الحبيب الغائب 189

رحلة الشكوك وكشف المستور

بقلم ليلى الأحمد

مرت أيامٌ ثلاثةٌ ثقيلةٌ على ليلى، تلت إرسالها الرسالة إلى يوسف. لم يأتِ اتصالٌ منه، ولم تصل رسالةٌ أخرى. كل لحظةٍ مرت كانت كالساعة، وكل ساعةٍ كاليوم. كانت تتأمل هاتفه مراراً وتكراراً، وكأنها تتوقع أن ينبض بالحياة في أي لحظةٍ، حاملاً صوت من تحب. كانت تتذكر كلماته: "سأتصل بكِ قريباً لأشرح لكِ كل شيء." هل كان "قريباً" يعني هذه المدة الطويلة؟ أم أن الأمور ازدادت تعقيداً؟

كان القلق يتزايد في صدرها، ممزوجاً بشعورٍ بالوحدة. لقد تصدت لسعاد، وأعلنت عن ثقتها بيوسف، لكن صمته كان يلقي بظلالٍ من الشك على كل شيء. هل كانت سعاد قد نجحت في إثارة المزيد من الفتنة؟ هل كانت تلك "المسؤوليات" التي أشار إليها يوسف مجرد ستارٍ يخفي وراءه قراره الحقيقي؟

في أحد الأيام، بينما كانت ليلى جالسةً في غرفة المعيشة، تتصفح إحدى المجلات، سمعت صوت جدتها، الحاجة فاطمة، تنادي عليها. "ليلى، يا ابنتي، تعالي إلى هنا." توجهت ليلى إلى غرفة جدتها، حيث كانت الحاجة فاطمة تحتضن بين يديها صينيةً فضيةً، عليها بعض الحلويات الشرقية. "ماذا هناك يا جدتي؟" سألت ليلى، وهي تجلس بجوارها. "لقد جاءتني أخبارٌ من أختي، زوجة عم يوسف. سمعت أن يوسف قد قرر أن يتزوج من فتاةٍ من عائلةٍ أخرى." قالت الحاجة فاطمة، وعيناها تترقب ردة فعل ليلى.

تجمدت ليلى في مكانها. كانت الكلمات تقرع في أذنيها كصاعقة. هل هو مجرد تكرارٌ لما قالته سعاد؟ أم أن هناك حقيقةً مؤلمةً وراء هذه الأخبار؟ "من... من هي هذه الفتاة؟" سألت ليلى بصوتٍ بالكاد يُسمع. "لا أعرف الاسم بالتحديد. لكنها من عائلةٍ مرموقةٍ. وقد وافق جد يوسف على هذا الزواج." أجابت الحاجة فاطمة، وهي تمد ليلى بقطعةٍ من الحلوى.

ابتسمت ليلى ابتسامةً باهتةً. "هذا خبرٌ مؤسفٌ يا جدتي." لم تستطع أن تخبر جدتها بكل ما تعرفه. لم تستطع أن تشاركها قلقها العميق. لقد حاولت أن تثق بيوسف، ولكن كل معلومةٍ جديدةٍ كانت تلقي بها في دوامةٍ أعمق من الشك.

في تلك الليلة، لم تستطع ليلى النوم. كانت الأفكار تدور في رأسها كعاصفةٍ هوجاء. هل كان كل ما سمعته صحيحاً؟ هل كان يوسف قد خان وعده؟ هل كان يودعها دون أن يقول؟

في صباح اليوم التالي، قررت ليلى شيئاً. لم تعد قادرةً على الانتظار. لم تعد قادرةً على تحمل هذا الصمت المطبق. أرادت أن تعرف الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.

ذهبت إلى والدها، الحاج محمود. "أبي، أريد أن أتحدث معك في أمرٍ مهم." قالت ليلى، وقد بدا عليها الجدية. نظر إليها الحاج محمود بعينين حنونتين. "تفضلي يا ابنتي. ما الأمر؟" "لقد سمعتُ أن يوسف... قرر أن يتزوج من فتاةٍ أخرى." قالت ليلى، وهي تحاول أن تتماسك. "وأعلم أنك سمعت شيئاً. أرجوك يا أبي، قل لي الحقيقة. أنا مستعدةٌ لسماعها."

