قلب طاهر 191
خيوطٌ تتشابك في سراديب الماضي
بقلم مريم الحسن
بعد أن أدت نور صلاتها، وارتدت ثيابها التي بدت وكأنها نسجت من نور الفجر، نزلت إلى المطبخ حيث كانت والدتها، السيدة فاطمة، تعد الفطور. كانت رائحة خبز التنور الطازج تنتشر في الأرجاء، ممزوجةً بعبير القهوة العربية الأصيلة.
"صباح الخير يا بنتي," قالت السيدة فاطمة، وهي تلتفت نحو ابنتها بابتسامةٍ دافئة. كانت عيناها، رغم علامات الزمن التي بدأت تظهر حولهما، تحملان بريقاً من الحب والأمل.
"صباح النور يا أمي," أجابت نور، وهي تقبل يد والدتها. "هل تحتاجين مساعدة؟"
"لا يا حبيبتي، كل شيء على ما يرام. اجلسي، فالطعام جاهز."
جلست نور إلى المائدة، وبدأت تتناول الإفطار. كان صمتٌ لطيفٌ يسود المكان، صمتٌ مليءٌ بالسكينة، ولكن أيضاً ببعض الأسئلة التي تدور في ذهن نور. كانت تريد أن تسأل والدتها عن أشياء كثيرة، عن تفاصيل قديمة، عن حكاياتٍ سمعتها مبعثرةً، ولكنها لم تجد الوقت أو الجرأة المناسبة.
"يا أمي," بدأت نور بتردد، "هل تتذكرين عندما كنت صغيرة، وكيف كانت جدتي تحدثنا عن أيام مضت؟"
نظرت السيدة فاطمة إلى ابنتها بتعجبٍ خفيف. "نعم يا نور، أذكر. كانت تحب أن تحكي القصص. ما الذي يدور في بالك؟"
"كنت أتساءل عن بعض الأشياء. عن بعض العائلات التي كانت لها علاقة بجدتنا. هل كان هناك خلافاتٌ قديمة؟"
تنهدت السيدة فاطمة، ونظرت بعيداً نحو النافذة. "يا ابنتي، كل عائلةٍ لها تاريخها، ولها ماضيها. والماضي غالباً ما يحمل معه بعض الظلال. كانت هناك علاقاتٌ معقدةٌ، وربما بعض الخلافات، ولكن كل ذلك مرَّ وانقضى. المهم هو أن نحافظ على صلة الرحم، وأن نكون متسامحين."
شعرت نور بأن إجابة والدتها كانت واقية، وأنها تخفي وراءها الكثير. كانت تعرف أن والدتها لا تحب الخوض في تفاصيل الماضي المؤلمة، وأنها تفضل التركيز على الحاضر والمستقبل. لكن نور كانت تشعر بأن فهم الماضي هو المفتاح لفهم الحاضر، وربما لمستقبلها أيضاً.
في هذه الأثناء، كان عمر في مكتب والده. كان يراجع بعض الوثائق القديمة، التي تخص أعمال الشركة. كان والده، السيد أحمد، قد ترك له مهمةً شاقة، وهي ترتيب بعض القضايا المالية التي كانت معلقةً منذ زمنٍ بعيد. كان عمر يشعر بعبءٍ كبيرٍ يقع على كاهله، فوالده كان رجلاً صارماً، ويدقق في كل التفاصيل.
"هل وجدت شيئاً مهماً يا عمر؟" سأل السيد أحمد، وهو يدخل المكتب. كان صوته يحمل بعض التعب، ولكنه أيضاً بعض الحزم.
"لا شيء بعد يا أبي. مجرد بعض الإيصالات القديمة، وسجلاتٍ تحتاج إلى تدقيقٍ دقيق."
"عليكَ أن تكون حذراً يا بني. هذه الأمور حساسةٌ، وقد تحمل في طياتها ما لا نتوقعه. لا تتردد في سؤالي عن أي شيء."
"بالطبع يا أبي."
نظر السيد أحمد إلى ابنه، وارتسمت على وجهه علامات القلق. كان يعلم أن عمر لا يعرف كل شيء عن ماضي العائلة، وخاصةً فيما يتعلق بقضية والدته. كان يخشى أن يكشف عمر عن حقائق قد تهز عالمه، وتهز استقراره.
"هل تعلم يا عمر," قال السيد أحمد بصوتٍ خافت، "أن الحياة ليست دائماً كما تبدو؟ وأن بعض الأشياء التي تبدو واضحةً، تخفي وراءها الكثير من التعقيدات؟"
حدق عمر في والده. "ماذا تقصد يا أبي؟"
"لا شيء يا بني. مجرد نصيحة. عليك أن تكون قوياً، وأن تواجه التحديات بشجاعة. ولكن أيضاً، عليك أن تكون حكيماً، وأن تعرف متى تتوقف، ومتى تسأل."
شعر عمر بأن والده كان يحاول أن يلمح إلى شيءٍ ما، إلى سرٍ دفينٍ. كانت العلاقة بينهما علاقة احترامٍ عميق، ولكنها كانت أيضاً تحمل بعض المسافة، مسافةٌ نتجت عن سنواتٍ طويلةٍ من الصمت والغموض.
في ذلك الوقت، كانت السيدة ليلى، زوجة العم صالح الثانية، وابنة عم عمر، في غرفتها، تتصفح مجلةً أنيقة. كانت تضع على وجهها مساحيق التجميل، وتستعد للخروج. كانت السيدة ليلى امرأةً ذات طموحاتٍ كبيرة، وكانت ترى في عمر فرصةً لتحقيق بعض تلك الطموحات.
كانت قد لاحظت التقارب بين عمر ونور. كان ذلك التقارب يثير لديها بعض القلق، وشيئاً من الغيرة. كانت تخشى أن يؤثر ذلك على مستقبلها، ومستقبل ابنها الوحيد، سمير. كانت ترى في نور فتاةً بريئةً، سهلة الانقياد، ولكنها أيضاً تملك بعض التأثير على عمر.
"يا إلهي، كم هي مزعجة هذه الفتاة," قالت السيدة ليلى لنفسها، وهي تتأمل صورةً لنور في إحدى الصحف. "لماذا يجب أن تكون دائماً في الطريق؟"
كانت السيدة ليلى تخطط لشيءٍ ما. كانت تتحدث هاتفياً مع إحدى صديقاتها، وهي تبتسم بخبث. "نعم، أعتقد أن الوقت قد حان للتحرك. يجب أن نضع حداً لهذه العلاقة قبل أن تتطور."
كانت خيوط الماضي تتشابك مع خيوط الحاضر في سراديب هذا البيت الكبير. كل شخصٍ كان لديه أجندته الخاصة، وأسراره الدفينة. كانت قضية والدة عمر، وهي القضية التي بدأت نور وعمر يشعران ببعض من عبئها، تلوح في الأفق كظلٍ خفي، ينتظر اللحظة المناسبة ليظهر. وكان على عمر ونور أن يدركا أن عالمهما، الذي بدأ يتشكل من مشاعرٍ بريئةٍ ورغباتٍ صادقة، كان محاطاً بمخاطرٍ لا يعلمان بها بعد.