الحبيب الغائب 189

همسات الماضي ونبض الحاضر

بقلم ليلى الأحمد

استمرت أيام ليلى في دوامة من المشاعر المتضاربة. فكرة زواجها من غسان، الشاب ذي القلب النقي والروح الطيبة، بدأت تتشكل في ذهنها كمنارة أمل في بحر من القلق. والدتها، السيدة فاطمة، كانت ترى في غسان الشريك المثالي لابنتها، فهو من عائلة كريمة، ذو خلق رفيع، وملتزم بدينه. كانت تراه امتداداً لعادات وتقاليد عائلتهم الأصيلة، وذلك ما يشغل بالها كثيراً بعد رحيل زوجها المبكر.

في تلك الأيام، كان بيت أبيها يعج بالنشاط. عمها، السيد أحمد، رجل الأعمال الناجح، كان يبذل قصارى جهده ليُشعر ليلى بالأمان والطمأنينة، متفقداً أحوالها بين الحين والآخر، ومُطمئنها بأن كل شيء سيكون على ما يرام. لكن قلقها لم يكن منصباً فقط على المستقبل الزوجي، بل امتد ليشمل أختها الصغرى، سلمى. سلمى، الفتاة الرقيقة ذات الخمسة عشر عاماً، كانت تعيش مرحلة حساسة، وبدأت تتغير تصرفاتها بشكل ملحوظ، مما أثار قلق ليلى. كانت سلمى تقضي ساعات طويلة في غرفتها، تنغمس في عالمها الخاص، وعلامات الحزن والخجل تلوح على وجهها.

في أحد الأيام، قررت ليلى أن تتحدث مع أختها. دخلت غرفتها الهادئة، حيث كانت تجلس سلمى بجوار النافذة، تحدق في الأفق بنظرة شاردة. "سلمى حبيبتي، ما بك؟" سألتها ليلى بحنان، وجلست بجوارها. رفعت سلمى رأسها، وعيناها تلمعان بدموع لم تُغادرها. "لا شيء يا ليلى، أنا بخير." "لا، لستِ بخير. أرى الحزن في عينيكِ، وأرى التغيير فيكِ. تحدثي معي، أنا أختكِ، وأنا هنا لأسمعكِ."

بعد تردد طويل، وبصوت خافت بالكاد يُسمع، بدأت سلمى بالكشف عن ما في صدرها. "لقد... لقد بدأت أتعلق بشخص يا ليلى. شاب أعرفه من المدرسة. كان يتعمد لقائي، والحديث معي. في البداية، اعتقدت أن الأمر مجرد صداقة، لكنني... لكنني أحسست بشيء أكبر." شعرت ليلى بوخزة خفيفة في قلبها. كانت تعلم خطورة هذه المشاعر في هذه المرحلة العمرية، خاصة في مجتمع يحفظ العلاقات ويصونها. "ومن هو هذا الشاب يا سلمى؟ هل تحدثتِ مع والدتكِ؟" هزت سلمى رأسها بالنفي. "لا، أخاف أن تغضب مني. هو... هو من عائلة مرموقة، لكنني لا أعرف الكثير عنه. كل ما أعرفه هو أنني أشعر بسعادة غريبة حين أراه، وحزن عميق حين يبتعد."

احتضنت ليلى أختها بقوة. "لا تخافي يا حبيبتي. أنا معكِ. ما تشعرين به هو أمر طبيعي في هذه المرحلة، لكن يجب علينا التعامل معه بحكمة. هل تحدثتِ معه في أمر جاد؟ هل أبدى لكِ رغبة في الارتباط بكِ رسمياً؟" ترددت سلمى. "لقد... تبادلنا بعض الرسائل، وكان يتحدث عن المستقبل، وعن رغبته في الارتباط بي، لكن... لم يأتِ الأمر أبداً على شكل حديث جاد مع أهلي."