تنهد الحاج محمود بعمق. لقد كان يعلم أن هذا اليوم سيأتي. "ليلى، الأمور ليست دائماً سهلةً في الحياة. يوسف شابٌ طيبٌ، ولكنه يعيش في بيئةٍ مختلفةٍ. هناك ضغوطٌ عليه. وضغوطٌ على عائلته." "لكن... ألم يكن يحبني؟" سألت ليلى، وعيناها تترقبان إجابة الأب. "نعم يا ابنتي. كان يحبكِ. ولكن الحب وحده قد لا يكفي دائماً. هناك ما يسمى بالمصالح، وبالعادات، وبالتقاليد. وفي بعض الأحيان، قد يضطر الإنسان لاتخاذ قراراتٍ صعبةٍ، لا يرضى بها قلبه، لكنها ضروريةٌ لكي يرضي من حوله، ولكي يحافظ على استقرار عائلته." "يعني... هل تزوج؟" سألت ليلى، وقد ارتجفت شفتاها. "لا لم يتزوج بعد. ولكن الخطوبة قد تمت. وهذا ما سمعتُه." أجاب الحاج محمود بصراحة. "ولكن، هناك أمرٌ آخر. سمعتُ أيضاً أن هذه الفتاة... ليست من عائلتهم. وأنهم اختاروها لأنه يريد أن يرضي جده، ولكن ليس عن حب. وأن الأمر مجرد ترتيباتٍ."

شعرت ليلى وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتها. تزوج؟ خطب؟ الأمر كان معقداً أكثر مما ظنت. لكن كلمات والدها الأخيرة، "مجرد ترتيباتٍ"، أعادت إليها بصيصاً من الأمل. "ولكن يا أبي، لماذا لم يتواصل معي؟ لماذا لم يشرح لي؟" سألت ليلى، وعيناها تفيضان بالدموع. "ربما كان خائفاً، يا ابنتي. خائفاً من ردة فعلكِ، وخائفاً من إيذائكِ. وربما كان يعتقد أن إخباركِ بالأمر بهذه الطريقة، سيكون أسهل عليه." "أسهل عليه؟ ولكنه لم يفكر بي؟ لم يفكر بقلبي؟" قالت ليلى، وقد بدأت نبرتها تتعالى.

"يا ابنتي، إنها أمورٌ صعبةٌ. ولا يمكننا أن نحكم على يوسف من الخارج فقط. علينا أن ندرك أن هناك جوانبَ لا نعرفها." قال الحاج محمود، وهو يمسح دموع ابنته. "ولكن، ما أؤمن به، هو أن الرجل الصادق، وإن اضطر لاتخاذ قرارٍ صعب، فسيبذل قصارى جهده ليعوض ما فقده، وليصلح ما أفسده. عليكِ الآن أن تقرري، هل ستسمحين لهذه الظروف بأن تهزمكِ، أم ستثقين بالحب الذي كان بينكما، وستمنحينه فرصةً ليشرح لكِ؟"

نظرت ليلى إلى والدها، وشعرت بمدى حكمته. لقد منحها الحقيقة، ولكنه منحها أيضاً فرصةً لاتخاذ قرارها. هل ستستسلم لليأس، أم ستتمسك بخيط الأمل الرفيع؟

في تلك اللحظة، شعرت ليلى بأنها يجب أن ترى يوسف. يجب أن تسمع منه مباشرةً. كانت مستعدةً لسماع أي شيء، ولكنها أرادت أن تسمعه منه هو.

"أبي، أريد أن أسافر. أريد أن أذهب إلى حيث هو. أريد أن أتحدث معه." قالت ليلى، وقد تجدد الأمل في عينيها. نظر إليها الحاج محمود بتعجب. "تسافرين؟ إلى أين؟" "إلى تلك البلاد التي هو فيها. سأذهب وأبحث عنه. وسأفهم كل شيء." "لكن كيف؟ ومن سيرافقكِ؟" سأل الحاج محمود بقلق. "أحمد. سأطلب من أحمد أن يرافقني. هو الوحيد الذي أثق به. وسأفهم كل شيء. أنا متأكدةٌ أن الأمر مجرد سوء فهم."

شعر الحاج محمود بأن ابنته قد اتخذت قراراً مصيرياً. لقد رأى فيها العزيمة والقوة. "حسناً يا ابنتي. إذا كان هذا هو قراركِ، فسوف أساعدكِ. سأتحدث مع أحمد. ولكن عليكي أن تكوني قويةً. وأن تثقي بنفسكِ، وبقلبكِ."

في تلك الليلة، بدأت ليلى في التحضير لرحلتها. كانت مشاعرها تتأرجح بين الخوف والأمل. لقد عرفت الحقيقة، أو جزءاً منها. كانت تعلم أن هناك صعوباتٍ تنتظرها. ولكنها كانت مستعدةً لمواجهتها. لقد قررت أن تخوض هذه الرحلة، ليس بدافع اليأس، بل بدافع الحب، والعزيمة، والأمل في كشف المستور، وإعادة بناء ما تهدم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%