الفصل 17 / 25

قلب طاهر 191

لقاء غير متوقع وسر مكشوف

بقلم مريم الحسن

كانت نسمات الصباح تبعث الهدوء في أرجاء قصر آل السيوفي، لكن السكينة التي عودت عليها فجر في السنوات الأخيرة كانت غائبة. فجر، التي اعتادت على استيقاظها مبكراً لتصلي وترتل أذكارها ثم تبدأ يومها بحياكة أحلام وردية تنتظر فيها يوماً قد يأتي بفرج، شعرت بثقل غامض يكبّل صدرها. بالأمس، تلقت رسالة لم توقع باسم مرسلها، حملت همساً مبطناً بأحداث قد تعصف بحياتها الهادئة، وذكرت موعداً ومكاناً للقاء، في نفس الوقت الذي يزور فيه السيد عمر آل السيوفي قريتهم.

ارتدت فجر ثوبها الخفيف، ذي اللون السماوي الهادئ، وزينت شعرها الأسود الفاحم بساتين بسيطة. لم تجرؤ على إخبار أحد بما جرى، فقد ترسخ لديها يقين بأن بعض الأسرار يجب أن تبقى دفينة، وأن البحث عن الحقيقة قد يجلب معه عواصف لا قبل لها بها. لكن الفضول، ورغبة دفينة في معرفة ما يلوح في الأفق، كانت أقوى من كل اعتبارات الحذر.

توجهت نحو المكان المحدد، وهو بستان قديم مهجور على أطراف القرية، تنتشر فيه أشجار الزيتون المعمرة، وتلوح من بين أغصانها شمس الصباح خجولة. كانت الرمال ناعمة تحت قدميها، وصوت حفيف الأوراق يتردد صداه في سكون المكان. وبينما كانت تتأمل جمال المكان، سمعت صوت خطوات تقترب.

ظهر رجل يرتدي ملابس سوداء، وجهه مغطى بوشاح، لا يظهر منه سوى عينين غائرتين تختبئان خلف ظل غامض. ارتجفت فجر قليلاً، ولكنها وقفت بثبات.

"هل أنتِ فجر؟" سأل الرجل بصوت أجش، لم تحاول فجر تمييزه.

"نعم، أنا فجر. ومن أنت؟ وماذا تريد؟" أجابت بصوت حاولت أن تجعله متماسكاً، ولكن رعشة خفيفة كانت تظهر فيه.

"أتيت لأخبركِ بالحقيقة. حقيقة قد تغير كل ما تعرفينه عن حياتك." قال الرجل، وبدأ يروي قصة لم تكن فجر لتتخيلها أبداً. تحدث عن علاقة قديمة بين والدها ورجل غامض، عن اتفاق سري، وعن دين كبير لم يتم سداده. "والدكِ، رحمه الله، ترك خلفه ديناً لا يمكن سداده إلا ببيع أغلى ما يملك."

تسارعت أنفاس فجر. "ماذا تقصد؟ أبي لم يكن مديوناً لأحد. كان رجلاً شريفاً."

"الشرف لا يدفع الديون." قال الرجل بسخرية. "والدكِ، في محاولة يائسة لإنقاذ سمعة العائلة، أبرم اتفاقاً مع شخص ذي نفوذ. اتفاق يقضي بأن يقدم له مقابل حمايته، ومنحه المال اللازم، وعداً بأن يدفع له لاحقاً. لكن القدر كان أسرع."

أخذ الرجل يصف تفاصيل دقيقة عن اتفاق والدها، أسماء لم تسمع بها من قبل، ومبالغ مالية ضخمة. كل كلمة كانت تزيد من صدمة فجر، وكل حرف كان يطعن قلبها. "هذا مستحيل. لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً. أبي لم يخبرني بشيء من هذا القبيل."

"والدكِ كان رجلاً طيباً، لكنه كان ضعيفاً أمام الضغوط. وقد أراد أن يحميكِ من معرفة الحقيقة المرة." تابع الرجل. "والآن، هذا الدين وقع على عاتقكِ. والشخص الذي يدين له والدكِ، وهو شخصية نافذة في مجتمعنا، يطالب الآن بحقه. وهو مستعد للتنازل عن كل شيء، مقابل شيء واحد."

"وما هو هذا الشيء؟" سألت فجر بصوت مرتجف، تشعر بأن قلبها قد توقف عن النبض.

"مقابل يدكِ." قال الرجل، وكأنها الكلمة الأخيرة في حكم الإعدام.

