الفصل 8 / 25

حب وكرامة 188

ريحٌ تعصفُ في بساتينِ النقاء

بقلم فاطمة النجار

كانت الشمسُ قد غابتْ منذُ ساعاتٍ، وتركتْ سماءَ بلدةِ "وادي الزيزفون" تتلألأُ بنجومٍ تشبهُ دموعَ اللؤلؤِ المتناثرةِ على قماشةٍ سوداءَ مطرزةٍ بالفضة. في غُرفةِ "نور"، كانت الأضواءُ الخافتةُ تُلقي بظلالٍ راقصةٍ على وجهِها، وهي تتأملُ في حِصنِ خشبٍ صغيرٍ تملأُهُ رسائلُ "أحمد". كانت تلكَ الرسائلُ، التي كُتِبَتْ بخطٍ أنيقٍ، بلغةٍ صادقةٍ، تشهدُ على صدقِ مشاعرٍ لم تكُنْ "نور" لتتخيلَ يومًا أنها قد تُزهرُ في قلبِها بهذا الشكل.

لم يكنْ لقاءُ الأمسِ سهلًا، بل كانَ أشبهَ بمعركةٍ صامتةٍ بينَ ما تمليهِ عليها واجباتُها الأسريةُ وتقاليدُ مجتمعِها، وبينَ ما يُلِحُّ عليها بهِ قلبُها الذي وجدَ في "أحمد" سكينتَهُ. كانتْ والدتُها، السيدةُ "فاطمة"، قدْ جلستْ قُربَها، وعيناها تحملانِ ثقلَ سنينٍ طوالٍ منَ الحكمةِ والقلقِ. "يا ابنتي، أعرفُ أنَّ قلبَكِ يشعرُ بشيءٍ جديدٍ، ولكنْ تذكّري دائمًا أنَّ بناءَ بيتٍ سعيدٍ ليسَ بالمشاعرِ وحدَها، بلْ بالأسسِ المتينةِ التي تُبنى على الاحترامِ والتفاهمِ، وعلى ما يُرضي اللهَ ورسولَهُ."

كانتْ كلماتُ والدتِها كالصقيعِ على ما بدأَ ينبتُ في قلبِها. لمْ يكنْ "أحمد" مجردَ شابٍ وسيمٍ، بلْ كانَ مثالًا لما قدْ تطمحُ إليهِ في شريكِ حياتِها. كانتْ رؤيتُهُ وهو يدافعُ عنْ مبادئه، وعنْ احترامِهِ لعاداتِهم، وتقديرُهُ لمكانةِ العائلةِ، كلها صفاتٌ نادرةٌ في هذا الزمانِ. ولكنْ، ماذا عنْ قلقِ والدتِها؟ ماذا عنْ نظرةِ المجتمعِ؟ كانتْ "ليلى"، أختُ "نور" الكبرى، قدْ ألمحتْ لها في وقتٍ سابقٍ، بأنَّ بعضَ أفرادِ العائلةِ، وخاصةً عمَّتَها "أمينة"، بدأتْ تشعرُ بالاستغرابِ منْ كثرةِ أحاديثِ "نور" عنْ "أحمد"، وبدأتْ تُطلقُ الهمساتِ التي قدْ تتحولُ إلى كلامٍ.

في صباحِ اليومِ التالي، وبينما كانتْ "نور" تساعدُ والدتَها في تجهيزِ طبقِ الفطورِ الصباحيِّ، دخلَ والدُها، السيدُ "علي"، غُرفةَ الطعامِ، وبدتْ على وجهِهِ علاماتُ الانشغالِ. "هلْ سمعتِ أخبارَ اليومِ؟" سألَ وهو يتناولُ فنجانَ قهوتِهِ. "المهندسُ 'هشام'، ابنُ عمِّكِ، قدْ عادَ منْ سفرهِ، وهو ينوي التقدمَ لخطبتِكِ رسميًا الأسبوعَ القادمَ."

