قلب طاهر 191
خيوط متشابكة وهمسات مؤامرة
بقلم مريم الحسن
في صباح اليوم التالي، كان نور الشمس الذهبي يتسلل من بين ستائر ريم الرقيقة، ليكشف عن وجهها النائم بهدوء. استيقظت على صوت زقزقة العصافير، وشعرت براحة غريبة بدأت تغمرها. لقد قررت أن لا تدع مخاوف الماضي تفسد فرحتها بالحاضر. عندما استيقظت، توجهت إلى المطبخ لتحضير القهوة، ووجدت والدتها، أمينة، واقفة هناك، تتأمل السماء من النافذة.
"صباح الخير يا أمي," قالت ريم بابتسامة. "صباح النور يا حبيبتي," ردت أمينة، والتفتت إليها بعينين تفيضان حباً. "رأيت أنكِ مستيقظة مبكراً اليوم." "نعم يا أمي، لا أدري لماذا، ولكنني أشعر بأن هذا اليوم سيكون مختلفاً." "أتمنى ذلك يا ابنتي. أنتِ تستحقين كل السعادة في العالم. هل تحدثتِ مع يوسف بالأمس؟" "لا، لم تسنح الفرصة. ولكنني سأتحدث معه اليوم. لقد قررت أن أكون صريحة معه بشأن كل شيء. بشأن مخاوفي، بشأن ما أتمناه لمستقبلنا."
كانت ريم تشعر بقوة داخلية لم تشعر بها من قبل. لقد أدركت أن الصراحة والوضوح هما أساس أي علاقة قوية. ولكن، هل كانت جاهزة حقاً لسماع كل ما قد يكشفه يوسف؟ كانت تعرف أنه رجل له ماضٍ، ولكنها لم تكن تعلم شيئاً عن مدى تعقيده.
في المقابل، كان يوسف يجلس في مكتبه الفخم، يدرس أوراقاً متناثرة على مكتبه. كانت عيناه مرهقتين، وفكره مشتتاً. لم يستطع النوم جيداً في تلك الليلة، وصورة سلوى، أخته، كانت تعتلي ذهنه. تذكر كيف كانت دائماً تتمتع بروح تنافسية شرسة، وكيف كانت لا ترضى بالخسارة أبداً.
"هل يعقل أن تكون سلوى هي من تقف وراء هذه التهديدات؟" تساءل بصوت عالٍ. "وماذا لو كانت تريد شيئاً يخص الحاج إبراهيم؟" فتح حاسوبه، وبدأ في البحث عن أي معلومات تتعلق بسلوى. لم تكن تعرف الكثير عن نشاطاتها الأخيرة، فقد كانت علاقتها بها متقطعة. ولكن، لم يكن لديه ما يكفي من المعلومات.
"يجب أن أكون حذراً،" قال لنفسه. "يجب أن أحمي ريم. سمعتها، سعادتها، كل شيء. لا أستطيع أن أدع ماضيها، أو ماضي عائلتها، يؤثر عليها." اتصل بمسؤول أمن خاص، رجل موثوق به، ليطلب منه بعض المساعدة في تتبع تحركات سلوى. "أريد منك أن تبدأ بمراقبة تحركات أختي، سلوى. أي شخص تلتقي به، أي مكان تذهب إليه. أريد تقريراً مفصلاً."
في نفس الوقت، كان الحاج منصور يلتقي بسلوى في مكان سري، في مستودع قديم على أطراف المدينة. كانت رائحة الزيوت والصدأ تملأ المكان. "لقد بدأت خطتي يا سلوى," قال الحاج منصور بابتسامة ماكرة. "لقد أرسلت رسائل مبطنة إلى بعض المقربين من والد يوسف. رسائل تتحدث عن بعض الأمور المالية القديمة، بعض الديون التي قد تثير الشكوك." "ممتاز," قالت سلوى، وعيناها تلمعان. "ولكن هذا ليس كافياً. أنا أريد أن أرى يوسف يتعذب. أريد أن أرى ريم تفقد ثقتها به." "الصبر مفتاح الفرج يا عزيزتي," قال الحاج منصور. "كل شيء سيأتي في وقته. ولكن هل أنتِ متأكدة أن ريم ستكون سهلة الاختراق؟ إنها تبدو قوية." "ريم طيبة القلب،" قالت سلوى باستهزاء. "وهذا ما يجعلها ضعيفة. سأستغل طيبتها، سأستغل حبها ليوسف. سأجعلها ترى ما لا تريد رؤيته."
