زواج بالقدر 192
رقصة الشوق وعطر الخطوبة
بقلم فاطمة النجار
تزايدت الأحاديث حول قرب موعد الزواج، وزادت الاستعدادات بوتيرةٍ متسارعة. كانت الواحة تعجّ بالحياة، والبهجة باديةٌ على وجوه الجميع. كانت عائلة فارس وعائلة العم أحمد يتعاونان في تنظيم كل شيء، من تفاصيل الحفل إلى تجهيزات بيت الزوجية. كانت ليلى، في وسط كل هذا، تشعر بمزيجٍ من الفرح والقلق. الفرح لقرب زواجها بمن تحب، والقلق من التغييرات الكبيرة التي ستطرأ على حياتها، ومن تحمل مسؤولية بيتٍ وأسرة.
في أحد الأيام، وبينما كانت ليلى تتسوق مع عمّتها، السيدة فاطمة، لشراء بعض الأقمشة لفستان الزفاف، تحدثت العمّة فاطمة عن تجهيزات فارس لبيت الزوجية. "لقد بذل فارس جهداً كبيراً في تجهيز البيت يا ليلى. يريد أن تكون كل شيءٍ مثالياً لكِ. لقد اختار أثاثاً راقياً، وزين البيت بأجمل الألوان. حتى أنه طلب من مهندسٍ معماريٍّ أن يقوم ببعض التعديلات البسيطة ليصبح المنزل أكثر ملاءمةً لكم." ابتسمت ليلى، وشعرت بامتنانٍ كبيرٍ لفارس. "إنه كريمٌ جداً، ولا أريد أن أثقل عليه." "لا تقولي هذا يا ابنتي. فارس يحبك، ويريد أن يراكِ أسعد امرأةٍ في الدنيا. ووالدته كانت تحلم دائماً بأن ترى ابنها سعيداً في بيته. هذه هي فرصة فارس ليحقق حلم والدته، ويحقق سعادته." "هل كانت والدة فارس تهتم بالتفاصيل بهذا الشكل؟" سألت ليلى، وقد عادت إليها صورة المفكرة القديمة. "نعم، جداً. كانت امرأةً عظيمة، حكيمة. كانت تعرف كيف تبني أسرةً سعيدة. فارس ورث عنها الكثير من الصفات الحميدة."
تحدثت السيدة فاطمة عن والدة فارس بحبٍّ واحترام، مما جعل ليلى تشعر بأنها تعرفها أكثر. كانت تتخيلها امرأةً عظيمة، امرأةً استطاعت أن تربي ابناً بهذه الروعة، وبهذا القدر من النضج.
في هذه الأثناء، كان فارس يشعر هو الآخر بشوقٍ لا يوصف للقاء ليلى. كانت الفترة التي تسبق الزواج فترةً صعبةً ومليئةً بالترقب. كان يزورها كل يوم، يتحدثان عن تفاصيل حياتهما، عن أحلامهما، وعن المستقبل. كانت لقاءاتهما أشبه برقصةِ شوقٍ، كلٌّ منهما يقترب من الآخر، يحاول أن يفهم أعماق روحه.
في إحدى هذه اللقاءات، سألت ليلى فارس عن والدته. "يا فارس، هل يمكن أن تحدثني عن والدتك؟ أود أن أعرف عنها أكثر." نظر فارس إلى ليلى، وقد لمعت عيناه بالدموع. "والدتي... كانت كل شيءٍ في حياتي. كانت معلمتي، وصديقتي، وملجأي. كانت امرأةً عظيمة، ذات قلبٍ كبيرٍ وعطاءٍ لا ينتهي. لقد علمتني كل شيءٍ تعلمته في حياتي، علمتني معنى الحب، ومعنى التضحية، ومعنى الإيمان. بعد وفاتها، شعرتُ بأنني فقدتُ نصف روحي. ولكنني كنتُ أؤمن بأن الله لن يتركني وحدي. وأن والدتي، في مكانها، تدعو لي دائماً." "وهل كنتِ تحبها كثيراً؟" سألت ليلى، وهي ترى الألم في عينيه. "أكثر من أي شيءٍ في هذا العالم. لقد كانت نجمتي التي تهتدي بها. وفقدانها كان أصعب ما مررت به. ولكن عزائي الوحيد أنني أصبحتُ على الطريق الذي أرادته لي. وأنني سأحاول جاهداً أن أكون الابن الذي تفتخر به، والزوج الذي تبحث عنه." "وأنا يا فارس، سأحاول أن أكون الزوجة التي ترضى عنها والدتك. سأكون لكِ السند، والصديقة، والرفيقة. سنبني حياتنا معاً، بإذن الله، على ما تعلمناه منها." قالت ليلى، وقد أمسكت بيده بقوة.
