الفصل 6 / 25

قلب طاهر 191

صدى الأنينِ في أروقةِ الذاكرة

بقلم مريم الحسن

مرتْ الأيامُ ثقيلةً، كغيمٍ أسودَ يحجبُ نورَ الشمس. كانَ الصندوقُ الخشبيُّ الصغيرُ ما يزالُ رفيقَ "ليلى" الصامتَ في غرفتها. لم تيأسْ منْ محاولاتِ فتحه، لكنّ كلَّ محاولةٍ كانتْ تنتهي بالفشل. كانتْ تتفحصُ النقوشَ الدقيقةَ مرارًا وتكرارًا، تبحثُ عنْ أيِّ رمزٍ، عنْ أيِّ علامةٍ قدْ تُشيرُ إلى طريقةِ فتحهِ.

كانتْ تفكرُ مليًا في "أحمد". لماذا تركتْ ذكراهُ أثراً بالغًا في نفسها؟ لماذا استمرتْ مشاعرُها نحوهُ في التوهجِ، رغمَ كلِّ ما مرتْ به؟ هل كانَ مجردَ انجذابٍ عابرٍ، أمْ كانَ شيئاً أعمق، شيئاً لهُ جذورٌ تمتدُّ إلى ماضيٍّ لا تعرفُ عنه شيئاً؟

في أحدِ الأيام، بينما كانتْ تُرتّبُ بعضَ الكتبِ القديمةِ التي ورثتها عنْ جدتها، سقطَ منْ بينِ الصفحاتِ ورقةٌ صفراءٌ، تبدو وكأنّها خرجتْ منْ رحمِ الزمن. حملتْ الورقةَ بيدٍ ترتجفُ، وفردتها بحذر. كانتْ مكتوبةً بخطٍّ نسائيٍّ أنيق، لكنّهُ كانَ مائلًا وغيرَ واضحٍ في بعضِ الكلمات.

"إلى حفيدتي المستقبلية،" بدأَ النص. "إذا وجدتِ هذا، فاعلمي أنّكِ تحملينَ دماءَ امرأةٍ قويةٍ، امرأةٍ عرفتْ الحبَّ والخسارة، والأملَ واليأس. هذهِ الرسالةُ هيَ خيطُ الأملِ الذي أتركهُ لكِ. صندوقي هذا، الذي يحتوي على أسراري، هوَ أمانةٌ لكِ. مفتاحهُ ليسَ منْ معدنٍ، بل منْ كلماتٍ منْ القلب. كلماتٌ تُعيدُ بناءَ ما تهدم، وتُصلحُ ما انكسر."

كانتْ الكلماتُ غامضةً، لكنّها حملتْ في طياتها وعدًا بالكشف. "ليلى" شعرتْ بأنّ قلبها قدْ نبضَ بقوةٍ أكبر. كلماتٌ منْ القلب! ما هيَ هذهِ الكلمات؟

بدأتْ تُفكرُ في كلِّ ما مرتْ بهِ في حياتها. في علاقتها بـ"خالد"، في مشاعرها تجاهَ "أحمد"، في حلمها بالكتابة. هل كانتْ هذهِ هيَ الكلماتُ التي تبحثُ عنها؟

تذكرتْ حديثها معَ "أحمد" عنْ حلمه. كانَ يحلمُ بدارٍ للأيتام. كانَ يُؤمنُ بأنّ الأطفالَ همْ المستقبل. ربما كانتْ هذهِ الفكرةُ هيَ الخيطُ الذي يربطُها بـ"أحمد" وبماضي جدتها.

في مساءِ ذلكَ اليوم، بينما كانتْ تجلسُ وحدها في غرفتها، قررتْ أنْ تُجربَ. أخذتْ الصندوقَ، ووضعتهُ أمامها. أمسكتْ بالورقةِ الصفراءِ، وبدأتْ تُرددُ بصوتٍ خافتٍ الكلماتِ التي خطرتْ ببالها:

"الأملُ في بناءِ المستقبل، والقوةُ في حبِّ الخير، والقلبُ النابضُ بالصدق..."

لم يحدثْ شيء.

شعرتْ بالإحباط. لكنّها تذكرتْ كلامَ جدتها: "كلماتٌ تُعيدُ بناءَ ما تهدم، وتُصلحُ ما انكسر."