كانت سلوى تخطط لخطة محكمة. خطة تستغل نقاط ضعف الجميع. كانت تعرف أن يوسف رجل فخور، ورجل يحب ريم حباً جماً. وكانت تعرف أن ريم فتاة بريئة، وقلبها رقيق.
في هذه الأثناء، كانت ريم تتلقى رسالة نصية غامضة على هاتفها. "هل أنتِ متأكدة أن الرجل الذي تحبينه هو حقاً ما يظهر عليه؟ بعض الأسرار لها ثمن باهظ." نظرت ريم إلى الرسالة، وشعرت بالخوف يتسلل إلى قلبها. هل يمكن أن تكون هذه الرسالة من يوسف؟ لا، لم يكن ليقول لها شيئاً كهذا. من يمكن أن يكون؟ "هذه مجرد مزحة سخيفة," قالت لنفسها، ولكن قلبها لم يصدق.
بعد قليل، رن هاتفها. كان يوسف. "مرحباً حبيبتي," قال يوسف بصوت بدا فيه بعض التوتر. "مرحباً يوسف. كيف حالك؟" "أنا بخير. هل أنتِ متفرغة الآن؟ أريد أن أراكِ." "بالطبع. أين ومتى؟" "في نفس المكان الذي التقينا فيه أول مرة. بعد ساعة."
شعرت ريم بأن هناك شيئاً يحدث. نبرة صوت يوسف، الرسالة الغامضة، كل شيء بدا وكأنه يشير إلى أن هناك أمراً جللاً سيحدث.
عندما ذهبت ريم للقاء يوسف، كان يقف تحت شجرة السدر العتيقة، بنفس المكان الذي شهد لقاءهما الأول. كانت الشمس تغرب، وترسم لوحة ساحرة في السماء. "أهلاً بكِ," قال يوسف، وبدا عليه الارتباك. "أهلاً بك. ما الأمر يوسف؟ تبدو قلقاً." "ريم، هناك أمور معقدة. أمور لا أعرف كيف أبداً الحديث عنها." "تفضل يوسف. مهما كان الأمر، فأنا معك."
تنهد يوسف. "هناك بعض الأمور المتعلقة بماضي عائلتي. بعض الديون، بعض الخلافات. وقد بدأت هذه الأمور تعود لتطاردني. وللأسف، قد تؤثر عليكِ." "علىّ؟ كيف؟" "هناك شخص، شخص من الماضي، يحاول أن يزعزع استقراري، وأن يشوه سمعتي. وهذا الشخص، قد يستغل أي شيء، أي نقطة ضعف." "من هو هذا الشخص؟" سألت ريم بقلق. "أختي، سلوى."
شهقت ريم. سلوى؟ لم تسمع عنها من قبل، إلا من يوسف، الذي كان يتحدث عنها دائماً بأسف. "أختك؟ ولكن لماذا؟" "لدينا خلافات قديمة. وهي تحمل ضغينة. وهي لا تريد أن تراني سعيداً، خاصة مع وجودك." "ولكن ما علاقة هذا بي؟" "قد تحاول أن تستغل أي شيء يتعلق بماضي عائلتي، أي شيء يتعلق بأبي، الحاج إبراهيم. قد تحاول أن تجعلكِ تشككين بي."
أمسك يوسف بيديها. "ريم، أنا أحبكِ. وأريد أن أتزوجكِ. ولكنني لا أريد أن أدخل حياتكِ وأنا أحمل معي مشاكل قد تدمركِ. لقد ترددت كثيراً في إخباركِ بهذا، ولكني لا أستطيع أن أخفي عنكِ الحقيقة. هذه هي حقيقتي."
نظرت ريم إلى عينيه. رأت فيهما الصدق، ورأت فيهما الألم. شعرت بقوة جديدة تتغلب على خوفها. "يوسف،" قالت بصوت ثابت. "أنا أؤمن بك. وأؤمن بحبك لي. مهما كانت المشاكل، سنتجاوزها معاً. إذا كان الأمر يتعلق بعائلتي، فسوف أتحدث مع أبي. إذا كان الأمر يتعلق بعائلتك، فسوف نقف معاً. لأننا معاً."
ابتسم يوسف، ابتسامة خفيفة ولكنها مليئة بالراحة. لقد وجد فيها السند الذي كان يبحث عنه. ولكن، بينما كانت ريم تشعر بالأمل، كانت سلوى في مكان آخر، تبتسم بشر. كانت خطتها الأولى قد نجحت. لقد زرعت بذور الشك.