قلب طاهر 191
أسرار تتكشف وأشباح الماضي
بقلم مريم الحسن
كانت نسمة باردة تداعب وجه ريم وهي واقفة على شرفة فيلتها الواسعة، ترقب نجوم السماء التي بدت وكأنها تحمل معها أسراراً دفينة. كانت تلك الليلة مختلفة، فقد استقر بداخلها شعور غريب، مزيج من القلق والترقب، كأن هناك ما هو قادم ليغير مسار حياتها الهادئة. منذ لقائها بيوسف، لم تعد حياتها كما كانت. كل كلمة منه، كل نظرة، كانت تترك أثراً عميقاً في قلبها، وكان هذا الأثر يتنامى مع كل يوم يمر.
تذكرت حديثها مع والدتها قبل قليل. والدتها، أمينة، كانت امرأة صالحة، ذات قلب طيب، ورغم إعجابها بيوسف، إلا أنها كانت تحمل في طياتها مخاوف لم تفصح عنها بالكامل. "يا ابنتي، الحب شيء جميل، ولكنه قد يكون أيضاً طريقاً مليئاً بالعثرات. تذكري دائماً من أنتِ، ومن أين أتيتِ. الجذور الراسخة هي ما تبقينا واقفين في وجه الرياح العاتية." كانت كلمات والدتها تدوي في أذنها، كأنها تحذير مبطن.
في تلك الأثناء، كان يوسف يقود سيارته الفارهة عبر شوارع المدينة المضاءة. كان ذهنه مشغولاً بملف قديم، ملف يتعلق بماضيه، بماضٍ حاول جاهداً أن ينساه، ولكن يبدو أن الزمن قد اختار أن يعيد فتح أبوابه. لقد تلقى اتصالاً مجهولاً قبل يومين، صوت غريب هدده بكشف أسرار دفنها بعمق. لم يكن يعرف من هو المتصل، أو ما الذي يريده بالضبط، ولكنه شعر بخطر حقيقي يحدق به، خطر قد يهدد كل ما بناه، وربما يهدد مستقبله مع ريم.
وقف السيارة أمام مبنى سكني قديم في حي شعبي. كانت رائحة الياسمين تمتزج مع روائح الطعام المنبعثة من المطاعم الصغيرة. نزل من السيارة ودخل المبنى. صعد الدرج الخشبي القديم، الذي كان يصدر صريراً مع كل خطوة. وصل إلى الطابق الثالث، أمام باب خشبي باهت. طرق الباب بتردد.
فتح الباب رجل مسن، وجهه تعلوه التجاعيد، وعيناه تحملان نظرة حكمة وقسوة في آن واحد. كان الحاج إبراهيم، والد ريم الأول، الرجل الذي تخلت عنه والدة ريم قبل سنوات طويلة، والرجل الذي لم ترَ ريم وجهه قط. "تفضل يا بني،" قال الحاج إبراهيم بصوت أجش.
دخل يوسف، وجلس على أريكة بالية في غرفة متواضعة. كان المكان بسيطاً، ولكنه يحمل عبق الماضي. "جئت لأتحدث معك يا عمي," بدأ يوسف. "بخصوص ريم." نظر الحاج إبراهيم إليه بعينين ثاقبتين. "وماذا تريد مني بخصوصها؟ هي ابنتي، ولكن لا أعرف عنها شيئاً منذ زمن." "أنا أحبها يا عمي. وأريد أن أتقدم لخطبتها بشكل رسمي. ولكن هناك أمر يخص ماضيكم، أمر قد يؤثر على قراركم."
تجهم وجه الحاج إبراهيم. "ماذا تعرف عن ماضينا؟" "علمت أن هناك بعض الخلافات القديمة، بعض الحقوق التي لم تُسدد." تنهد الحاج إبراهيم. "الأمور أعقد مما تظن يا بني. عندما تركت أم ريم ابنتها وهربت، تركت معها ديوناً، ليس فقط ديوناً مالية، بل ديوناً على سمعتها. أنا لم أطلب منها شيئاً، ولكن المجتمع لم يرحم. لقد عانيت كثيراً، وعانت ريم معي."
كانت كلمات الحاج إبراهيم أشبه بصفعة على وجه يوسف. لم يكن يعلم بكل هذه التفاصيل. كان يعلم أن والدة ريم قد تركتها، ولكن لم يكن يعرف مدى المعاناة التي مرت بها. "هل تقصد أن هناك من يستغل هذا الماضي؟" سأل يوسف بقلق. "هناك أشباح يا بني، أشباح الماضي لا تموت بسهولة. ولكن الأهم من ذلك، هو أن أختك، سلوى، جاءتني بالأمس. قالت إنها تريد معرفة الحقيقة. إنها تريد العودة إلى حياتها."
