةٍ كانت تبدو واعدة، وارتياحٌ خفيٌّ لخلاص سارة من زواجٍ لم تكن تريده، وقلقٌ متزايدٌ بشأن مستقبلها، وشعورٌ بالوحدة بدأ يتسلل إلى قلب الحاج محمود.

كانت سارة تقضي أيامها بين غرفتها، وحديقتها الصغيرة، وبين جلسات العلاج النفسي التي بدأها والدها لها. كانت تحاول جاهدةً أن تتجاوز أزمتها، أن تستعيد ثقتها بنفسها، وأن تبني جسورًا جديدةً مع ذاتها. كانت تدرك حجم الألم الذي سببته لوالديها، وحجم الصدمة التي مرت بها. كانت تشعر بالخزي كلما التقت بنظرات أبيها المليئة بالشفق، ونظرات أمها المتعبة.

لكن حتى في هذا السكون، كان هناك صوتٌ غريبٌ بدأ يتردد في أذنيها. لم يكن صوتًا خارجيًا، بل كان صوتًا يرتفع من أعماق روحها، صوتًا كانت تخنقه في السابق. كان صوت الاعتراف الأعمق. لقد أدركت أن مشكلتها مع خالد لم تكن مجرد رد فعلٍ لضعفها، بل كانت أيضًا نتاجًا لشعورٍ داخليٍّ عميقٍ بأن هذا الزواج كان خطأً فادحًا.

لم تكن سارة قد قابلت خالد بعد إخباره بالقرار. ولم ترغب في ذلك. كانت تخشى رؤية عينيه المليئتين باللوم أو بالاستياء. لكن ما سمعته عن خالد من شائعاتٍ بدأت تتناقل في الحي، جعلها تشعر بقلقٍ متزايد. قيل إن خالد كان يتحدث عن سارة بسوء، وينشر قصصًا مشوهةً عن حالتها، وينشر إشاعة أنها كانت تعاني من مرضٍ نفسيٍّ خطيرٍ قبل أن يعرفوا عنها شيئًا.

"يا أبي، هل هذا صحيح؟" سألت سارة والدها ذات مساء، وعيناها مليئةٌ بالحيرة. "هل خالد يتحدث عني بالسوء؟"

نظر الحاج محمود إلى ابنته، ورأى القلق في عينيها. "لقد سمعتُ بعض الأشياء يا بنيتي. لكن لا تقلقي. ما يقوله لا يعكس الحقيقة."

"لكن لماذا يفعل ذلك؟" سألت سارة، وقد بدأت تشعر بالغضب. "هل لأنه يريد الانتقام؟"

"ربما." أجاب الحاج محمود. "لكن هذا لا يعني شيئًا. المهم هو أنكِ تتعافين. وأنكِ قوية. لا تسمحي لكلامه بأن يؤثر عليكِ."

لكن كلامه لم يكن كافيًا لتهدئة روع سارة. بدأت تشعر بضيقٍ في صدرها، وبنغمةٍ من اليأس. كيف لها أن تبني مستقبلها، إذا كان الماضي لا يزال يلاحقها بهذه الصورة المشوهة؟

في هذه الأثناء، كان الحاج محمود يواجه صعوباتٍ أكبر. فقد توقف خالد عن القدوم إلى المسجد الذي كان يصلي فيه الحاج محمود. وأصبح يتجنبه في الأماكن العامة. حتى أن الحاج محمود شعر بأن خالد بدأ ينشر نوعًا من العداء بين بعض المعارف المشتركة.

"لماذا يفعل هذا؟" تساءل الحاج محمود في نفسه. "لقد كانت سارة هي من ألغت الخطوبة. لماذا يصر على إذلالي وإذلال عائلتي؟"

في أحد الأيام، بينما كان الحاج محمود يتجول في السوق، قابله أحد أصدقائه القدامى، السيد عبد الرحمن. كان السيد عبد الرحمن رجلًا طيبًا، يتمتع بحكمةٍ وتقديرٍ في المجتمع.

"السلام عليكم يا أبا أحمد." قال السيد عبد الرحمن، وهو يبتسم. "كيف حالك؟ لم أرك منذ فترة."

"وعليكم السلام يا أبا خالد." أجاب الحاج محمود. "الحمد لله. كيف حالك أنت؟"

"الحمد لله. سمعتُ ما حدث مع سارة. وأنا آسفٌ جدًا لذلك. لقد كانت فتاةً رائعة."

