قلب طاهر 191
خيوطٌ من ماضٍ عتيق
بقلم مريم الحسن
استيقظتْ "طاهرة" معَ خيوطِ الشمسِ الأولى، وقدْ كانتْ ليلتُها مليئةً بالأحلامِ المتشابكةِ، أحلامٍ عنْ وجوهٍ غريبةٍ، وأصواتٍ هامسةٍ، وكلماتٍ لم تفهمْ معناها. لكنَّ الشعورَ بالفضولِ والترقبِ كانَ أقوى منْ أيِّ أثرٍ للقلق. حملتْ الصندوقَ الخشبيَّ الصغيرَ، ووضعتهُ على مكتبِها في غرفتها، محاولةً استعادةَ السيطرةِ على تركيزِها. أمسكتْ بالرسائلِ التي وجدتها، وبدأتْ تترجمُ سطورَها بصعوبةٍ، مستعينةً ببعضِ الكتبِ القديمةِ التي وجدتها في مكتبةِ والدِها.
كانتْ الرسائلُ تبدو وكأنها موجهةٌ إلى والدِها، تحكي عنْ ترتيباتٍ غامضةٍ، وعنْ لقاءاتٍ سرية، وعنْ مسؤولياتٍ ثقيلة. كانَ هناكَ ذكرٌ لاسمِ "الحاجِّ محمود"، وهوَ جدُّها منْ جهةِ الأب، والذي توفيَ قبلَ أنْ تلدهُ طاهرةُ بسنواتٍ طويلة. يبدو أنَّ الحاجَّ محمودَ كانَ رجلًا ذا نفوذٍ، وكانَ على وشكِ اتخاذِ قرارٍ مصيريٍّ يتعلقُ بأعمالِ العائلةِ، وتحديدًا بتجارةِ الأقمشةِ التي ورثها عنْ آبائه.
"يا بنيَّ العزيز محمود،
أسألُ اللهَ أنْ يبلغَكَ كتابي هذا وأنتَ في أتمِّ صحةٍ وعافية. إنَّ الأيامَ تمضي، والحياةَ دوّارة، وما نحنُ إلا عابرونَ. لقدْ قررتُ، بعدَ استخارةٍ ودعاء، أنْ أعهدَ إليكَ بمسؤوليةِ تجارةِ الأقمشةِ العريقة. إنها أمانةٌ بينَ يديكَ، تتوارثُها الأجيال. يجبُ عليكَ أنْ تحافظَ عليها، وأنْ تجعلَها شاهدةً على كرمِنا وعلى صدقِنا.
ولكنْ، هناكَ أمرٌ آخرُ يتطلبُ منكَ حكمةً وبصيرة. إنَّ "سارة"، ابنةُ صديقي القديمِ "يوسف"، فتاةٌ صالحةٌ، وجميلة، وقدْ قررتُ أنْ أزوجَكَ منها. إنها صفقةٌ ستعززُ علاقاتِنا، وستضمنُ لنا مستقبلًا مستقرًا. أعرفُ أنَّ القلبَ قدْ يميلُ إلى هوىً آخر، ولكنَّ المصالحَ العائليةَ تتطلبُ أحيانًا تضحياتٍ. فكّرْ جيدًا يا ولدي.
والدُكَ، [اسم الجد]."
شعرتْ طاهرةُ بالدوار. هلْ كانَ والدُها "محمود"؟ نعم، هوَ كذلك. لكنَّ هذهِ الرسالةَ كانتْ تتحدثُ عنْ زواجٍ دبرهُ الجدُّ، عنْ فتاةٍ اسمها "سارة". ومنْ هيَ "سارة"؟ هلْ هيَ والدتُها "أمينة"؟ لا، والدتُها لم تذكرْ قطُّ أيَّ ترتيباتٍ منْ هذا القبيل.
ثمَّ وجدتْ رسالةً أخرى، بخطٍّ مختلف، وأكثرُ حداثةً. كأنها كُتبتْ بعدَ الرسالةِ الأولى بسنوات.