تجمدتْ "نور" في مكانِها. "هشام"؟ كانَ "هشام" دائمًا يُظهرُ لها بعضَ الاهتمامِ، ولكنهُ لمْ يكنْ يومًا يشغلُ بالَها. كانَ بالنسبةِ لها مجردَ ابنٍ عمٍّ، وكانَ دائمًا متفاخرًا بنفسِهِ، مُتعلّقًا بمادياتِ الحياةِ، ويفتقرُ إلى العمقِ الذي رأتهُ في "أحمد". أومأتْ برأسِها ببطءٍ، وحاولتْ أنْ تُخفيَ اضطرابَها. "حقًا يا أبي؟"

كانَ هذا التطورُ الجديدُ بمثابةِ عاصفةٍ مفاجئةٍ تضربُ بساتينَ نقاءِ قلبِها. شعرتْ وكأنَّ الأرضَ تميدُ بها. كيفَ لها أنْ تُخبرَ والديهَا أنها تفكرُ في شخصٍ آخرَ؟ وكيفَ لها أنْ تُعارضَ قرارَ والدِها الذي يبدو أنهُ قدْ حُسمَ بالفعلِ؟

في وقتٍ لاحقٍ منَ اليومِ، ذهبتْ "نور" لزيارةِ جدتِها، السيدةِ "زينب"، التي كانتْ تسكنُ في بيتٍ قديمٍ تفوحُ منهُ رائحةُ الياسمينِ والبخورِ. كانتْ الجدةُ، بشعرِها الأبيضِ وعينيها اللامعتينِ، دائمًا الملجأَ الآمنَ لـ"نور". جلستْ "نور" على رُكبتي جدتِها، وبدأتْ تُحدّثُها عنْ قلقِها، دونَ أنْ تذكرَ اسمَ "أحمد" صراحةً.

"يا جدتي، أشعرُ أنَّ هناكَ طريقينِ أمامي، وكلاهما يبدوانِ صعبينِ. أحدهما طريقٌ مرسومٌ، والآخرُ ربما يكونُ أجملَ ولكنَّه مليءٌ بالمخاطرِ." نظرتْ الجدةُ إليها بعينيها الثاقبتينِ، ولمستْ خصلةً منْ شعرِها. "يا ابنتي، الطرقُ التي تبدو مرسومةً دائمًا قدْ تكونُ الأسهلَ في البدايةِ، ولكنَّها قدْ لا تُوصلُكِ إلى مبتغاكِ الحقيقيِّ. أما الطرقُ التي تحتاجُ إلى جهدٍ وتضحيةٍ، فقدْ تكونُ مليئةً بالعقباتِ، ولكنَّها إذا أدتْ إلى سعادتِكِ ورضاكِ، فما أجملَ أنْ تسلكيها. الأهمُّ يا صغيرتي، أنْ يُرضيَ اللهُ عنْ طريقِكِ."

كلماتُ الجدةِ كانتْ بلسمًا، ولكنَّ التحديَ الأكبرَ كانَ ينتظرُ "نور". كانتْ تعلمُ جيدًا أنَّ عمَّتَها "أمينة" لنْ تسكتَ عنْ أيِّ شيءٍ قدْ يُفسرُ على أنهُ تمردٌ أوْ انحرافٌ عنْ التقاليدِ. وأنَّ "هشام" نفسه، بشخصيتِهِ المتعجرفةِ، قدْ يكونُ عقبةً أخرى.

في المساءِ، استقبلتْ "نور" رسالةً منْ "أحمد". كانتْ كلماتُهُ بسيطةً، ولكنها تحملُ قوةً هائلةً. "أتمنى أنْ تكوني بخيرٍ يا نور. أرسلُ لكِ هذهِ الكلماتِ لأذكرَكِ بأنَّ النقاءَ لا يُقاسُ إلا بالصدقِ، وأنَّ الكرامةَ لا تُباعُ ولا تُشترى. كلُّ ما يحدثُ ما هو إلا اختبارٌ، ونحنُ معًا، بإذنِ اللهِ، سنُبحرُ في سفينةِ الحقِّ."

ابتسمتْ "نور" ابتسامةً باهتةً. "معًا". هذهِ الكلمةُ وحدَها كانتْ تُعطيها القوةَ. كانتْ تعلمُ أنَّ المعركةَ قدْ بدأتْ، وأنَّ عليها أنْ تجدَ طريقَها بحكمةٍ وشجاعةٍ، معَ الحفاظِ على إيمانِها وكرامتِها. فالطريقُ إلى قلبِ "أحمد" لمْ يعدْ مجردَ حلمٍ، بلْ أصبحَ هدفًا يتطلبُ منها كلَّ ما أوتيتْ منْ قوةٍ وصبرٍ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%