قلب طاهر 191
ظلال الماضي ومفاوضات سرية
بقلم مريم الحسن
بعد أيام قلائل من اللقاء الغامض في بستان الزيتون، أصبحت حياة فجر أشبه بمسرحية هادئة على السطح، تخفي تحتها عاصفة هوجاء. لقد أصبحت تفكر مراراً وتكراراً في الكلمات التي قالها الرجل ذو الصوت الأجش، وفي الورقة التي تحمل عنواناً لمنزل لم تكن تعلم بوجوده إلا من خلال قصص نساء القرية عن أثرياء المدينة.
كانت عيناها ترقبان دوماً السيد عمر آل السيوفي. لم تعد ترى فيه الشاب المهذب والنبيل الذي ألقت به الأقدار إليها، بل أصبحت تشك في كل تصرفاته، وتتساءل عن مدى علاقته بهذه الصفقة الغامضة. هل كان يعلم والدها بهذا الاتفاق؟ وهل يمكن أن يكون السيد عمر هو نفسه الشخص الذي تطالب يدها؟
"لماذا لا تتحدثين يا فجر؟" سألت والدتها ذات مساء، بينما كانت فجر تحدق في طبق الطعام دون أن تأكل. "تبدين شاردة الذهن منذ وصول السيد عمر."
"لا شيء يا أمي. مجرد تفكير في أمور الحياة." أجابت فجر، محاولة أن تخفي قلقها. "السيد عمر رجل طيب، ولكن وصوله المفاجئ كان غير متوقع."
"هو رجل محترم، وقادم من عائلة طيبة. والدكِ كان يثق به." قالت الأم، ولم تدرك مدى أهمية هذه الكلمة في نفس فجر. "هل تتذكرين كيف كان يحترم والدكِ؟ كان يقول عنه دائماً: 'رجل لا يقدر بثمن'."
"رجل لا يقدر بثمن." ترددت الكلمات في ذهن فجر. هل هذا يعني أن والدها قد باع شيئاً لا يقدر بثمن؟ يدها؟
في تلك الأيام، حاول السيد عمر التقرب من فجر. كان يأتي لزيارة بيتهم، يتحدث مع والدها، ويجلس مع فجر في الديوان. كان يتحدث عن أحلامه، عن طموحاته، وعن رغبته في بناء مستقبل مشرق. وفي كل مرة كان يتحدث فيها، كانت فجر تبحث عن أي إشارة، أي تلميح، يمكن أن يربطه بالورقة التي تحمل العنوان.
"لقد أصبحتِ شاردة الذهن هذه الأيام يا فجر." قال لها السيد عمر ذات يوم، بينما كانا يسيران في حديقة المنزل. "هل هناك ما يقلقك؟"
نظرت إليه فجر بتوتر. "لا شيء يا سيد عمر. ربما مجرد ضغوط الحياة."
"إذا احتجتِ إلى أي شيء، فلا تترددي في إخباري. أنا هنا لأقدم المساعدة." قال بابتسامة دافئة.
كلماته هذه، وعلى الرغم من أنها كانت نبيلة، إلا أنها زادت من شكوك فجر. هل كانت هذه الكلمات محاولة لكسب ثقتها قبل أن يكشف عن طلبه؟
في إحدى الليالي، وبعد أن ذهب السيد عمر، ألحت فجر على والدها. "يا أبي، هل كان جدي على دين لأحد؟"
توقف والدها قليلاً، ثم قال: "لماذا تسألين هذا السؤال يا ابنتي؟"
"مجرد فضول." قالت فجر.
"الحياة مليئة بالأسرار يا فجر. بعض الأسرار تبقى طي الكتمان لتجنب إيلام من نحب." قال والدها، ولكن نظرة خاطفة مرت في عينيه، جعلت فجر تتأكد بأن هناك شيئاً ما.
في هذه الأثناء، لم تستطع فجر تحمل الانتظار. شعرت بأن الوقت يداهمها، وأنها يجب أن تعرف الحقيقة بنفسها. قررت أن تذهب إلى العنوان المذكور في الورقة.
في اليوم المحدد، ودعت فجر والدتها، وادعت أنها ستذهب لزيارة إحدى قريباتها. ثم استقلت عربة متجهة إلى المدينة، وقلبها يخفق بشدة.
وصلت إلى العنوان. كان منزلاً فخماً، تحيط به أسوار عالية، وتزينه الحدائق الغناء. شعرت فجر بأنها في عالم آخر. وقفت أمام البوابة الحديدية الضخمة، مترددة. هل هذا هو المكان الذي يكمن فيه سر والدها ومستقبلها؟
بعد لحظة تردد، جمعت شجاعتها ودقت الجرس. فتحت البوابة ببطء، وظهر أمامها رجل بزي أسود أنيق.
"نعم؟" قال الرجل.
"أنا فجر. وقد وعدت بلقاء السيد..." ترددت فجر، لم تعرف اسم الشخص الذي وعدت بلقائه.
