الفصل 1 / 25

قلب طاهر 191

همس الريح بين سدرة المنتهى

بقلم مريم الحسن

كانت ليلةً تسربل فيها الظلام خيوطَ نورٍ خجولةٍ من قمرٍ متردد، يتوارى خلف غيومٍ عابرةٍ كنفسٍ ثائرة. وقفَتْ "طاهرة" على شرفةِ بيتِها القديم، تتأملُ الشارعَ الذي ألفتهُ روحُها، والذي احتضنَ طفولتها وصباها. كانتْ نسماتُ الهواءِ تحملُ معها عطرَ الياسمينِ المخلوطَ برائحةِ الترابِ النديّ، لتداعبَ خصلاتِ شعرِها الداكنِ الذي انسدلَ على كتفَيها. في يدِها، كانتْ تمسكُ برسالةٍ عتيقة، حوافُّها متهالكةٌ، وكلماتُها تخبئُ قصةً ماضية، قصةً بدأتْ بفرحٍ عظيم، وانتهتْ بشيءٍ من الأسى، لم تفهمْه طاهرةُ تمامًا، لكنها كانتْ تشعرُ بثقلِهِ على صدرِها كلما قرأتْها.

"بسم الله الرحمن الرحيم، ابنتي الغالية طاهرة،

لقد حانَ الميعاد. أرسلتُ لكِ هذا الخطابَ وأنا على فراشِ الوهن، أستعدُّ للقاءِ ربي. أتمنى أن تجدي فيهِ العزاءَ والجوابَ لما في قلبِكِ من تساؤلات. تذكرِي دائمًا أنَّ الخيرَ في ما اختارهُ الله، وأنَّ الصبرَ مفتاحُ الفرج. لا تفقدي أملَكِ، يا زهرةَ روحي.

والدُكِ المحبُّ،

[اسم الأب]"

كانتْ عينا طاهرةَ تتسعانِ كلما أعادتْ قراءةَ السطور، تستشعرُ وقعَ كلِّ كلمةٍ، وكأنها قطعةٌ من روحِ والدِها الراحل. والدُها، ذلكَ الرجلُ الكريمُ الذي زرعَ في قلبِها حبَّ الخيرِ والصدقِ والأمانة. كانَ قد رحلَ منذُ سنوات، تاركًا خلفهُ فراغًا لا يملؤه شيء، لكنَّ هذهِ الرسالةَ، التي وجدتها بينَ أوراقِهِ القديمةِ بعدَ وفاةِ والدتِها بفترةٍ قصيرة، كانتْ بمثابةِ خيطٍ رفيعٍ يربطُها بماضٍ غامضٍ، وبأسرارٍ لم تُكشفْ بعد.

كانتْ في السادسةِ والعشرينَ من عمرِها، شابةٌ جميلةٌ، تتمتعُ بذكاءٍ حادٍّ ونقاءٍ يلفُّ قلبَها. تخرجتْ من كليةِ الآدابِ قسمِ اللغةِ العربية، وتعملُ حاليًا مدرسةً في إحدى المدارسِ الابتدائية، تحبُّ الأطفالَ وعفويتهم، وتجدُ في تعليمهم رسالةً سامية. لكنَّ حياتَها، رغمَ هدوئها الظاهري، كانتْ تخبئُ في طياتِها شوقًا دفينًا، شوقًا لشيءٍ غائب، لشيءٍ لم تعرفْه بعد، لكنها كانتْ تتلمسُ وجودَهُ في أحلامِها، في تنهيداتِ ليلِها.

"طاهرة! يا ابنتي، أينَ أنتِ؟"

صوتُ والدتِها، الحاجةَ "أمينة"، اخترقَ صمتَ الليلِ الهادئ. هرعتْ طاهرةُ نحو مصدرِ الصوت، أخفتْ الرسالةَ في جيبِ فستانِها، وابتسمتْ ابتسامةً سريعةً وهي ترى والدتَها تقفُ عندَ بابِ الغرفة، تحملُ صينيةً عليها كوبٌ من الشايِ الساخن.

"كنتُ أتنسمُ الهواءَ يا أمي. الليلُ جميلٌ الليلة." أجابتْ طاهرةُ، وهي تتقدمُ لتأخذَ الصينيةَ من يدِ والدتِها.

"الجميلُ هو أنتِ يا ابنتي. لكنَّ عيناكِ تحملانِ شيئًا من القلق. هلْ هناكَ ما يزعجُكِ؟" قالتْ أمينةُ، وعيناها الثاقبتانِ لا تخطئانِ أدنى تغييرٍ في ملامحِ ابنتِها. كانتْ أمينةُ امرأةً صالحةً، قويةً، تحملُ في قلبِها حكمةَ السنينِ ونقاءَ الروح. فقدتْ زوجَها مبكرًا، لكنها رفعتْ رأسَ ابنتِها، وعلمتها معنى الصبرِ والإيمان.

