الحبيب الغائب 189
في رحاب الغربة ولقاء الشك
بقلم ليلى الأحمد
كانت الحقيبة الصغيرة ملقاةً على السرير، تكتظ ببعض الملابس الضرورية، وكأنها تحمل كل أحلام ليلى وآمالها. لم تكن رحلةً عاديةً، بل كانت رحلةً نحو المجهول، نحو البحث عن الحقيقة، نحو استعادة قلبٍ شعرت أنه قد ضاع منها. أحمد، شقيقها الأكبر، قد وافق على مضضٍ، بعد إلحاحٍ شديدٍ من ليلى، ومن والدهما. كان قلقاً على أخته، لكنه كان يعلم أيضاً أن صمتها كان أشد إيلاماً من أي سفر.
"أرجوكِ يا ليلى، كوني حذرةً." قال أحمد وهو يقف بجوارها في المطار، وقد بدت ملامحه متعبةً من قلة النوم. "سأكون كذلك يا أخي. أعدك." قالت ليلى، وهي تشعر ببعض الارتباك. "وإذا شعرتِ بأي خطر، أو أن الأمور تزداد سوءاً، اتصلي بي فوراً. سآتي لأخذكِ مهما كان الثمن." "شكراً لك يا أحمد. أنتَ أفضل أخٍ في الدنيا." قالت ليلى، وهي تحتضنه بقوة.
حلقت الطائرة في سماءٍ زرقاءٍ صافية، حاملةً ليلى نحو بلادٍ غريبة. كانت تجلس بجوار النافذة، تتأمل السحب البيضاء التي تتناثر كقطع القطن. كانت كل سحابةٍ تحمل صورةً من ذكرياتها مع يوسف. ضحكاته، حديثه، نظراته. هل كانت كل تلك اللحظات مجرد سراب؟
بعد ساعاتٍ طويلةٍ من السفر، هبطت الطائرة في مطارٍ مزدحمٍ، تفوح منه رائحةٌ غريبةٌ، تختلف عن روائح بلدها. كانت لغة الناس مختلفة، والأصوات مختلفة. شعرت ليلى بأنها أصبحت غريبةً في عالمٍ لم تعهده.
"أحمد، أنا هنا." قالت ليلى فور أن وصلت إلى فندقٍ صغيرٍ قد حجزه لها أحمد. "الحمد لله على سلامتكِ. كيف كانت الرحلة؟" سأل أحمد بصوتٍ قلق. "كانت طويلةً. ولكنني بخير. الآن، أريد أن أبدأ البحث." قالت ليلى، وقد استجمعت كل قواها. "حسناً. أعطني العنوان الذي تعرفينه ليوسف. سنبدأ من هناك."
كان العنوان الذي لدى ليلى هو عنوان الشركة التي يعمل بها يوسف. كان عليها أن تبدأ من هناك. في اليوم التالي، انطلقت ليلى وأحمد نحو الشركة. كانت مبنىً ضخماً، زجاجياً، يرتفع عالياً في السماء. شعرت ليلى بالرهبة. هل ستتمكن من الدخول؟ هل سيسمحون لها برؤيته؟
بعد بعض الإجراءات، تمكنت ليلى من الدخول، بصحبة أحمد. في بهو الشركة الواسع، سألت عن يوسف. "اسم يوسف... من فضلك." قالت ليلى لموظفة الاستقبال. نظرت إليها الموظفة بعينين فضوليتين. "هل لديكِ موعد؟" "لا، ليس لدي موعد. ولكن الأمر مهمٌ جداً." أجابت ليلى.
بعد دقائقٍ من الانتظار، جاءتها إجابة. "يوسف بك غير موجودٍ في المكتب حالياً. لديه اجتماعٌ خارج الشركة." شعرت ليلى بخيبة أملٍ كبيرة. هل فاتتها فرصةٌ أخرى؟
"متى سيعود؟" سألت ليلى. "لا أعرف بالضبط. ربما في وقتٍ متأخرٍ من المساء." أجابت الموظفة.
خرجت ليلى وأحمد من الشركة، وهما يشعران بالإحباط. "ماذا سنفعل الآن؟" سأل أحمد. "لا أعرف. ربما نعود إلى الفندق، وننتظر. أو ربما... ربما نسأل عن عنوانه الشخصي." "هذا قد يكون صعباً يا ليلى. لا أعتقد أننا سنتمكن من الحصول عليه بسهولة." "سنحاول يا أحمد. يجب أن نحاول."
وبالفعل، بدأ أحمد في البحث عن معلوماتٍ حول يوسف. من خلال بعض معارفه، تمكن من الحصول على عنوان منزل يوسف. كان عنواناً في حيٍ راقٍ، بعيداً عن الشركة.
في المساء، قررت ليلى أن تذهب إلى منزل يوسف. كان قلبها يرتجف. ماذا ستجد هناك؟ هل سيقابلها؟ هل سيفهم؟ وقفت أمام باب المنزل الكبير، وقد بدا عليها الارتباك. "هل أنتِ مستعدة؟" سأل أحمد. "لستُ متأكدةً. ولكن عليّ أن أفعل هذا." أجابت ليلى.
دقّت ليلى الباب. انتظروا لدقائق. ثم فُتح الباب. كان يوسف. عندما رأى يوسف ليلى، تجمد في مكانه. لم يتوقع أبداً أن يراها هنا. كانت ملامحه تحمل خليطاً من الدهشة، والفرح، والقلق. "ليلى؟" قال يوسف بصوتٍ خافتٍ، وكأنه لا يصدق عينيه. "يوسف." أجابت ليلى، وعيناها تترقرق بالدموع.
صمتٌ طويلٌ ساد بينهما. كانت النظرات تتحدث. كانت لغة القلوب تتواصل. "ماذا تفعلين هنا؟" سأل يوسف أخيراً، وقد استجمع رباطة جأشه. "أتيتُ لأراك. لأسمع منك. لأفهم." قالت ليلى، وقد بدأت تشعر بالضعف. "ادخلا. تفضلا بالدخول." قال يوسف،