تجمد الدم في عروق يوسف. سلوى؟ أخته؟ لم يرها منذ سنوات، منذ خلاف كبير بينهما. كانت سلوى دائماً تمثل الجانب المظلم في حياته، الجانب الذي يحاول تجنب مواجهته. "سلوى؟" كرر بصوت مرتجف. "ماذا تريد؟" "لا أعرف تماماً. ولكنها كانت تسأل عنك، وتسأل عن ريم. يبدو أن لديها خططاً."
خرج يوسف من منزل الحاج إبراهيم وشعور ثقيل يخيم على صدره. لم يعد القلق مجرد شعور عابر، بل أصبح حقيقة ملموسة. هل يمكن أن يكون هذا الاتصال المجهول مرتبطاً بسلوى؟ هل يمكن أن تكون هي من تهدده؟ لم يكن يصدق ذلك، ولكن ما قاله الحاج إبراهيم عن خطط سلوى كان كافياً لإثارة شكوكه.
في غرفته، كانت ريم تتصفح صوراً قديمة على هاتفها. صورة لها وهي طفلة صغيرة مع والدتها. كانت تتذكر ملامح والدتها الباهتة، صوتها الهادئ، ولكنها لم تستطع ربط كل ذلك بالواقع. كانت والدتها قد تركتها، وبقيت مع جدها، الحاج إبراهيم، الذي لم تعرفه جيداً. ولكن مؤخراً، بدأت في زيارته، وبدأت في فهم بعض الأمور.
كانت تعلم أن هناك بعض الصعوبات في ماضي أسرتها، ولكنها لم تعلم بتفاصيلها. عندما التقت بيوسف، شعرت كأنها وجدت ضالتها، وجدت الأمان الذي كانت تبحث عنه. كانت تتمنى أن يكون زواجها منه بداية لحياة جديدة، حياة خالية من الأسرار والأحزان.
نظرت إلى صورة يوسف التي كانت على شاشة هاتفها. ابتسمت، ثم عادت نظرتها إلى سماء الليل. هل يمكن أن تتأثر سعادتها بمشاكل لم تعرف عنها شيئاً؟ هل يمكن أن تكون أشباح الماضي أقوى من حاضرها المشرق؟
في مكان آخر، كانت سلوى جالسة في مقهى فاخر، ترتشف قهوتها السوداء. عيناها كانت تلمعان ببريق طموح ممزوج بسخط. أمامها، كان يجلس رجل ذو بنية قوية، وملامح قاسية. كان هذا الرجل هو "الحاج منصور"، رجل أعمال معروف في السوق، ولكنه معروف أيضاً بأساليبه الملتوية. "لقد تأكدت من كل شيء يا سلوى،" قال الحاج منصور. "المال الذي تدين به عائلتك للحاج إبراهيم كبير. وهو لا يزال يملكه، وسوف يستعمله ضدكم." ضحكت سلوى ضحكة مكتومة. "هو يعتقد أن هذا المال له. ولكنه لا يعلم أن هذا المال هو ملكي. لقد أخذه أبي ظلماً، وسوف أستعيده. وأنا بحاجة إلى مساعدتك يا حاج منصور." "وماذا ستعطيني بالمقابل؟" سأل الحاج منصور بابتسامة خبيثة. "سوف أعطيك كل ما تريد. ولكن أولاً، أريد أن أرى يوسف وهو يخسر كل شيء. أريد أن أرى ريم وهي تندم على اليوم الذي عرفته فيه." "هذا يبدو لي اتفاقاً جيداً," قال الحاج منصور. "ولكن هل أنتِ متأكدة أنكِ تستطيعين كسب هذه المعركة؟" "أنا سلوى," قالت بلهجة الواثق. "وأنا لا أخسر أبداً."
نظرت سلوى من نافذة المقهى، حيث كانت أضواء المدينة تتلألأ. كانت عيناها تحملان وعداً بالانتقام، ووعداً بالسيطرة. كانت تخطط الآن، تخطط بحذر شديد، لخلق فوضى تعصف بحياة أخيها، وحياة تلك الفتاة الطيبة، ريم.
في تلك الليلة، نامت ريم وقلبها المثقل قليلاً، ولكنها كانت لا تزال تحتفظ ببارقة أمل. أما يوسف، فكانت ليلته طويلة، مليئة بالتساؤلات والقلق. كان عليه أن يجد حلاً، حلاً يحمي به ريم، ويحمي به نفسه من ماضٍ لم يكن يعرف أن ظلاله بهذا الطول.