شعر الحاج محمود بالضيق. "شكرًا لك يا أبا خالد. نعم، لقد مرت بفترةٍ صعبة."

"سمعتُ أيضًا أن الخطوبة قد ألغيت. وهناك بعض الشائعات." قال السيد عبد الرحمن، وهو ينظر إلى الحاج محمود بعينين مليئتين بالفهم. "ولكن، يا أبا أحمد، لا تدع هذه الأمور تؤثر عليك. خالد شابٌّ طموح، ولكنه أحيانًا ما يكون قاسيًا في تعامله."

"قاسيًا؟" سأل الحاج محمود. "هل تعرف شيئًا عن هذه القسوة؟"

"لقد تحدثتُ معه مرةً، بعد أن سمعتُ ما حدث." أجاب السيد عبد الرحمن. "وكان كلامه عن سارة، وعن عائلتك، لا يليق. كان يتحدث عن سمعتكم، وعن سمعة سارة، بطريقةٍ مسيئة. وبدا وكأنه يريد الانتقام."

شعر الحاج محمود ببرودةٍ تسري في عروقه. لم يكن يتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد. "لم أتوقع منه ذلك." قال بصوتٍ خافت.

"لا، لم أتوقعه أنا أيضًا." قال السيد عبد الرحمن. "لكنه يبدو أنه يشعر بالإهانة، ويريد أن يرد الإهانة بطريقته. ولكن، يا أبا أحمد، تذكر أن السكوت قد يكون أحيانًا أقوى من الرد. وأن الصبر هو مفتاح الفرج."

شكر الحاج محمود السيد عبد الرحمن على نصيحته، وعاد إلى منزله وهو يشعر بعبءٍ جديدٍ على روحه. لم يكن يتوقع أن يكون خالد بهذه القسوة، وبهذه الرغبة في الانتقام.

في تلك الليلة، وبعد أن اطمأن على سارة، جلس الحاج محمود في مكتبه، يفكر. لقد كانت سارة تتعافى، وكان هذا هو الأهم. لكن ما كان يفعله خالد، وما كانت تتناقله الشائعات، كان يؤثر على سمعة العائلة.

"ماذا أفعل؟" تساءل في نفسه. "هل أواجهه؟ هل أتجاهله؟ هل أنتظر؟"

وبينما هو يفكر، وقعت عيناه على نسخةٍ من القرآن الكريم كانت على مكتبه. فتحها، وبدأ يتلو بعض الآيات. وجد في كلام الله عز وجل سلوى وراحة. آياتٌ عن الصبر، وعن الشدة، وعن الأجر العظيم لمن يتحمل.

"ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور." (الشورى: 43)

تذكر الحاج محمود هذه الآية، وشعر بأنها موجهةٌ إليه. لقد كان عليه أن يتحلى بالصبر، وأن يعزم أمره. لم يكن بإمكانه أن يدع خالد يدمر سمعة عائلته.

فجأةً، خطرت بباله فكرة. فكرةٌ جريئة، لكنها قد تكون الحل. إذا كان خالد يريد الانتقام، فليكن. لكن يجب أن يعرف أن هناك حدودًا لا يمكن تجاوزها.

في صباح اليوم التالي، ذهب الحاج محمود إلى السيد عبد الرحمن. "يا أبا خالد،" قال. "لقد فكرتُ في كلامك. وأعتقد أنني أعرف ما يجب علي فعله."

كان السيد عبد الرحمن ينتظره. "ما هو قرارك يا أبا أحمد؟"

"سأدع خالد يتحدث ما يشاء. وسأدع الشائعات تنتشر. لكنني سأقوم بشيءٍ واحدٍ لن ينساه. سأثبت للجميع أن سارة، وابنتي، أقوى مما يعتقد. وسأثبت لهم أن الإدمان، أو أي مشكلةٍ أخرى، ليست نهاية المطاف. بل هي بدايةٌ لرحلةٍ جديدة."

لم يفهم السيد عبد الرحمن ما يقصده الحاج محمود بالضبط، لكنه رأى في عينيه تصميمًا لا يعرف الكلل.

عادت سارة إلى حياتها شيئًا فشيئًا. بدأت تشعر بأن قلبها بدأ يهدأ، وبأن روحها تجف، ولكن ليس جفاف اليأس، بل جفاف الاكتفاء بالصبر والتوكل على الله. لم تعد تشعر بذلك الشبح الذي كان يلاحقها، بل بدأت ترى نور

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%