فهمت ليلى الموقف. لم يكن الأمر مجرد إعجاب عابر، بل كانت هناك بداية لعلاقة غير شرعية، قد تجلب المشاكل لعائلتهم. "سلمى، اسمعيني جيداً. هذه الأمور يجب أن تتم في إطارها الصحيح. إذا كان يرغب بكِ حقاً، فعليه أن يأتي إلى بيت أهلنا، ويطلب يدكِ رسمياً. أي شيء آخر هو مجرد ضياع للوقت، وقد يؤذيكِ." "لكن... كيف؟" سألت سلمى بقلق. "سأحدث والدتي. سنفكر معاً في خطة. المهم الآن أن تقطعي أي تواصل غير رسمي معه. ركزي على دراستكِ، وعلى نفسكِ. هذه مرحلة مؤقتة، وما هو مقدّر لكِ سيأتيكِ من الباب."

بعد حديثها مع سلمى، شعرت ليلى بثقل جديد. بالإضافة إلى هموم زواجها، أصبحت مسؤولة عن مستقبل أختها. عادت إلى غرفتها، وجلست على طرف السرير، تفكر في كلمات والدتها عن غسان. كانت تحترمه وتقدره، لكن قلبها لم يكن يصفق له. كانت تشعر بنوع من الواجب تجاهه، ربما بسبب لطفه، أو بسبب رغبة والدتها، أو بسبب النصائح التي أسداها لها عمها أحمد بخصوص الاستقرار.

في هذه الأثناء، كان غسان يمر بتحديات خاصة به. كان يعمل بجد في شركته الناشئة، ويواجه منافسة شرسة. كان يرى في ليلى الملهمة، والسند الذي يحتاجه في حياته. كان يحلم بزواج مستقر، يقوم على المودة والرحمة، وعلى أسس سليمة. لكنه كان يشعر أيضاً بقلق خفي. كانت ليلى تبدو مترددة، وكان يخشى أن يكون سبباً في ضغط عليها، أو أن تكون مشاعره تجاهه مجرد امتنان.

في إحدى الأمسيات، قرر غسان أن يزور بيت ليلى. لم يكن الأمر مجرد زيارة رومانسية، بل كانت زيارة يحمل فيها رغبة في تعزيز العلاقة، والحديث مع السيد أحمد بخصوص المستقبل. استقبله السيد أحمد بترحاب، فقد كان يثق فيه ويعتبره ابناً له. جلسا في الصالة، يتحدثان في شؤون الحياة.

"غسان يا بني، أرى في عينيكَ خيراً، وأرى فيك الطموح. وأنا سعيد جداً لأن ليلى وجدت شاباً مثلكَ." قال السيد أحمد، وهو يحتسي الشاي. "بارك الله فيك يا عمي. سعادتي برضاكم، ورضا ليلى هو غايتي." رد غسان بصدق. "كنت أود أن أتحدث مع حضرتك بخصوص... مستقبل ليلى."

ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه السيد أحمد. "أعلم ما في قلبك، وغسان، لا تقلق. أنا أثق فيك. وليلى، على الرغم من صغر سنها، إلا أنها فتاة ناضجة. لكنني أشعر أن هناك شيئاً يشغل بالها. ربما هو الضغط الذي مرت به مؤخراً." "أتمنى أن أكون سبباً في راحتها، وليس في زيادة قلقها." قال غسان بصوت خفيض. "أنا أحترم مشاعرها، ولن أضغط عليها أبداً. لكنني أود أن أتأكد من أن هذه العلاقة تسير في الطريق الصحيح."

تحدث السيد أحمد عن رغبته في رؤية ليلى مستقرة وسعيدة. "الحياة يا غسان لا تخلو من التحديات. وليلى، بالرغم من قوتها، إلا أنها تحتاج إلى سند. أنا أرى فيك هذا السند." غادر غسان البيت وقلبه بين الرجاء والخوف. كان يشعر أن هناك طريقاً أمامه، لكنه كان مليئاً بالعقبات غير المتوقعة. وفى هذه الليلة، وبينما كانت ليلى تنظر إلى النجوم من نافذة غرفتها، شعرت بعناق الهدوء يلفها. ربما كانت الأمور بدأت تتضح، وربما كانت الحقيقة تفرض نفسها، حتى لو كانت قاسية. لكنها كانت تعلم شيئاً واحداً: مهما حدث، ستظل قوية، وسوف تجد الطريق الصحيح.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%