"آه، تفضلي." قال الرجل، وبدا عليه أنه كان ينتظرها. "تفضلي بالدخول."
قادها الرجل عبر ممرات فخمة، مزينة باللوحات الفنية والتحف الثمينة. كل شيء كان ينطق بالثراء والنفوذ.
وصلت إلى غرفة واسعة، ذات أثاث فاخر. وفي وسط الغرفة، كان يجلس رجل. كان وجهه يبدو مألوفاً، لكنها لم تستطع أن تحدد هويته تماماً. ثم استدار الرجل، ورأت وجهه بوضوح.
تجمدت فجر في مكانها. كان السيد عمر آل السيوفي.
"أهلاً بكِ يا فجر." قال السيد عمر، بابتسامة غامضة. "كنت أتوقع وصولكِ."
"أنت؟" تمتمت فجر، غير مصدقة. "كيف...؟"
"جلستكِ مع الرجل في البستان كانت مدبرة." قال السيد عمر، متكئاً على كرسيه. "لقد أردت أن أرى كيف ستتصرفين. وأن أتأكد من أنكِ على استعداد لمواجهة الحقيقة."
"الحقيقة؟ وما هي هذه الحقيقة؟" سألت فجر، تشعر بأن ساقيها لن تحملانها.
"الحقيقة يا فجر، هي أن والدكِ، رحمه الله، كان مديوناً لي. ديناً كبيراً، لم يستطع سداده. وفي محاولة منه لحمايتكِ، أبرم اتفاقاً معي." بدأ السيد عمر يروي، صوته هادئ ولكنه قوي. "اتفق معي على أن يقدم لكِ لي. أن تزوجيني بكِ، مقابل أن أسقط عنه دينه، وأن أتكفل بحياة والدتكِ وعائلتكِ."
ارتجفت فجر. "هذا مستحيل. أبي لم يكن ليبيعني."
"لم يكن يبيعكِ بالمعنى الحرفي. لقد كان رجلاً يحب عائلته أكثر من أي شيء آخر. وأنا، بطريقة ما، كنت أدرك مدى ضعفه أمام هذه المشاعر." قال السيد عمر، وعيناه تحدقان في فجر. "وقد استغلت أنا هذه النقطة."
"لقد استغللت ضعفه." قالت فجر، بصوت مليء بالغضب.
"سمه ما شئتِ. المهم أن الاتفاق تم. ولم يتمكن والدكِ من تنفيذه قبل وفاته. والآن، أنا هنا لأطالب بما هو لي."
"ما هو لك؟"
"أنتِ." قال السيد عمر، بنبرة تحمل تحدياً. "لقد وعدت. والدي يفي بوعوده. والآن، دوركِ لتفي بوعده. هل أنتِ مستعدة للزواج مني، فجر؟"
وقفت فجر، تشعر بأن العالم كله ينهار من حولها. لم تكن تتخيل أبداً أن يكون السيد عمر، الشاب الذي رأته في قريتها، هو الرجل الغامض الذي يقف وراء هذا الاتفاق المظلم. لقد كان الأمر أكبر بكثير مما توقعت. كانت تواجه الآن أصعب قرار في حياتها. قرار قد يحدد مصيرها ومصير عائلتها.
"ماذا لو رفضت؟" سألت فجر، بصوت يحمل كل القوة التي استطاعت أن تجمعها.
ابتسم السيد عمر ابتسامة باردة. "إذا رفضتِ، فإن العواقب ستكون وخيمة. سأكشف عن كل شيء. عن دين والدكِ، وعن الاتفاق. وسيؤدي ذلك إلى انهيار سمعة عائلتكِ، وقد تتعرض والدتكِ لمشاكل كبيرة. أما أنا، فسأفعل ما أراه مناسباً. لكن أظن أنكِ لا تريدين ذلك."
شعرت فجر بأنها محاصرة. لا يوجد مفر. أمامها خياران: إما الزواج من رجل لا تعرفه، ولا تثق به، والذي استغل ضعف والدها، أو مواجهة عواقب وخيمة تطال عائلتها.
نظرت إلى السيد عمر، ورأت فيه رجلاً لا يرحم. رجل يعتمد على القوة والنفوذ لتحقيق ما يريد.
"أنا..." بدأت فجر، ولكن الكلمات علقت في حلقها.
"خذي وقتكِ في التفكير." قال السيد عمر، بهدوء زائف. "ولكن تذكري، الوقت يداهمنا. ولدي خطط أخرى، تتضمن الاستقرار وبناء أسرة. وأنتِ، يا فجر، أرى فيكِ المرأة المناسبة لذلك."
كانت فجر تشعر بأنها تغرق. لقد كشف السيد عمر عن وجهه الحقيقي، وها هي الآن، تقف على حافة الهاوية، تتأمل في مستقبل لا تعرف عنه شيئاً.