الحبيب الغائب 189
همسات الماضي وشكوك الحاضر
بقلم ليلى الأحمد
كانت نسمات المساء الباردة تتسلل إلى غرفة سارة، تحمل معها عبق الياسمين الذي يفوح من باحة المنزل العتيق. جلست سارة قرب النافذة، ودفترها مفتوح أمامها، لكن كلماتها كانت تبدو باهتة، عاجزة عن التقاط تيار المشاعر الذي يعصف بداخلها. منذ لقائها الأخير مع أحمد، شعرت بأن هناك ضبابًا كثيفًا يلف قلبها، يحجب عنها رؤية واضحة لما يدور حولها. كانت تتذكر ابتسامته الدافئة، ونبرة صوته الهادئة التي كانت تمنحها سكينة، لكن ظل الشك كان يراودها، ينغص عليها صفو أيامها.
تذكرت حديثها مع والدتها قبل أيام، حين حذرتها من التسرع في إعطاء قلبها لرجل لم تعرفه إلا حديثًا. "الزواج يا بنيتي ليس لعبة، بل هو ميثاق غليظ، اختيار لعمر بأكمله. يجب أن تتأني، وأن تتفكري بعمق، وأن تستخيري الله قبل كل شيء." كانت كلمات والدتها منطقية، لكنها لم تستطع أن تنسى نظرة أحمد حين تحدث عن مستقبل يحملها معه، عن بيت يجمعهما، وعن أسرة تنبض بالحياة. كانت تلك النظرة تحمل وعدًا، وأملًا، وصدقًا شعرت به سارة ينبعث من أعماق روحه.
في الجهة الأخرى من المدينة، كان أحمد منهمكًا في عمله، لكن ذهنه لم يكن حاضرًا تمامًا. كان يراجع أوراق القضية التي تولاها مؤخرًا، قضية تبدو بسيطة ظاهريًا، لكنها تخفي في طياتها الكثير من التعقيدات. كان يشعر بضغط متزايد، فالموعد النهائي لتقديم الأدلة يقترب، وكان هناك بعض الأطراف التي تسعى لعرقلة سير العدالة.
كانت والدة أحمد، السيدة فاطمة، دائمًا ما تراقب ابنها بقلق. كانت تلاحظ التغيرات التي طرأت عليه منذ تعرف على سارة. كان يبدو أكثر سعادة، وأكثر انشراحًا، لكنه كان أيضًا يبدو أكثر قلقًا، وأكثر انشغالًا. كانت تعلم أن سارة فتاة طيبة، ومن أسرة كريمة، وأنها ابنة شيخ جليل. لكنها كانت تخشى أن تكون هذه العلاقة الجديدة عبئًا إضافيًا على ابنها الذي كان يكابد الكثير في حياته المهنية.
"أحمد يا بني، هل تناولت عشاءك؟" سألت السيدة فاطمة وهي تدخل مكتبه. رفع أحمد بصره عن الأوراق، وابتسم ابتسامة متعبة. "لا يا أمي، لم أجد وقتًا. سأتناول شيئًا سريعًا لاحقًا." جلست السيدة فاطمة بجانبه، ووضعت يدها على كتفه. "لا تهمل نفسك يا ولدي. صحتك هي أغلى ما تملك. هذه القضية التي تشغل بالك، هل هي خطيرة لهذه الدرجة؟" تنهد أحمد. "إنها معقدة يا أمي، وتحتاج إلى الكثير من الدقة والتركيز. هناك بعض الأشخاص الذين لا يريدون الحق أن يظهر."
كانت السيدة فاطمة تشعر بأن هناك ما يقلق أحمد أكثر من مجرد القضية. كانت تلمح إلى ذلك الشعور بعدم اليقين الذي يخيم على علاقته بسارة، ذلك الشك الذي يبدو أنه يتسلل إلى قلبيهما. كانت تتمنى أن ترى ابنها مستقرًا، سعيدًا، وأن يجد في سارة نصفه الآخر الذي يبني معه حياة هادئة وسعيدة.
في يوم آخر، وبينما كانت سارة تتجول في السوق القديم، تبحث عن بعض الخيوط الملونة لتزيين لوحتها القادمة، لمحها رجل مسن يرتدي جلبابًا بلون الأرض، ويضع على رأسه عمامة بيضاء. كان وجهه مليئًا بالتجاعيد التي حفرتها السنون، وعيناه تلمعان بذكاء دفين. كان الحاج محمود، جار عائلة سارة القديم، والرجل الذي كان دائمًا ما يكن لها ولأسرتها كل احترام وتقدير.
"السلام عليكم يا ابنتي سارة، مبارك عليك حضورك الطيب هذا المكان." قال الحاج محمود بصوته الهادئ. ابتسمت سارة وتقدمت نحوه. "وعليكم السلام يا عمي الحاج. كيف حالك؟ لم أرك منذ مدة." "الحمد لله، الصحة والعافية من الله. لكنني أراكِ اليوم شاردة الذهن، وكأن هموم الدنيا كلها على كتفيك." قال الحاج محمود بنبرة ودودة.
شعرت سارة بأنها تستطيع أن تتحدث مع هذا الرجل الحكيم. كان لديها إحساس بأن لديه من الخبرة ما قد يساعدها على فهم ما تعانيه. "يا عمي الحاج، قلبي يعتصر ألمًا وشكًا." نظر إليها الحاج محمود بعينيه الثاقبتين. "وما هو هذا الشك الذي يفسد عليكِ صفو حياتك؟" ترددت سارة للحظة، ثم قالت: "أحمد، الرجل الذي تقدم لي، أحترمه وأقدره، وأشعر تجاهه بشيء من المودة. لكن هناك دائمًا همس في قلبي، خوف من أن يكون هناك ما لا أعرفه. أخاف أن أمنح قلبي لرجل قد يخيب ظني."