تجمدت فجر في مكانها. يدها؟ عرض زواج؟ لكن من؟ ومن هذا الشخص الغامض الذي يطالب بوالدها؟

"من هو هذا الرجل؟" سألت بصوت بالكاد مسموع.

"إنه رجل لا يقبل الرفض. وإذا رفضتِ، فإن عواقب ذلك ستكون وخيمة. ليس عليكِ فقط، بل على كل من تحبين."

شعرت فجر بالخوف يلفها كالثعبان. والدها، الذي لطالما ظنت أنها تعرف كل شيء عنه، كان يحمل أسراراً دفينة. وأسراره هذه، الآن، تلقي بظلالها على مستقبلها.

"ماذا تريد مني أن أفعل؟" سألت، وقد استسلمت للأمر الواقع الذي بدأ يتكشف أمامها.

"عليكِ أن تقابلي الشخص المعني. هو من سيخبركِ بكل التفاصيل. وسأعطيكِ عنوانه، ووقت اللقاء." قال الرجل، ثم أخرج ورقة صغيرة مطوية وناولها إياها.

أخذت فجر الورقة بيدين مرتعشتين. كانت تحمل عنواناً لمنزل فخم في قلب المدينة، وتاريخاً محدداً للقاء.

"تذكري، فجر. ليس لديكِ خيار. وهذا الدين هو ثمن حياة والدكِ وسمعته. وعليكِ أن تسديه." قال الرجل، ثم استدار واختفى بين أشجار الزيتون كما ظهر.

بقيت فجر واقفة وحدها، تحت أشعة الشمس التي بدأت ترتفع في السماء، والشمس الحقيقية في حياتها بدأت تغرب. نظرت إلى الورقة في يدها، وشعرت بأن كل شيء قد تغير. الحقيقة كانت أقسى من الخيال، والواقع الذي كانت تعيشه كان مجرد قناع يخفي خلفه عالماً من الديون والاتفاقات المظلمة.

عندما عادت إلى المنزل، وجدت والدتها قلقة. "أين كنتِ يا ابنتي؟ لقد قلقت عليكِ."

"كنت في البستان، يا أمي. أتمشى قليلاً." كذبت فجر، وقلبها مثقل بالحزن والخوف.

كان السيد عمر آل السيوفي قد وصل، وكان يجلس مع والدها يتحدثان في أمور ما. كانت ابتسامته الرقيقة لا تخلو من قلق، وعيناه تبحثان عن فجر. عندما رأته، شعرت بنبض قلبها يتسارع. هل يعلم هو الآخر بشيء؟ هل يمكن أن يكون له علاقة بهذا الأمر؟

لم تستطع أن تخبر أحداً. كيف لها أن تشاركهم هذا الحمل الثقيل، وهذا السر الذي يهدد بتدمير كل شيء؟ شعرت فجر بأنها أصبحت وحدها في معركة لا تعرف خوضها. كان أمامها طريق طويل وشاق، وطريق لم تكن تتوقعه أبداً.

في تلك الليلة، لم تستطع فجر أن تنام. تقلب فكرها في كل ما سمعته، وفي كل ما رأت. هل هذه القصة حقيقية؟ أم أنها خدعة دبرها شخص ما؟ ومن هو هذا الشخص الذي يريد يدها؟ وهل يمكن أن يكون السيد عمر آل السيوفي متورطاً في هذا الأمر؟

كانت الأسئلة تتوالى في ذهنها، ولم تجد لها إجابة. أمسكت بالورقة التي أعطاها الرجل، وتأملت العنوان. منزل فخم. يبدو أن الشخص المعني له مكانة مرموقة.

"يا رب، أنت أعلم بحالي." همست بصوت خافت، ودموعها تنهمر على وجنتيها. "أنر لي دربي، وأرشدني إلى الحق."

في داخلها، بدأت تتكون صورة واضحة لما يجب عليها فعله. إنها لن تستسلم. إنها لن تدع أحداً يقرر مصيرها. مهما كانت الحقيقة قاسية، ومهما كان الثمن غالياً، فإنها ستواجه.

لكن الخوف كان ينهش قلبها. الخوف من المجهول، والخوف من المواجهة. فالوعد الذي قطعه والدها، قد يودي بها إلى طريق لا رجعة فيه.

وهكذا، وبينما كانت خيوط الفجر الأولى ترسم على السماء، كانت فجر تستعد لمواجهة عاصفة قادمة، عاصفة قد تغير مسار حياتها إلى الأبد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%