قلب طاهر 191
رسالةٌ لم تُبعثْ
بقلم مريم الحسن
كانَ شعورُ الارتباكِ والغضبِ يختلطُ في قلبِ "طاهرة". كيفَ استطاعَ والدُها، الرجلُ الذي عرفتْهُ بالصدقِ والنزاهة، أنْ يخفيَ كلَّ هذهِ الحقائقِ عنها؟ هلْ كانَ خوفًا عليها؟ أمْ كانَ جزءًا منْ لعبةٍ أكبر؟ أمسكتْ بالصورِ والرسائل، تتفحصُها بعينينِ تتقدُ فيهما حيرةٌ عميقة.
الصورةُ الأولى، صورةُ والدِها الشابِ، معَ الرجلِ والمرأة. بدأتْ تتأملُ ملامحَ الرجلِ بتركيز. كانتْ ملامحُهُ حادة، وعيناهُ تبدوانِ خبيثتين. أما المرأة، فكانتْ جميلةً، تحملُ في عينيها مزيجًا منَ الجمالِ والحزن. هلْ كانتْ "سارة"؟ أمْ "نادية"؟
"أبي،" همستْ لنفسِها، "لماذا لم تخبرني؟"
أعادتْ قراءةَ الرسالةِ الأخيرةِ لوالدِها، تلكَ التي كشفتْ عنْ خيانةِ "يوسف" و"سعيد". شعرتْ ببعضِ الشفقةِ تجاهَ والدِها، الذي وقعَ ضحيةً لطمعِ الآخرين. ولكنَّ فكرةَ أنَّ "يوسف" قدْ دبرَ زواجَ "سارة" منْ "أحمد" لم تُريحْها. كانَ الأمرُ يبدو وكأنَّ هناكَ خيوطًا متشابكةً تربطُ الماضيَ بالحاضرِ بطرقٍ غامضة.
قامتْ طاهرةُ منْ جلستِها، وخطتْ نحو النافذةِ، تتطلعُ إلى الشارعِ الهادئ. كانتْ الشمسُ قدْ ارتفعتْ، والشوارعُ بدأتْ تمتلئُ بالحياة. لكنَّ حياتَها، في تلكَ اللحظة، بدتْ وكأنها توقفتْ.
"لا بدَّ منْ معرفةِ الحقيقةِ كاملةً،" قالتْ بصوتٍ حازم. "لا يمكنُ أنْ أعيشَ وأنا لا أعرفُ ماضيَ عائلتي."
قررتْ أنْ تبدأَ بالبحثِ عنْ "أحمد". هلْ كانَ هوَ نفسُ "أحمد" الذي تحدثتْ عنهُ والدتُها؟ وإنْ كانَ كذلك، فما علاقتُهُ بكلِّ هذهِ القصة؟
بعدَ تفكيرٍ، قررتْ أنْ تتصلَ بوالدتِها، وتسألها عنْ "أحمد". ولكنْ، هلْ كانتْ والدتُها تعرفُ شيئًا عنْ هذهِ القصة؟ كانتْ أمينةُ دائمًا تتحفظُ عندَ الحديثِ عنْ تفاصيلَ قديمةٍ تتعلقُ بعائلةِ والدِها.
"أمي،" قالتْ طاهرةُ بصوتٍ حاولتْ أنْ تجعلَهُ طبيعيًا. "أتذكرينَ الشابَّ "أحمد" الذي ذكرتِهِ لي؟ ابنُ عمِّ أبي؟"
"نعم يا ابنتي، أحمدُ ابنُ الحاجِّ صالح، ابنُ عمِّ المرحومِ والدِكِ. شابٌ مهذَّبٌ، وذو أخلاقٍ رفيعة." أجابتْ أمينةُ بصوتٍ مليءٍ بالحنان.
"هلْ تعرفينَ هلْ لديهِ خطيبةٌ؟ أوْ هلْ هوَ مرتبطٌ بأحد؟" سألتْ طاهرةُ، وقلبُها يقرعُ بسرعة.
ترددتْ أمينةُ قليلًا. "الحقيقةُ يا ابنتي، لا أعرفُ تفاصيلَ حياتِهِ الشخصيةِ حاليًا. لقدْ أصبحَ بيننا فترةٌ منَ الزمان. ولكنْ، هلْ هناكَ سببٌ لسؤالِكِ هذا؟"
"لا، لا شيءَ. فقطْ فضولٌ." قالتْ طاهرةُ، محاولةً إخفاءَ قلقِها.