جلستْ طاهرةُ بجوارِ والدتِها على أريكةٍ قديمةٍ في الصالة، وزوّدتْها بالشاي. "لا شيءَ يا أمي. مجردُ ذكرياتٍ مرتْ بخاطري."

"ذكرياتُ والدِكِ؟" سألتْ أمينةُ، ونبرتُها تحملُ دفءَ الأمومةِ وحنانَها.

هزتْ طاهرةُ رأسَها بالموافقة، وقالتْ بصوتٍ خافت: "شعرتُ برغبةٍ في قراءةِ بعضِ أوراقه. وجدتُ رسالةً قديمةً كانَ قد كتبها لي."

ارتسمتْ علامةُ تفكيرٍ على وجهِ أمينة. "الله يرحمُه. كانَ يحبُّكِ حبًا جمًا. لكنَّ المستقبلَ هو ما يجبُ أن نفكرَ فيهِ يا طاهرة. متى ستفكرينَ في أمرِ زواجِكِ؟ لقدْ بلغتِ سنًّا، وكثيرٌ من بناتِ جيلِكِ قدْ أسسْنَ بيوتهنَّ."

تنهدتْ طاهرةُ بصوتٍ مسموع. لطالما كانتْ هذهِ النقطةُ محلَّ نقاشٍ بينها وبينَ والدتِها. كانتْ طاهرةُ لا ترى العجلةَ في أمرِ الزواج، كانتْ تؤمنُ بأنَّ الزواجَ قسمةٌ ونصيب، وأنَّ الارتباطَ يجبُ أن يكونَ عن قناعةٍ وحبٍّ حقيقي، لا عن مجردِ رغبةٍ في التخلصِ من لقبِ "عانس".

"أمي، أنتِ تعرفينَ موقفي. لا أريدُ أن أتزوجَ لمجردِ الزواج. أريدُ أن أجدَ الرجلَ الذي يفهمني، الذي أرى فيهِ شريكَ حياتي، الذي يتقي اللهَ فيّ."

"وهلْ تريدينَ معجزةً؟" قالتْ أمينةُ بابتسامةٍ حانية. "كلُّ رجلٍ لهُ عيوبُه، وطاهرة. المهمُّ هو أنْ يكونَ صالحًا، ذا خلقٍ ودين، وإنْ وجدَ الحبُّ بعدَ ذلكَ، فهو خيرٌ وبركة."

"لكنِّي أشعرُ يا أمي بأنَّ هناكَ شيئًا ناقصًا في حياتي. شيءٌ أعرفه، لكنني لا أستطيعُ وصفه. كأنَّ هناكَ قطعةً مفقودةً من قلبي."

نظرتْ أمينةُ إلى ابنتِها، وشعرتْ بصدقِ كلماتها. كانتْ تعرفُ أنَّ ابنتَها ليستْ كغيرِها. كانتْ تحملُ روحًا شفافةً، وقلبًا يبحثُ عن الكمال. "ربما يا ابنتي. ربما اللهُ قدْ أعدَّ لكِ شيئًا أجملَ مما تتصورين. لكنْ، هلْ هناكَ أحدٌ في حياتِكِ يثيرُ اهتمامَكِ؟ هناكَ الشابُّ "أحمد"، ابنُ عمِّ والدِكِ، رأيتهُ مؤخرًا، يبدو شابًا واعدًا، ووالدُه منَ الرجالِ الصالحين."

فكرتْ طاهرةُ في "أحمد". كانتْ قدْ رأتهُ في مناسباتٍ قليلة، كانَ رجلًا مهذَّبًا، يتحدثُ بلباقة، لكنها لم تشعرْ نحوهُ بأيِّ انجذابٍ خاص. "أحمدٌ رجلٌ طيبٌ يا أمي، لكنني لم أشعرْ بشيءٍ نحوه."

"ليسَ كلُّ حبٍّ يبدأُ بمشاعِرَ جياشةٍ يا ابنتي. أحيانًا، يبدأُ بالتفاهمِ والاحترام. اللهُ غالبٌ على أمرهِ."

بعدَ قليل، اعتذرتْ طاهرةُ عنْ مواصلةِ الحديث، وبادرتْ إلى غرفتها. أغلقتْ البابَ خلفها، وأخرجتْ الرسالةَ مرةً أخرى. جلستْ على سريرِها، وأضاءتْ مصباحَ الطاولةِ الصغيرة. قرأتْ الرسالةَ للمرةِ الألف، ثمَّ فتحتْ إحدى أوراقِ والدِها، ورقةً تبدو مختلفةً عنْ بقيتها، مكتوبةً بخطٍّ آخر، وبأسلوبٍ فيهِ شيءٌ من الحماسِ والتشويق.