شعر فارس بأن روح والدته تحلق حولهما، تبارك هذه اللحظة. لقد وجد في ليلى كل ما كان يتمناه. وجد فيها الحب، والوفاء، والأصالة. وجد فيها الرفيقة التي ستشاركه مسيرة الحياة.
في يومٍ من الأيام، قررت ليلى أن تزور قبر والدة فارس. ذهبت مع عمّتها فاطمة، ومع بعض النساء من العائلة. كانت الزيارة هادئة، مليئةً بالدعاء والسكينة. وضعت ليلى باقةً من الورد على القبر، وهمست: "أهلاً بكِ يا والدة فارس. أنا ليلى، زوجة ابنك. سأحرص على إسعاده، وسأكون له خير سند. أتمنى أن تكوني راضيةً عني."
عندما عاد فارس إلى المنزل، أخبرته عمّته فاطمة بزيارة ليلى للقبر. شعر فارس بسعادةٍ غامرة. كانت هذه اللفتة الطيبة من ليلى تعني له الكثير. كانت دليلاً على حبها، وعلى تقديرها لعائلته، وعلى رغبتها في بناء جسورٍ من المودة والاحترام.
"لقد أعجبتني ليلى كثيراً يا أمي. إنها كنزٌ ثمين. لقد وجدت فيها كل ما كنتِ تبحثين عنه في ابنةٍ لي." قال فارس، وهو ينظر إلى السماء.
ومع اقتراب موعد الزفاف، ازدادت الأحاديث عن "قائمة الشوبينج" التي أعدتها ليلى. كانت مهتمةً بأن يكون كل شيءٍ بسيطاً وأنيقاً، وأن يعكس ذوقها الأصيل. اشترت ملابسَ بسيطةً للبيت، وملابسَ خروجٍ محتشمة، وبعض العطور الشرقية الفواحة. كانت تخطط لأن تكون زوجةً مسؤولة، تهتم ببيتها وزوجها.
في إحدى الليالي، وبينما كان فارس وليلى يتحدثان، سألته ليلى: "يا فارس، هل لديك أي شروطٍ معينةٍ لحياتنا الزوجية؟ أي أمورٍ تريد أن نلتزم بها؟" فكر فارس قليلاً، ثم قال: "أولاً، رضا الله، ثم رضا الوالدين. ثانياً، الصدق والصراحة بيننا في كل شيء. ثالثاً، الاحترام المتبادل. رابعاً، أن نحافظ على صلاتنا، وأن نجعل بيتنا مكاناً يذكر فيه اسم الله. وخامساً، وأن نحب الخير للآخرين، وأن نتصدق بما رزقنا الله." ابتسمت ليلى. "هذه شروطٌ عظيمة، وشروطٌ كلها في مصلحتنا. أنا موافقةٌ عليها كلها." "وأنا متأكدٌ أنكِ ستكونين خير زوجةٍ لي. وستكونين خير أمٍّ لأولادنا."
كانت هذه الحوارات بمثابة "رقصة شوق" قبل الزفاف. كانت ترقص قلوبهما معاً، ترسم لوحةً رائعةً من الحب، والأمل، والتفاؤل. كان عطر الخطوبة يفوح في الأجواء، عطرٌ يمتزج فيه عبق الورد، ورائحة البخور، وعبير المستقبل الواعد.
كانت الأيام تمرّ كلمح البصر، وكل يومٍ يحمل معه وعداً جديداً. كانت ليلى تشعر بأنها أقرب إلى فارس، وأقرب إلى تحقيق أحلامها. لقد وجدت في هذا الزواج المبارك، ليس فقط شريك حياة، بل روحاً توأم، وقلباً ينبض بحبها.