زواج بالقدر 192
نساءٌ في حياته: ظلٌّ ماضٍ وحاضرٌ مشرق
بقلم فاطمة النجار
كانت أيام ليلى الأولى بعد اكتشافها مفكرة فارس مليئةً بالهدوء النسبي، ممزوجةً بفرحٍ عميقٍ وسعادةٍ غامرة. لقد أصبحت رؤيتها لفارس أكثر نضجاً ووعياً، وتحولت مشاعر الإعجاب الأولية إلى حبٍّ راسخٍ وأكثر عمقاً. كانت تشعر بأنها تعرفه الآن على نحوٍ أفضل، وأنها قادرةٌ على فهم دوافعه وصراعاته، وهذا ما زاد من قوة ارتباطها به.
ومع ذلك، كانت هناك "أصداء" من الماضي لا تزال تتردد في أرجاء واحة عائلة فارس. كان أهل المنطقة، الذين يعرفون عائلته عن كثب، يتناقلون الأحاديث حول فارس. لم تكن الأحاديث سلبيةً تماماً، لكنها كانت تحمل آثاراً من الماضي. بعض العجائز كنّ يتحدثن عن "فارس الشاب الطائش"، وعن بعض العلاقات التي كانت تربطه ببعض الفتيات قبل أن "يستقر". هذه الأحاديث، التي كانت تصل إلى ليلى بطرقٍ ملتوية، بدأت تثير فيها بعض القلق الخفي، قلقٌ لم يكن مبنياً على عدم الثقة بفارس، بل على طبيعة البشر وحبهم للثرثرة.
في أحد الأيام، وبينما كانت ليلى تتناول الشاي مع جدتها، ذكرت لها الجدة أن "فلانة" من أهل القرية قد طلبت زيارتها. "ومن هي فلانه يا جدتي؟" سألت ليلى. "إنها والدة سعيد. سعيدٌ كان صديقاً لفارس في أيام الشباب، وكان يعرفه عن قرب." قالت الجدة بصوتٍ فيه شيءٌ من التحفظ. لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى وصلت "أم سعيد" إلى بيت العم أحمد. كانت امرأةً في منتصف العمر، ترتدي ملابسَ فخمة، وتبدو عليها علامات الثراء. كانت تحمل في يدها سلةً مليئةً بالحلويات والتمور الفاخرة.
كان استقبال ليلى حاراً، ولكنه كان يحمل في طياته شيئاً من التملق. بدأت أم سعيد تتحدث عن فارس، عن "أيام الشباب الجميلة"، وعن "علاقاته القديمة". "يا ليتها لم تكن مجرد علاقات عابرة. كانت هناك فتاةٌ اسمها 'نورا'، كانت تحبه كثيراً، وكان هو يبادلها الشعور. ولكن الظروف حالت دون زواجهما. لقد كانت صدمةً لها." قالت أم سعيد، وهي تنظر إلى ليلى بنظرةٍ فيها شيءٌ من الشفقة، أو ربما شيءٌ آخر. "نورا؟" سألت ليلى، وقد شعرت ببرودةٍ تسري في جسدها. "ومن تكون نورا؟" "إنها ابنة عمٍّ بعيدٍ لفارس، كانت تسكن في القرية المجاورة. كانت جميلةً جداً، ولكنها حزينةٌ منذ أن تخلى عنها فارس. لا أعرف لماذا تخلى عنها، ربما وجد من هي أفضل منها." قالت أم سعيد، وهي ترمق ليلى بنظرةٍ سريعة. شعرت ليلى بأن هذه الزيارة ليست عادية. شعرت بأنها محاولةٌ لزرع بذور الشك في قلبها، أو ربما للتذكير بـ"شخصيات" كانت في حياة فارس.
بعد أن غادرت أم سعيد، جلست ليلى مع جدتها، وقد بدا عليها الاضطراب. "يا جدتي، هل كانت هذه الأمور تحدث بالفعل؟" سألت بصوتٍ مرتعش. نظرت الجدة إلى حفيدتها بحنانٍ. "يا ابنتي، الحياة يا ليلى فيها ألوانٌ كثيرة. وفي شباب فارس، كانت هناك فتياتٌ عرفهن. ولكن الله تاب عليه، وهداه. أم سعيد هذه، ربما تريد أن تثير الفتنة، أو ربما تريد أن تتذكر أيام الماضي." "ولكن إذا كان الأمر صحيحاً، إذا كان فارس يحب فتاةً أخرى، ثم تركها... ألا يدل ذلك على عدم وفائه؟" "يا ليلى، الإنسان يتغير. والأشخاص يتغيرون. وفارس الذي تعرفينه الآن، هو الذي اختاره الله لكِ. أما ما كان في الماضي، فهو ماضٍ وانتهى. الأهم هو ما أنتِ عليه الآن، وما هو عليه. هل ترين فيه ما يثير الشك؟" "لا، أبداً. هو رجلٌ عظيم، وأنا أحبه بشدة." "إذن، اطردي هذه الوساوس من قلبك. الناس يحبون الكلام، ولكن القلوب الصادقة هي التي تبني. فارس اختاركِ أنتِ. لماذا؟ ربما لأنكِ الأنسب له، لأن روحكِ طاهرةٌ كطهارة هذا المكان."
