الحبيب الغائب 189

نسيم المساء وحلم اليقظة

بقلم ليلى الأحمد

كانت الشمس تلفظ أنفاسها الأخيرة، تلقي بوهجها الذهبي على رمال الصحراء التي امتدت بلا نهاية، لتلامس سماءً اكتست بوشاح غروبي مذهل. في هذه اللحظة الساحرة، وقفت "ليلى" على شرفة منزل جدتها العريق، الذي يرتفع كحصن منيع في قلب واحة "أم القرى"، مستنشقةً عبير الياسمين المتسرب من حديقة غنّاء. عيناها السوداوان، واسعتان كسهول الوديان، تجولان في الأفق، تحملان في طياتهما شغفاً بالجمال، ورغبة جامحة نحو المجهول.

ارتدت ليلى عباءة مطرزة بألوان التراب، تلف شعرها الداكن تحت حجاب رقيق، بدا وكأنه امتداد لظلام الليل الوشيك. كانت في ريعان شبابها، وقد نضجت روحها قبل أوانها، تتسم بالحكمة والرصانة التي لا تتناسب مع سنوات عمرها القليلة. في هذا المساء، كان قلبها يعزف لحناً مختلفاً، لحناً يختلط فيه الرجاء بالحنين، وتتراقص فيه أطياف ماضٍ لم تعشه، ومستقبل طالما حلمت به.

كانت جدتها، السيدة "فاطمة"، عجوزاً مباركة، بذاكرة لا تشيخ وقلب يفيض بالحب والحكمة. غالباً ما كانت تجلس قرب الموقد، تحكي لليلى قصص الأجداد، وحكايات العاشقين الأوفياء، والأبطال الذين ضحوا من أجل الشرف والكرامة. ومن بين كل تلك الحكايات، كانت قصة "الحبيب الغائب" تتردد في أذن ليلى كصدىً عميق، قصة رجل رحل في طلب العلم، ووعد بالعودة، لكن الأيام تعاقبت، والسنون تلاشت، وظلّ الأثر وحده شاهداً على وجوده.

اليوم، كان شعور ليلى مختلفاً. لم يكن مجرد شغف بقصة قديمة، بل كان إحساساً بأن شيئاً ما سيتغير. سمعت همسات الخدم عن وصول قافلة جديدة تحمل أخباراً من الخارج، ومن بين الركاب، رجلٌ ذو هيئة وقورة، يحمل في حقائبه رسائل وصوراً قديمة. وتسارعت دقات قلبها، وهي تتساءل: هل يمكن أن يكون هذا الرجل هو حامل الأمل؟ هل يمكن أن يحمل معه خبراً عن ذلك الحبيب الغائب الذي استحوذ على جزء من أحلامها، رغم أنها لم تره قط؟

نزلت ليلى من الشرفة، متتبعةً خيوط الفجر الداكنة التي بدأت تنسج وشاحها فوق السماء. مرت بغرفة الجدّة، حيث كانت السيدة فاطمة تصلي بخشوع، ووجهها مضاء بنور الإيمان. ابتسمت ليلى، وشعرت بالسكينة تغمرها. إن إيمان جدتها وقوة صلاتها هما مصدر قوتها.

عندما دخلت ليلى إلى ساحة الدار الواسعة، وجدت الخدم يتزاحمون حول رجلٍ غريب، ملابسه تحمل آثار السفر الطويل، لكن عينيه كانتا تحملان بريقاً خاصاً، وفيهما حكمة عميقة. اقتربت بحذر، وقلبها يخفق بعنف. كانت تلمح في ملامحه شيئاً من الندرة، وروحاً تبدو وكأنها حملت عبر السنين ثقل الذكريات.

"يا سيدي، هل أتيت من أرض بعيدة؟" سألت ليلى بصوتٍ خافت، لكنه كان محملاً بالكثير من التساؤلات.

التفت الرجل إليها، وانقبض وجهه قليلاً، كمن رأى شبحاً أو ذكرى قديمة. "نعم يا بنيتي، أتيت من حيث لا يعلم إلا الله، أحمل في صدري عبء سنين طوال."