"إلى ابنتي الغالية طاهرة،

إذا قرأتِ هذهِ السطور، فاعلمي أنَّ ما أقدمُ عليهِ هوَ لحلِّ مشكلةٍ قديمةٍ، مشكلةٍ تتعلقُ بمستقبلِ أسرتِنا. هناكَ صندوقٌ صغيرٌ، خبأتُهُ في مكانٍ لنْ يبحثَ عنهُ أحد. مفتاحُهُ معكِ، في قلادتِكِ التي أعطيتُكِ إياها في عيدِ ميلادِكِ الثامن. داخلَ الصندوقِ ستجدينَ ما يفتحُ لكِ أبوابَ الفهم، وما يمهدُ لكِ الطريقَ لما هوَ آتٍ. لا تخافي، فإنَّ اللهَ معنا.

والدُكِ."

تذكرتْ طاهرةُ قلادتَها، قلادةً فضيةً صغيرةً على شكلِ نجمةٍ، ورثتها عنْ جدتِها. لم تكنْ تعلمْ أنَّ لها مفتاحًا. وضعتْ القلادةَ على يدِها، وبدأتْ تتفحصُها بعناية. وبعدَ دقائقَ من البحثِ الدقيق، وجدتْ فتحةً صغيرةً بالكادِ تُرى، تخبئُ مفتاحًا صغيرًا جدًا.

ارتعشَتْ يداها وهيَ تمسكُ بالمفتاح. أينَ هذا الصندوق؟ أينَ خبأهُ والدُها؟ لم يكنْ لديهِ في حياتهِ إلا القليلُ من المقتنياتِ الثمينة. هلْ هوَ صندوقٌ حقيقيٌّ أمْ مجردُ رمز؟

نظرتْ حولَ غرفتها، ثمَّ نزلتْ إلى الغرفةِ التي كانَ ينامُ فيها والدُها. بدأتْ تتفحصُ الأثاثَ القديم، الخزانةَ الكبيرةَ التي تفوحُ منها رائحةُ الذكريات، المكتبَ الخشبيَّ الذي كانَ يعلمُ عليهِ. بعدَ فترةٍ من البحثِ المضني، لاحظتْ وجودَ قطعةٍ خشبيةٍ بارزةٍ بشكلٍ غريبٍ في أسفلِ المكتب. جربتْ المفتاحَ الصغير، وما هيَ إلا لحظاتٌ حتى انفتحَ بابٌ سريٌّ صغيرٌ خلفَ تلكَ القطعة.

انتابَها شعورٌ بالرهبةِ والفضولِ. ما الذي سيجدُهُ داخلَ هذا الصندوق؟ فتحتْ البابَ ببطء، وجدتْ صندوقًا خشبيًا صغيرًا، مزخرفًا بزخارفَ عربيةٍ قديمة. فتحتْهُ بالمفتاح، فوجدتْ بداخلهِ بضعَ رسائلَ أخرى، وصورةً قديمةً بالأبيضِ والأسود.

الصورةُ كانتْ لوالدِها وهوَ شابٌ، يقفُ بجانبِ رجلٍ لا تعرفه، وامرأةٌ جميلةٌ ترتدي ثيابًا تقليدية. وعلى ظهرِ الصورة، كُتبَ بخطٍّ جميل: "ذكرى لقاءٍ مشؤومٍ في عامِ 191."

ماذا يعني هذا؟ مشؤوم؟ 191؟ لم تفهمْ شيئًا. بدأتْ تقرأُ الرسائلَ، لكنها كانتْ كلها باللغةِ العربيةِ القديمة، ومليئةً بمصطلحاتٍ لم تعتدْ عليها. تنهدتْ طاهرةُ. يبدو أنَّ هذا الصندوقَ سيفتحُ لها أبوابَ عالمٍ لم تكنْ تعرفُ بوجوده. عالمٌ مليءٌ بالألغازِ والذكريات.

نظرتْ إلى القمرِ مرةً أخرى، وبدتْ لها الغيومُ وكأنها ستارٌ يحاولُ أنْ يخفيَ أسرارًا عتيقة. شعرتْ بأنَّ حياةَ والدِها لم تكنْ كما ظنتْ. وأنَّ هذهِ الرسالةَ، وهذهِ الصورةَ، وهذِهِ الأوراقَ، هيَ مجردُ بداية. بدايةٌ لرحلةٍ ستغيرُ حياتَها، رحلةٌ اسمها "قلبٌ طاهرٌ 191".

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%