أخذت ليلى كلام جدتها بعين الاعتبار. قررت أن تواجه فارس بنفسها، ولكن ليس بطريقةٍ اتهامية، بل بطريقةٍ تبني المزيد من الثقة. في المساء، عندما ذهب فارس لزيارتها، تحدثت معه بهدوء. "يا فارس، هل تعرف فتاةً اسمها نورا؟" سألت بلطف، وقد حاولت أن تخفي اضطرابها. نظر إليها فارس، وقد بدا عليه شيءٌ من الدهشة. "نورا؟ نعم، كانت تسكن في القرية المجاورة. لماذا تسألين؟" "اليوم، زارتنا أم سعيد، وذكرت اسم نورا. وقالت إنك كنت تحبها." شعر فارس بأن وجهه احمرّ قليلاً. "يا ليلى، دعيني أفسر لكِ. في فترةٍ من شبابي، كنتُ أرى نورا. كانت فتاةً جميلةً، طيبةً. كان الناس في القرية يرون أننا سنكون زوجين. ولكن قلبي لم يكن يتعلق بها حقاً. كانت مجرد مرحلةٌ عابرة. لم أكن أدرك معنى الحب الحقيقي حينها. وعندما عرفتُ معنى الحب، ومعنى الالتزام، علمتُ أنني لا أريد أن أخدع أحداً. وأنا لم أعد أتذكرها جيداً، كل ما أتذكره هو أنني فضلتُ الابتعاد عن الجميع، وعنها، لأجد طريقي. أما أم سعيد، فربما تريد أن تذكرنا بالأيام القديمة، أو ربما تريد أن تقارن بين الماضي والحاضر." "وماذا عن ماضيها هي؟ هل كانت تحبك حقاً؟" سألت ليلى، وهي تبحث عن الطمأنينة في عينيه. "نعم، كانت." قال فارس بصدق. "ولكنني لم أستطع أن أكون الشخص الذي تتمناه. كان قدرها أن تتزوج من شابٍ آخر، وأنا الحمد لله، وجدتكِ." عانقته ليلى بقوة. "أنا أحبك يا فارس. وأثق بك. كل ما مضى، هو ماضٍ. وما يهم هو حاضرنا ومستقبلنا." "وأنا أحبكِ يا ليلى. أكثر مما تتصورين. أنتِ نور حياتي، وأملي الذي لا ينقطع. لقد كنتِ أنتِ الحلم الذي لم أكن أجرؤ على أن أحلمه." قال فارس، وقد استقرت روحه.
في تلك اللحظة، عرفت ليلى أن ماضي فارس ليس عائقاً، بل هو شهادةٌ على رحلته. لقد تجاوز أخطاءه، وتعلم منها، وأصبح أقوى وأكثر حكمة. كانت "نورا" مجرد ظلٍّ من ماضٍ بعيد، بينما كانت ليلى هي الحاضر المشرق، والمستقبل الأجمل.
لم تكن قصة "نورا" هي الوحيدة التي سمعت بها ليلى. سمعت أيضاً عن "زينب"، وهي فتاةٌ كانت تعمل في مزرعة والد فارس، وكان هناك حديثٌ عن اهتمامٍ خاصٍ بينهما. ولكن عندما واجهت فارس بهذه القصة، ابتسم بهدوء. "زينب؟ نعم، كانت فتاةً طيبةً، ومجتهدةً. ولكن كل ما كان بيننا كان مجرد احترامٍ لعملها. كانت والدتي تحبها، وكانت ترى فيها الابنة التي لم تنجبها. أما أنا، فلم أرى فيها سوى فتاةً مجتهدةً. ربما خلط الناس بين حب الأم لها، واهتمامها بها، وبين اهتمامي بها." "وهل تفهم ذلك، يا فارس؟ هل تفهم كيف يمكن أن تُفهم الأمور بشكلٍ خاطئ؟" "بالتأكيد يا ليلى. وهذا هو سبب أهمية التواصل والصدق. كل ما كان بيني وبين أي امرأةٍ قبل أن ألتقي بكِ، كان مجرد صفحةٍ طويت. أنتِ الصفحة الجديدة، أنتِ الكتاب الذي سأبدأ في كتابته. أنتِ الحياة."
كانت ليلى تشعر بأنها أقوى، وبأن ثقتها بفارس قد ازدادت. لقد أظهر لها عمقاً في فهمه، وصراحةً في تعامله. لقد أثبت لها أنه ليس مجرد شابٍّ غنيٍّ، بل رجلٌ يحمل في قلبه الكثير من المشاعر، ولديه القدرة على الحب الحقيقي، الحب المبني على التفاهم والاحترام.
في تلك الليلة، نامت ليلى قريرة العين. كانت تفكر في فارس، وفي حبه لها. كانت تعلم أن هناك نساءً قد مررن بحياته، ولكن كل واحدةٍ منهن كانت مجرد فصلٍ قصيرٍ في كتابٍ طويل. أما هي، فقد كانت البطلة الرئيسية، والمستقبل المشرق، والفصل الذي سيبدأ الآن، فصلٌ مليءٌ بالحب، وبالإيمان، وبالسعادة الحلال.