"هل رأيت في رحلاتك... هل مررت بـ...؟" ترددت ليلى في نطق الاسم، لكن الكلمات خرجت دفعة واحدة: "هل رأيت رجلاً اسمه 'طارق'؟"

تسمّر الرجل في مكانه. عيناه اتسعت، وبدت وكأنها ترى عبر الزمن. مرّت لحظات صمت ثقيلة، كأن العالم كله حبس أنفاسه. ثم، وبصوتٍ مرتعش، قال الرجل: "طارق... نعم، عرفته. رجلٌ صالح، كان يسعى للمعرفة في أصقاع الأرض. لكن... القدر كان له رأي آخر."

تجمّدت ليلى في مكانها. "رأي آخر؟ ماذا تقصد؟"

"لقد... لقد ابتعد. لم يعد ذاك الشاب الذي عرفته. اختفى في غياهب الدنيا، تاركاً خلفه... أثراً باهتاً." قال الرجل، وهو يمسح جبينه بيده. "كنت أحمل له رسالة، رسالةٌ طال انتظارها."

شعرت ليلى ببرودة تسري في عروقها. رسالة؟ طال انتظارها؟ لم تكن تلك الرسالة موجهة إليها، لكنها شعرت بأنها مفتاحٌ لغزٍ قديم. "ومن هي هذه الرسالة؟ لأي شخص هي؟"

تنهد الرجل بحزن. "هي لامرأةٍ أحبها، أحبها بصدقٍ وعمق، قبل أن تسوقه الأيام بعيداً. امرأةٌ تحمل في قلبها أمله، وفي عينيها حلمه. اسمها..." تردد الرجل، وكأن الاسم له وقعٌ أليم.

"اسمها؟" همست ليلى، وقلبها يخفق كطائرٍ حبيس.

"اسمها... 'زينب'." قال الرجل. "هل تعرفينها؟"

ارتعشت شفتا ليلى. زينب؟ لم تكن تعرف امرأة بهذا الاسم. لكنها تذكرت حين كانت جدتها تحكي لها قصة "الحبيب الغائب"، كانت تذكر أنها كانت هناك فتاةٌ أخرى، أحبها طارق قبل أن يرحل، فتاةٌ تحمل اسماً قريباً من زينب. لكن هل يمكن أن تكون هي؟ هل يمكن أن تكون ليلى نفسها هي زينب؟

"لا... لا أعرفها." قالت ليلى، وهي تشعر بضيقٍ غريب في صدرها. "لكن... أيمكنني رؤية الرسالة؟ ربما أعرف من هي."

نظر الرجل إلى ليلى ملياً، وكأنه يبحث في وجهها عن إجابة. ثم، ببطء، أخرج من حقيبته مظروفاً قديماً، عليه ختمٌ لم تره من قبل. لم تكن ليلى تعرف القراءة بالكامل، فتعليمها لم يكتمل، لكنها كانت تعرف القليل، وكانت تتقن بعض الأحرف.

"تفضلي." قال الرجل، وهو يمد لها المظروف. "لقد وعدت طارقاً بأن أوصلها لمن تستحقها. ولعلي أجد في وجهكِ صدقاً لم أجده في غيره."

أخذت ليلى المظروف بيدين مرتجفتين. كانت الورقة في الداخل صفراء، وعليها كتاباتٌ متناثرة، بعضها تلاشى بفعل الزمن. بدأت تقرأ بصوتٍ خافت، متلمسةً الحروف بإناملها.

"إلى زينب، يا نور عيني وقمر أيامي... لقد مضت سنواتٌ طويلة، ولكني لم أنسَ وعدي. أحمل في قلبي حبكِ، وفي روحي شوقي. أتعلمين يا زينب، أنني أبحث عنكِ في كل وجوه النساء، عن ابتسامةٍ تشبه ابتسامتكِ، عن عينين تحملان صفاء روحكِ. أرجو من الله أن يجمعني بكِ، وأن يبارك لنا ما تبقى من أيامنا. أتذكرين تلك النخلة الوحيدة عند سفح الجبل؟ ألتقي بكِ عندها عند الغروب، عندما يبدأ القمر بالسفر في سماء الليل..."