"محمود، يا ولدي،
أتمنى أنْ تكونَ بخير. لقدْ سمعتُ بما حصلَ، وأنا آسفٌ جدًا. إنَّ "سارة" طيبةٌ، ولكنَّ قلبَكَ لم يطمئنَّ إليها. لا بأس، فالحياةُ مليئةٌ بالمفاجآت. المهمُّ الآنَ هوَ أنْ تعيدَ النظرَ في قرارِكَ بشأنِ تجارةِ الأقمشة. ثمةَ مخاوفُ لديَّ بشأنِ "يوسف" وشراكتِهِ. الرجلُ قدْ يكونُ طماعًا، ولا تثقْ بوعودِهِ.
إنَّ "نادية"، ابنةُ خالتِكَ "فاطمة"، فتاةٌ ذكيةٌ، ولها اهتماماتٌ مشابهةٌ لاهتماماتِكَ. ربما يكونُ الارتباطُ بها خيارًا أفضلَ. فكّرْ في الأمر.
والدُكَ."
"نادية؟" تكررتْ الكلمةُ في ذهنِ طاهرة. هلْ كانتْ "نادية" هيَ والدتُها؟ لم تفهمْ شيئًا. يبدو أنَّ هناكَ لغزًا عميقًا يحيطُ بعلاقاتِ أسرتِها. قرأتْ المزيدَ منْ أوراقِ والدِها، ووجدتْ بعضَ الأوراقِ التي تبدو كعقودٍ تجارية، تتحدثُ عنْ مبالغَ طائلة، وعنْ شراكاتٍ معَ أشخاصٍ يدعون "يوسف" و "سعيد".
ثمَّ رأتْ صورةً أخرى، صورةً كانتْ تبدو حديثةً نسبيًا. كانتْ لوالدِها، وهوَ يقفُ بجانبِ امرأةٍ جميلةٍ، تبدو في أواخرِ العشرينياتِ منْ عمرِها، ترتدي حجابًا أنيقًا. لم تعرفْها. هلْ هيَ "سارة"؟ أمْ "نادية"؟
"أبي العزيز،
أعلمُ أنَّكَ تخشى عليَّ، وتعرفُ أنَّني لا أستطيعُ أنْ أكونَ "سارة" التي أرادها جدّي. لكنَّ قلبي قدْ اختارَ دربه. إنَّ "أحمد" رجلٌ طيبٌ، وأخلاقهُ عالية. أثقُ بأنَّهُ سيحرصُ على سعادتي. آملُ أنْ توافقَ على زواجِنا، فهذا أقصى ما أتمناه.
ابنتُكَ، [اسم غير واضح]."
شعرتْ طاهرةُ بالصداعِ يتملكُها. منْ هيَ هذهِ "سارة" التي لم توافقْ؟ ومنْ هوَ "أحمد" الذي يتحدثونَ عنهُ؟ هلْ هوَ نفسُ "أحمد" الذي اقترحتْهُ والدتُها عليها؟
بدأتْ تفكّرُ في الأرقامِ المذكورةِ في العقود. كانتْ هائلةً. هلْ كانَ والدُها غنيًا جدًا؟ لم يبدُ عليهِ قطُّ ذلك. كانَ يعيشُ حياةً بسيطةً، معَ والدتِها.
فتحتْ الرسالةَ الأخيرةَ في الصندوق. كانتْ تبدو مختلفةً، مكتوبةً بحبرٍ باهت، وبخطٍّ يرتعشُ.
"إلى منْ سيجدُ هذهِ الأوراق،
إنَّ ما ستقرؤونَهُ الآنَ هوَ حقيقةٌ مؤلمةٌ، حقيقةٌ حاولتُ أنْ أخفيَها عنْ العالمِ، وعنْ أعزِّ الناسِ عليَّ. إنَّ تجارةَ الأقمشةِ لم تكنْ مجردَ تجارة، بلْ كانتْ غطاءً لعملياتٍ مشبوهة. كانَ "يوسف" و "سعيد" شركاءَ لي، ولكنَّهما كانا يستغلاني. لقدْ خدعاني، وسرقا أموالَ العائلة، وتركاني في وضعٍ حرج.
