الفصل 8 / 25

قلب طاهر 191

همساتٌ في دهاليز الروح

بقلم مريم الحسن

تسللت الشمس بخيوطها الذهبية الأولى، محاولةً اختراق حجاب الليل الذي ما زال يخيم على أرجاء بيت العم صالح. في غرفته، التي تعبق برائحة بخور العود وعبير الأمس، استيقظ عمر قبل الأوان. لم يكن استيقاظه ناتجاً عن ضوء الصباح، بل عن ثقلٍ يسكن صدره، وهمٍ يطوف بأفكاره كطائرٍ شارد. الليلة الماضية كانت مليئةً بالشجن، بكلماتٍ لم تُقل، وبنظراتٍ تبادلت فيها الأرواح لغةً أعقد من أي حديث.

تذكر كيف استقر بصره على وجه نور، كيف بدت كأنها قطعةٌ من السماء هبطت إلى الأرض، تتلألأ برقةٍ وخجل. كانت ابتسامتها، تلك الابتسامة التي تختبئ خلف أصابعها حين تستحيا، قد تركت أثراً عميقاً في روحه. حاول أن يستعيد تفاصيل تلك اللحظات، حين كان والده يتحدث عن تاريخ العائلة، وعن شؤون التجارة، بينما كانت عيناه تتسلل خلسةً نحوها، مستشعراً قربها، ودافئاً بوجودها.

لكن سرعان ما عاد إلى واقعه المرير. ما زال ملف قضية والدته المعلق يلقي بظلاله الكئيبة على حياته. كانت تلك الحقيقة، رغم مرارتها، تمثل حجر الزاوية في كيانه، تتشابك خيوطها مع كل خطوة يخطوها، وكل قرار يتخذه. وفوق كل ذلك، كان صراع والده، تلك المعركة الصامتة التي يخوضها ضد ماضٍ ملطخٍ بالظلم، هي الدافع الذي يدفعه إلى الأمام، ولكنه أيضاً يثقل كاهله.

نهض عمر من فراشه، وذهب إلى ناحية النافذة. فتح الستائر الثقيلة، ليسمح لشعاع الشمس بالدخول. انقشع الغبار المتراقص في الضوء، ليبدو المكان أكثر وضوحاً، ولكن أيضاً أكثر كآبة. نظر إلى حديقة المنزل، حيث تتفتح الأزهار بألوانها الزاهية، وكأنها تسخر من أحزانه. كان يتمنى لو أن بإمكانه أن يقطف من تلك الأزهار، ليقدمها لنور، ليُظهر لها ما يكنه قلبه من مشاعر نقية، لكن تلك المشاعر كانت محاطةً بسياجٍ من المسؤوليات والأسرار.

في غرفةٍ أخرى، كانت نور تستيقظ على وقع أذان الفجر. شعرت ببرودةٍ خفيفةٍ تسري في جسدها، فرفعت الغطاء عن وجهها. تذكرت هي الأخرى ما حدث بالأمس. كانت اللحظات التي قضتها قرب عمر، وهي تسمع حديثه عن شغفه بالكتب، وعن أحلامه التي تتجاوز حدود ضيق العيش، قد ملأت قلبها بشعورٍ غريب. شعورٌ بالراحة والأمان، وبالإعجاب الذي بدأ يتسلل إلى أعماق روحها.

كانت تتساءل عن طبيعة العلاقة التي بدأت تتشكل بينهما. هل هي مجرد صداقةٍ نابعةٍ من ظروفٍ تجمع بينهما؟ أم أن هناك شيئاً أعمق، شيئاً لا يستطيع العقل أن يحكمه، بل القلب وحده؟ كانت تخشى أن يكون ذلك الشعور مجرد وهمٍ، أو خيالٍ جميلٍ سرعان ما يتبدد. كانت تريد أن تكون الأمور واضحةً، نقيةً، خاليةً من أي تعقيداتٍ يمكن أن تشوه جمالها.

تذكرت كيف توقف عمر عن الكلام فجأةً حين تحدثت عن أملها في رؤية العدالة تتحقق. كيف تغيرت ملامح وجهه، وكيف بدت عيناه غارقتين في بحرٍ من الذكريات المؤلمة. عرفت حينها أن هناك قصةً تخفيها، قصةً أثقلت روحه وجعلت قلبه هشاً. كانت تتمنى لو تستطيع أن تخفف عنه، لو تستطيع أن تكون له السند، لكنها كانت تشعر بأنها غريبةٌ في عالمه، وأن ماضيها ليس بنفس ثقل ماضيه.

نهضت نور، وتوجهت إلى المصلى الصغير في غرفتها. أدت صلاتها بخشوعٍ، داعيةً الله أن يهديها الصراط المستقيم، وأن يكشف لها الحق. لم تكن تدري لماذا، ولكنها شعرت بأن مستقبلها مرتبطٌ بمستقبل عمر، وأن مسار حياتهما قد تشابكت بطرقٍ غامضة.

في أثناء ذلك، كان العم صالح يحتسي قهوته الصباحية في شرفته المطلة على الرياض. كان يراقب أبناءه وبناته وهم يتحركون في أرجاء المنزل، كلٌ منهم في عالمه الخاص. كانت نور، بحيائها ورقة مشاعرها، تذكره بوالدتها، كانت تمثل له البراءة والنقاء. أما عمر، فكان يرى فيه شبابه، ولكن أيضاً ثقل المسؤولية الذي بدأ يلقي بظلاله عليه.

كان العم صالح على درايةٍ بما يدور في أرجاء بيته. كان يرى التقارب بين عمر ونور، وكان يشعر بما في قلبيهما من مشاعرٍ ناشئة. كان يريد لهما الخير، ولكن كانت هناك عقباتٌ تحول دون ذلك. كانت قضية والدة عمر، والتي حاول هو بنفسه أن يخفي آثارها، تمثل عقبةً كبيرة. كان يخشى أن تكشف الأسرار، وأن تعود الأحقاد القديمة لتطارد أبناءه.

"يا رب، الطف بعبادك," تمتم العم صالح بصوتٍ خافت، وهو ينظر إلى الأفق. كانت تلك الدعوة تتكرر في قلبه كل صباح، مع كل شروق شمس. كان يعلم أن الخير كل الخير في يد الله، وأنه ما عليه إلا أن يسعى ويجتهد، وأن يدعو الله بالتوفيق.

كانت ساعات الصباح الأولى تحمل معها همساتٍ، ونداءاتٍ صامتةٍ في دهاليز الروح. كلٌ من عمر ونور كان يخوض معركته الداخلية، يتصارع مع ماضيه، ويتطلع إلى مستقبلٍ غامض. كانت الروابط التي بدأت تتشكل بينهما أقوى مما تبدو عليه، ولكنها كانت أيضاً محاطةً بأسوارٍ من الأسرار والخوف. وكان على الأيام أن تكشف ما تخبئه، وما إذا كانت تلك الهمسات ستتحول إلى لحنٍ عذب، أم ستظل مجرد أصداءٍ باهتةٍ في فراغ الروح.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%