"إذا كانَ لديهِ اهتمامٌ بكِ، فهوَ خيارٌ جيدٌ يا ابنتي. والدُهُ رجلٌ صالحٌ، وأحمدُ شابٌ واعد." قالتْ أمينةُ، وعادتْ لتبدأَ بنفسِ الموضوعِ الذي كانتْ قدْ بدأتهُ منْ قبل.
شعرتْ طاهرةُ بأنَّ والدتَها لا تعرفُ الحقيقةَ كاملةً. وأنَّ هذهِ الحقيقةَ كانتْ مخبأةً في أوراقِ والدِها.
بعدَ فترةٍ، قررتْ أنْ تذهبَ إلى بيتِ خالِها "الحاجِّ صالح"، والدِ "أحمد". كانتْ هذهِ الخطوةُ جريئةً، ولكنَّها ضرورية. كانتْ تعرفُ أنَّ خالَها رجلٌ مسنٌ، ويحملُ في ذاكرتِهِ الكثيرَ منْ ذكرياتِ الماضي.
عندما وصلتْ طاهرةُ إلى بيتِ خالِها، استقبلتها والدةُ "أحمد"، "الحاجةَ خديجة"، بحفاوةٍ شديدة. كانتْ خديجةُ امرأةً طيبةً، ذاتَ وجهٍ بشوشٍ، ولكنَّ عينيها تحملانِ أثرَ السنين.
"أهلاً وسهلاً بكِ يا ابنتي طاهرة، نورتِ البيتَ بقدومِكِ." قالتْ خديجةُ، وهيَ تحتضنُ طاهرة. "لكنَّ حضورَكِ في هذا الوقتِ ليسَ عاديًا، هلْ هناكَ أمرٌ مهم؟"
جلستْ طاهرةُ، وأخذتْ كأسَ الماءِ الذي قدمتهُ لها خديجة. "في الحقيقةِ يا خالتي، جئتُ أسألُ عنْ بعضِ الأمورِ المتعلقةِ بوالدي الراحل، الحاجِّ محمود."
تغيرتْ ملامحُ خديجةُ قليلًا. "الحاجُّ محمود؟ رحمهُ الله. كانَ رجلًا كريمًا. ما الذي تريدينَ معرفتهُ عنهُ؟"
"وجدتُ بعضَ الأوراقِ والرسائلِ القديمةِ لوالدي، تتحدثُ عنْ أمورٍ لم أفهمْها. وعنْ شراكاتٍ، وعنْ أسماءَ لم أسمعْ بها منْ قبل. وأبرزُها، اسمُ "يوسف" و"سعيد". وعنْ ترتيباتٍ تتعلقُ بزواجِ "سارة" و"أحمد"."
اتسعتْ عينا خديجةُ، وشحبَ وجهُها. "سارة؟ وأحمد؟" قالتْ بصوتٍ مرتجف. "يا ابنتي، هذهِ أمورٌ قديمةٌ جدًا، وأكثرُها ألمًا."
"أرجو منكِ يا خالتي، أنْ تخبريني بكلِّ شيء. والدي تركَ لي رسالةً، مفادُها أنَّني يجبُ أنْ أقفَ أمامَ الظلم. وأشعرُ أنَّ هذهِ الأمورَ مرتبطةٌ ببعضِها البعض."
تنهدتْ خديجةُ بعمق، وبدأتْ تحكي.
"رحمَ اللهُ الحاجَّ محمود. كانَ رجلًا طيبًا، ولكنهُ كانَ يحملُ همومًا كثيرة. عندما كانَ شابًا، أرادَ والدهُ، جدُّكِ الحاجُّ، أنْ يزوّجهُ منْ "سارة"، ابنةِ الحاجِّ يوسف، صديقِ العائلة. كانتْ "سارة" فتاةً جميلةً، ولكنَّ قلبَ محمودٍ لم يكنْ معها. كانَ يحبُّ "نادية"، ابنةَ خالتهِ. ولكنَّ الحاجَّ يوسفَ كانَ رجلًا طماعًا، وكانَ يريدُ أنْ يستغلَ ثروةَ عائلتِنا. فدبّرَ كلَّ شيءٍ لتتمَّ الخطبةُ بينَ محمودٍ وسارة."