توقفت ليلى. قلبها كان يضرب بقوة. نخلة وحيدة عند سفح الجبل؟ كانت تلك النخلة هي المكان الذي اعتادت هي نفسها أن تجلس فيه، تتأمل النجوم، وترسم أحلامها في الهواء. هل يمكن أن تكون هذه الرسالة موجهة لها؟ لكن اسمها لم يكن زينب، بل ليلى.

"من أنت؟" سألت ليلى الرجل، وعيناها مليئتان بالحيرة. "وما هي قصتك مع طارق؟"

ابتسم الرجل ابتسامةً تحمل الكثير من الألم. "اسمي 'يوسف'. لقد كنت صديق طارق في رحلاته. وكان دائماً يحدثني عن حبٍ قديم، عن فتاةٍ أضناها الفراق. كان يظن أنها قد نسيت. كان يظن أنها قد تزوجت."

"ولماذا لم يعد؟" سألت ليلى، وشعرت بدموعٍ تتجمع في عينيها.

"اختفى، يا ابنتي. اختفى في متاهة الحياة. لقد سمعت أخباراً عن وفاته في بلادٍ بعيدة، لكنني لم أصدقها. ظللت أبحث، أبحث عن أثر، عن دليل. وهذه الرسالة... كانت آخر ما كتب لي. قال لي: 'إذا لم أعد، فاعطها لزينب. قل لها أنني أحببتها حتى النفس الأخير.'"

تنهدت ليلى، وشعرت بثقلٍ يقع على صدرها. زينب. طارق. الحب. الفراق. كل هذه الكلمات كانت تنسج حولها خيوطاً من الحزن والأمل.

"لكن... أنا لست زينب." قالت ليلى، بصوتٍ يرتجف. "اسمي ليلى."

نظر إليها يوسف بعينين ذابلتين. "لكن في عينيكِ نفس البريق الذي وصفه لي طارق. وفي صوتكِ نفس الحنان الذي تحدث عنه. و... هذه النخلة الوحيدة عند سفح الجبل... ألم تكن ملتقاكما؟"

تساءلت ليلى: هل يمكن أن يكون طارق قد أخطأ في اسمها؟ هل يمكن أن يكون قد أحب شخصاً آخر، لكنه وصفها بطريق الخطأ؟ أو ربما... ربما كان القدر قد خبأ لها قصةً لم تتخيلها.

"نعم." قالت ليلى أخيراً. "هذه النخلة... هي مكاني المفضل."

أومأ يوسف برأسه، وكأنه وجد في ذلك تأكيداً. "ربما... ربما كانت الأقدار تريد أن تلتقي. ربما كانت هذه الرسالة... لم تزل تحمل بعضاً من الأمل."

شعرت ليلى بنبضٍ خفيٍ يتحرك في روحها. لم تكن تعرف ما هو، لكنها شعرت بأن شيئاً ما قد بدأ. أن قصتها، التي كانت تتخيلها كأمنياتٍ بعيدة، قد بدأت تتجسد أمامها. "الحبيب الغائب 189"، الاسم الذي لمحته على غلاف كتابٍ قديم في مكتبة جدتها، بدأ يأخذ معناه.

نظرت ليلى إلى المظروف بين يديها، ثم إلى يوسف، الذي بدا وكأنه يحمل عبء العالم كله. "ربما..." قالت ليلى، بصوتٍ حازم، "ربما عليّ أن أرى أين يقودني هذا الحبل. ربما عليّ أن أجد جواباً لحكاية طارق وزينب، أو... لقصتي أنا."

رفعت ليلى رأسها، ونظرت إلى السماء التي بدأت تكتسي بلون الليل. بدا القمر هلالاً فضياً، كأنه يبتسم لها. شعرت بأنها تقف على أعتاب عالم جديد، عالمٍ يختلط فيه الماضي بالحاضر، والحلم بالواقع. لم تكن تدري ماذا سيحدث، لكنها كانت مستعدة. لقد بدأت رحلتها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%