كانَ عليَّ أنْ أختارَ بينَ الكشفِ عنْ كلِّ شيءٍ، وبينَ التضحيةِ بشيءٍ ثمين. اخترتُ التضحية. تنازلتُ عنْ بعضِ حقوقي، واحتفظتُ ببعضِ الأسرار. أما "سارة"، فهيَ لم تكنْ ابنةَ "يوسف" كما اعتقدَ أبي، بلْ كانتْ ابنةَ "سعيد". وقدْ رتبَ "يوسف" زواجَها منْ "أحمد" ابنِ عمتِها، ليسَ حبًا، بلْ لضمانِ ولاءِ "أحمد" له، ولإبعادِها عنْ أيِّ محاولةٍ لكشفِ الحقائق.
أما "نادية"، فهيَ ابنةُ أختي، وقدْ أحببتُها كثيرًا. عندما علمتُ بأنَّ "يوسف" يريدُ تزويجَ "سارة" منْ "أحمد"، حاولتُ أنْ أمنعَ ذلك، ولكنَّ الأمرَ كانَ خارجَ إرادتي.
أرجو ممّنْ يقرأُ هذا، أنْ يغفرَ لي، وأنْ يحاولَ إصلاحَ ما أفسدتُ. إنَّ "طاهرة"، ابنتي، هيَ الأملُ الوحيدُ. لقدْ حاولتُ أنْ أحميَها منْ كلِّ هذا، ولكنَّ الأقدارَ غالبة.
أرجو أنْ تجدَ "طاهرة" في قلبِها الشجاعةَ لتقفَ أمامَ الظلم.
والدُكِ."
جلستْ طاهرةُ مذهولةً، وعيناها زائغتان. لم تستطعْ أنْ تستوعبَ كلَّ هذهِ المعلومات. والدُها، الذي عاشتْ معهُ سنواتٍ طويلة، كانَ يخفي كلَّ هذهِ الأسرار؟ كانتْ "سارة" ليستْ والدتَها، وكانتْ "نادية" ليستْ والدتَها أيضًا. منْ إذنْ هيَ "سارة"؟ ومنْ هيَ "نادية"؟ وما علاقةُ "أحمد" بكلِّ هذا؟
نظرتْ إلى الصورةِ التي وجدتها في البداية، صورةُ والدِها وهوَ شابٌ معَ رجلٍ وامرأة. هلْ كانَ الرجلُ هوَ "يوسف"؟ والمرأةُ هيَ "سارة"؟ أمْ "نادية"؟
أغمضتْ عينيها، وأخذتْ نفسًا عميقًا. كانَ قلبُها ينبضُ بشدة، وصراعٌ داخليٌّ يدورُ في صدرِها. لقدْ اكتشفتْ أنَّ ماضيَ عائلتِها ليسَ مجردَ ذكرياتٍ بسيطة، بلْ هوَ متشابكٌ بالأسرارِ والخداعِ والتضحيات. وأنَّها، "طاهرة"، تقفُ الآنَ على مفترقِ طرقٍ، حاملةً إرثًا ثقيلًا، وإرادةً لم تعرفْ بوجودِها منْ قبل.
شعرتْ بأنَّ الأيامَ القادمةَ لنْ تكونَ هادئةً أبدًا. كانَ عليها أنْ تفهمَ كلَّ شيء، وأنْ تتخذَ قراراتٍ مصيرية. نظرتْ إلى صورةِ والدِها، وتساءلتْ: هلْ كنتَ فخورًا بي، أمْ كنتَ تخشى عليَّ منْ غدرِ الزمان؟