ابتسم الحاج محمود ابتسامة خفيفة. "يا ابنتي، الشكوك هي ظل الشفافية، والحذر واجب في أمور القلوب. ولكن، ألا تذكرين كلام النبي صلى الله عليه وسلم: 'البر لا يبلى، والإثم لا ينسى، والديان لا يموت، وكيفما تدين تدان؟' إذا كان أحمد يحمل قلبًا نقيًا، ورغبة صادقة، فإن الله سيظهر لكِ حقيقته. ولكن، هل سألتي نفسكِ، لماذا تشعرين بهذا الشك؟ هل هو وليد موقف معين؟ أم هو مجرد خوف موروث؟"
تغلغلت كلمات الحاج محمود في روح سارة، كأنها إبرة رقيقة تخترق جدارًا من الغموض. "ربما هو خوف موروث يا عمي. والدي قد حذرني، ووالدتي أيضًا. وأنا أؤمن بأن الزواج رباط مقدس، وأخشى أن أكون سريعة في الحكم." "الحذر محمود، ولكن التعجيل بالشك قاتل. إذا أحسستِ بالصدق في عينيه، وبالاحترام في حديثه، وبالنقاء في جوهره، فامنحي الفرصة. الحب الحقيقي ينبع من احترام متبادل، ومن إيمان صادق، ومن رغبة في بناء حياة صالحة. ألا تذكرين قصة الصحابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الزواج، فقال له: 'يا رسول الله، أمرني أن أتزوج؟' قال: 'نعم، إذهب فتزوج.' وقال له رجل آخر: 'يا رسول الله، طلقها؟' قال: 'بل تزوج، فإن في النساء بركة.' ابحثي عن هذه البركة في قلب أحمد، ولا تخافي مما يختبئ وراء ستار الغيب، فالله خير المخططين."
ودعت سارة الحاج محمود بامتنان، وشعرت بأن عبئًا قد خف عن كاهلها. عادت إلى منزلها، وذهبت إلى غرفتها، وفتحت دفترها مرة أخرى. هذه المرة، لم تكن الكلمات باهتة. بدأت تكتب عن ياسمين يشق طريقه نحو الضوء، وعن قلب يحاول أن يزيح عنه غبار الخوف، وعن أمل يبدأ في التسلل إلى زوايا الروح.
في هذه الأثناء، كان أحمد قد انتهى من عمله. كان يشعر بالإرهاق، لكنه كان يشعر أيضًا برغبة قوية في رؤية سارة. اتصل بها، وطلب منها أن تلتقيا في مكان هادئ، بعيدًا عن ضوضاء المدينة.
"أهلًا أحمد." قالت سارة بصوتها الهادئ حين وصل. "أهلًا بكِ سارة. شكرًا لكِ على قدومكِ." قال أحمد وهو يبتسم. "ما الذي دعاك إلى طلب اللقاء بهذه السرعة؟ هل هناك أمر مهم؟" سألت سارة وهي تنظر إليه بفضول.
جلس أحمد ووجهه ينم عن جدية. "نعم يا سارة، هناك أمر مهم. يتعلق بحياتنا، وبمستقبلنا. لقد كنت أفكر كثيرًا في كلامكِ، وفي ما تطمحين إليه. وأنا أيضًا لدي أحلامي وطموحاتي. أحلامي تتضمنكِ."
كانت سارة تستمع إليه وقلبها يخفق بشدة. كانت كلمات الحاج محمود تتردد في أذنيها، وكلمات أحمد الآن تبدو وكأنها بداية لقصة جديدة، قصة تبنى على الصدق، وعلى الأمل.
"أحمد، أنا أيضًا كنت أفكر كثيرًا." قالت سارة بصوت متهدج قليلاً. "وأنا مستعدة للاستماع إلى ما لديك." "سارة، أريد أن أقول لكِ شيئًا. أنا أقدركِ جدًا، وأحترمكِ. وأشعر نحوكِ بمشاعر لا أستطيع وصفها. ولكن، هناك أمر أود أن أصارحكِ به، حتى لا يكون هناك أي شيء يخفيه الغموض بيننا. هناك بعض الأمور في حياتي، بعض الضغوط، وبعض الأعداء الذين يحاولون الوقوف في طريقي. ولكني أعدكِ، بأنني لن أسمح لأي شيء بأن يفسد علاقتنا، أو أن يبعدني عنكِ."
شعرت سارة بارتياح كبير لكلمات أحمد. كانت صراحته، وشجاعته في المواجهة، تبعث فيها الطمأنينة. "أحمد، أنا أؤمن بك. وأثق في صدقك. ولا أخاف من أي شيء طالما أننا نسير على الطريق الصحيح، طريق الحق والتقوى."
نظر أحمد إلى سارة بعينين تلتمعان بالحب والامتنان. "سارة، هل تسمحين لي بأن أتقدم لطلب يدكِ رسميًا من والدكِ؟ هل تسمحين لي بأن نبدأ في بناء هذا المستقبل معًا، يدًا بيد، وقلبًا بقلب؟"
ابتسمت سارة، ابتسامة أضاءت وجهها. "نعم يا أحمد. أسمح لك."
في تلك اللحظة، شعرت سارة بأن سماء قلبها قد انقشعت، وأن الشمس قد بدأت في الإشراق. وبينما كان أحمد ينظر إليها، رأى فيها المستقبل الذي لطالما حلم به، المرأة التي ستكون رفيقة دربه، وشريكة حياته، ونور بيته. كانت هذه بداية فصل جديد، فصل يكتبه الأمل، والحب، والصدق.