"ولكنْ، في تلكَ الأثناء، كانتْ "نادية"، ابنةُ خالةِ محمود، قدْ أحبتْ "أحمد"، وهوَ ابنُ خالتي خديجة. ولكنَّ "يوسف" لم يكنْ يريدُ أنْ يتمَّ هذا الارتباط. فقدْ رأى أنَّ "أحمد" قدْ يكونُ عائقًا أمامَ خططِهِ. فدبّرَ "يوسف" بالتعاونِ معَ "سعيد"، رجلٍ آخرٍ كانَ يعملُ معَ "يوسف"، بأنْ يتمَّ زواجُ "سارة" منْ "أحمد"، حتى يبعدَها عنْ محمودٍ، وليضمنَ ولاءَ "أحمد" لهُ في المستقبل."
"فهلْ تزوجتْ "سارة" منْ "أحمد"؟" سألتْ طاهرةُ، وعقلُها يكادُ ينفجر.
"نعم يا ابنتي. تزوجتْ "سارة" منْ "أحمد". ولكنَّ قلبَها كانَ معَ محمود. وقدْ اكتشفَ محمودٌ في تلكَ الفترةِ أنَّ "يوسف" و "سعيد" كانا يسرقانَ أموالَ العائلة. ولكنَّهُ لم يستطعْ أنْ يفعلَ شيئًا، خوفًا على سمعةِ العائلة، وخوفًا منْ بطشِ "يوسف"."
"ولكنْ، ما علاقةُ والدتي "أمينة" بكلِّ هذا؟" سألتْ طاهرةُ.
"أمينة؟" قالتْ خديجةُ، ونبرتُها تحملُ بعضَ الحيرة. "أمينةُ ابنةُ عمِّ والدِكِ. وقدْ كانَ والدُكِ، الحاجُّ محمود، يحبُّها حبًا شديدًا، وكانتْ تحبُّهُ. ولكنَّ الظروفَ لم تسمحْ لهما بالزواجِ وقتَها. كانَ "يوسف" يمنعُ ذلكَ خوفًا منْ أنْ تتحدَ العائلتانِ ضده."
"إذًا، هلْ تزوجَ والدي منْ أمي بعدَ ذلك؟"
"نعم يا ابنتي. بعدَ وفاةِ "سارة" المبكرة، وبعدَ أنْ تخلصَ والدُكِ منْ نفوذِ "يوسف" شيئًا فشيئًا، تزوجَ منْ "أمينة". أما "أحمد"، فقدْ بقيَ وحيدًا بعدَ وفاةِ "سارة"، ولم يتزوجْ حتى الآن."
شرحتْ خديجةُ كلَّ شيءٍ. شعرتْ طاهرةُ بأنَّ رأسَها يدور. كلُّ هذهِ القصصِ، كلُّ هذهِ الأسرار. لقدْ اكتشفتْ أنَّ حبَّ والدِها لـ "أمينة" لم يكنْ مجردَ اختيارٍ عابر، بلْ كانَ حبًا عظيمًا، واجهَ الكثيرَ منَ الصعاب. وأنَّ "أحمد" الذي تحدثتْ عنهُ والدتُها، هوَ نفسُ "أحمد" الذي كانَ زوجَ "سارة" المأساوية.
"ولكنْ، لماذا تركَ لي والدي كلَّ هذهِ الأوراق؟ ولماذا ذكرَ أنَّ "أحمد" قدْ يكونُ مفتاحَ الفهم؟" سألتْ طاهرةُ.
"ربما يا ابنتي، أرادَ لوالدِكِ "أحمد" أنْ يكونَ سندًا لكِ في المستقبل. فهوَ الوحيدُ الذي يعرفُ جزءًا كبيرًا منْ هذهِ القصة. ولكنَّ "يوسف" ربما يكونُ لا يزالُ لهُ أثرٌ في هذهِ الأيام. ويجبُ عليكِ أنْ تكوني حذرةً جدًا."
شعرتْ طاهرةُ بأنَّها تقفُ على حافةِ جرفٍ، ينظرُ إلى هاويةٍ منَ الأسرارِ والمخاطر. كانتْ تحملُ قلبًا طاهرًا، ولكنَّ ماضيَ عائلتِها ملطخٌ بالخيانةِ والطمع.