كانَ ماضيها مليئًا بقطعٍ مكسورة. كانَ هناكَ فراغٌ في علاقتها بـ"خالد"، وكانَ هناكَ ألمٌ خفيٌّ منْ مشاعرها تجاهَ "أحمد".

فكرتْ مليًا. كانتْ جدتها امرأةً قويةً، وقادرةً على تجاوزِ المصاعب. كانتْ تحبُّ عائلتها.

"الحبُّ الصادقُ، والعفوُ عندَ المقدرة، والسعيُ نحو الحق..."

ما زالَ الصندوقُ صامتاً.

تنهدتْ "ليلى" بعمق. ربما كانتْ الكلماتُ ليستْ بهذهِ البساطة. ربما كانتْ تتطلبُ شيئاً أكثرَ شخصية، شيئاً ينبعُ منْ أعماقِ روحها.

تذكرتْ "أحمد" مرةً أخرى. كانتْ عينانِ فيها حكمةٌ، وصوتٌ فيهِ دفء. كانَ يُشجعها على الكتابة. كانتْ الكتابةُ هيَ شغفها، هيَ عالمها الخاص.

"الكتابةُ هيَ صوتُ الروح، والكلماتُ هيَ جسرُ الفهم، والإيمانُ هوَ النورُ الذي يُضيءُ الدروب..."

وفجأةً، سمعتْ صوتَ طقطقةٍ خافتة. ارتجفتْ يديها. نظرتْ إلى الصندوق، فرأتْ أنّ الغطاءَ قدْ انفتحَ قليلاً.

فتحتهُ بالكامل، ووجدتْ بداخلهِ ليسَ ذهبًا أو جواهر، بل مجموعةً منْ الرسائلِ القديمة، ومذكراتٍ صغيرة، وصورةً باهتةً لامرأةٍ جميلةٍ ذاتِ عينينِ داكنتين. كانتْ جدتها.

بدأتْ "ليلى" تقرأُ الرسائل. كانتْ رسائلَ حبٍّ مؤثرةً، ورسائلَ نصيحةٍ، ورسائلَ حزنٍ وفراق. كانتْ تتحدثُ عنْ قصةِ حبٍّ معقدةٍ، عنْ رجلٍ أحبتهُ جدتها، لكنّ الظروفَ حالتْ بينهما. وكانَ هناكَ إشارةٌ إلى سفرٍ مفاجئٍ لهذا الرجل، وتُركتْ جدتها وحيدةً تحملُ أعباءَ الحياة.

وفي إحدى الرسائل، وجدتْ إشارةً إلى "أحمد". لم يكنْ اسمهُ مكتوباً بالكامل، بل كانَ حرفٌ واحدٌ معَ لقبٍ عائلي. "السيد أ. العظيم".

اتسعتْ عينا "ليلى". هل يمكنُ أنْ يكونَ "أحمد" هوَ نفسُهُ الشخصُ الذي تتحدثُ عنه جدتها؟ هل يمكنُ أنْ يكونَ لهُ علاقةٌ بماضيها؟

بدأتْ مشاعرُها تتشابكُ. كانَ هناكَ صدى لأنينِ جدتها في أروقةِ ذاكرتها. كانتْ تشعرُ بأنّ قصةَ حبٍّ قديمةٍ بدأتْ تتكشفُ أمامها، وأنّها قدْ تكونُ جزءًا لا يتجزأُ منها.

كانَ الصندوقُ قدْ فتحَ أبوابَ الماضي، لكنّهُ تركَ "ليلى" في دوامةٍ منْ التساؤلات. هل كانَ "أحمد" يعلمُ بهذا؟ هل كانَ يعرفُ أنّهُ يحملُ بينَ جوانحهِ قصةَ حبٍّ قديمةٍ، قصةً قدْ تكونُ مفتاحًا لفهمِ علاقتها بهِ، ولربما لفهمِ ماضي عائلتها بأكملها؟

نظرتْ إلى الصورةِ الباهتةِ لجدتها، وشعرتْ برابطٍ قويٍّ يربطها بها. كانَ عليها أنْ تُكملَ قراءةَ المذكرات، وأنْ تبحثَ عنْ المزيدِ منَ الخيوطِ المفقودة. كانَ طريقُ الكشفِ قدْ بدأَ للتو، وكانتْ الأسرارُ تتوالى، كلُّ سرٍّ يحملُ في طياته ألمًا، وأملًا.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%