زواج بالقدر 192
زهرة البرتقال ورائحة الماضي
بقلم فاطمة النجار
كانت نسمة عليلة، تحمل معها عبق زهر البرتقال، تتسلل عبر شرفات قصر آل الشريف. في جوف الليل، حيث يهدأ الصخب وتستريح العيون، كانت نوران تجلس وحيدة، تتأمل ضوء القمر المتناثر على حديقة القصر الغناء. لم يكن الصفاء الذي اعتادت عليه في هذه الساعات هو ما يشغل بالها، بل كان هناك ضيق خفي، ينمو ويكبر في صدرها كشجرة ظل لم تُسقَ.
لم يمضِ وقت طويل على لقائها بحسام، ابن عمها الذي عاد من الغربة بعد سنوات طوال، حتى بدأت أمور لم تكن في الحسبان تتكشف. لقد كان حسام رجلاً يعتمد عليه، بحديثه الهادئ وعينيه اللامعتين بالذكاء، وبكل ما يحمله من إرث عائلي مرموق. كان والده، عمها الأكبر، يراه زوجاً مثالياً لابنته الوحيدة، وربما كان هذا هو الشعور الذي يتقاسمه مع والدها. لكن نوران، في أعماق روحها، شعرت بأن شيئاً ما لا يزال ناقصاً.
كانت الأيام الأولى من خطبتها لحسام تسير على ما يرام، بل ربما كانت أفضل مما توقعت. كان لطيفاً، مهذباً، ويحرص على إرضائها، وكانت خططه المستقبلية تضفي على حياتها بريقاً من الأمل. لكن في كل مرة كان يتحدث فيها عن مستقبل يجمعهما، كانت ترى في خيالها صورة أخرى، صورة لرجل آخر، لرجل لم يسمح لها الزمن بلقائه سوى لحظات قليلة، لكن بصمته تركت أثراً لا يُمحى.
كانت تلك اللحظات القليلة مع خالد، الشاب الذي قابلته في معرض الكتاب، كالحلم الذي لا يزال يراودها. كان حديثه عن الشعر، عن شغفه بالكتب، عن رؤيته للعالم، قد أضاء في روحها شيئاً لم تكن تعرف بوجوده. كانت هناك كيمياء غريبة، تواصل روحي عميق، تجاوز حدود الكلمات. لكن القدر، ذلك الساحر الماكر، فرق بينهما بسرعة البرق.
تنهدت نوران بعمق، ومررت أناملها على حافة نافذتها المطلة على شرفة الحديقة. تذكرت أول لقاء جمعها بخالد. كان في ركن هادئ من المعرض، بين رفوف الكتب القديمة. كانت تبحث عن ديوان شعر نادر، وفجأة، امتدت يد لتناول نفس الكتاب. التقت عيونهما، وللأبد، في تلك اللحظة. كان يبتسم ابتسامة دافئة، كشمس الصباح تخترق غيوم الشتاء. تحدثا طويلاً، نسيا كل شيء حولهما. اكتشفت أن لديه نفس الشغف بالأدب، وأن نظرته للحياة تتناغم مع رؤيتها. كانت تلك الساعات الثمينة بمثابة رحلة استكشافية إلى أعماق الروح، اكتشفت فيها نوران جانباً من ذاتها كانت قد أغفلته.
لكن والدها، الذي كان يرى في زواجها من حسام مصلحة للعائلة، لم يمنحها فرصة للتفكير. كان حسام قد عاد في الوقت المناسب، وبدا وكأنه الورقة الرابحة التي ستضمن استقرار العائلة. وبينما كانت نوران في دوامة المشاعر المتضاربة، وجدت نفسها مخطوبة لرجل لم تختره قلوبها.
في تلك الليلة، وفي خضم أفكارها، لمحت في زاوية الحديقة، تحت شجرة الياسمين العتيقة، ضوءاً خافتاً. كان نوراً غير مألوف، لم ترَ مثله من قبل. قادها فضولها نحو ذلك الضوء. نزلت الدرج بهدوء، وحاولت ألا تحدث أي صوت. كل خطوة كانت تحمل معها ترقباً ممزوجاً بالخوف.
عندما اقتربت، لمحت شخصاً واقفاً تحت الشجرة، يقف وظهره لها. كان طويل القامة، نحيل البنية، ويرتدي ملابس داكنة. بدا وكأنه ينتظر أحداً. اقتربت أكثر، وفي قلبها رجفة غريبة. هل يمكن أن يكون؟ هل يمكن أن يكون هذا الرجل هو...؟
"من هناك؟" نطق صوتها بخفوت، يحمل صدى من التساؤل والقلق.
استدار الرجل ببطء. وفي تلك اللحظة، تجمد الدم في عروق نوران. لم يكن سوى... خالد.
كان وجهه شاحباً، وعيناه تبدوان أعمق وأكثر حزناً مما تتذكر. كان يحمل في يده كتاباً قديماً، والغلاف مهترئ.
"نوران..." تمتم باسمها، وكأنه يخشى أن يكون وهماً.
ذهلت نوران. كيف وصل إلى هنا؟ وكيف لم يخبرها أحد بعودته؟ كانت كل الأسئلة تتسابق في عقلها، تتضارب مع مشاعر لم تستطع السيطرة عليها.
"خالد! كيف...؟" قالت بصوت مختنق، بالكاد استطاعت النطق.
اقترب منها بخطوات مترددة، وكأنه يخشى أن يتبدد في الهواء. "لقد عدت... منذ أيام. أردت أن ألتقيكِ، لكن... لم أجد الطريقة."
"لم أكن أعرف أنك عدت!" قالت، وشعرت بدموع تتجمع في عينيها. "كنت أظن..."
"أظننت أنني اختفيت؟" أكمل هو، بابتسامة باهتة. "لم أختفِ، نوران. لقد كنت أحاول أن أجد طريق العودة إليكِ."
في تلك اللحظة، تحت سماء الليل المرصعة بالنجوم، وبين عبق الياسمين، شعرت نوران وكأنها عادت بالزمن إلى الوراء. الماضي الذي ظنت أنها تجاوزته، عاد ليواجهها بقوة. لكن هذه المرة، لم تكن وحيدة. كان أمامه رجل، وكان عليها أن تختار.
"لقد... لقد تمت خطبتي، خالد." قالت أخيراً، وكلماتها اخترقت صمت الليل الثقيل.
تجمد خالد في مكانه. بدت البهجة التي ارتسمت على وجهه للحظة، وقد اختفت، ليحل محلها صدمة عميقة. "خطبتك؟"
أومأت نوران برأسها، وشعرت بقلبها ينقبض. "من حسام... ابن عمي."
لم يستطع خالد أن ينطق بكلمة. بدا وكأن كل ألوان الحياة قد انتزعت من وجهه. ظل واقفاً، صامتاً، تنظر إليه نوران بعينين ملؤهما الألم والحيرة. هل كان القدر يلعب بها لعبة قاسية؟ هل كان يضع أمامها طريقين، كلاهما يؤدي إلى الألم؟
"ولكن... ألم يكن هناك شيء بيننا، نوران؟" سأل أخيراً، وصوته يرتجف. "في معرض الكتاب... تلك الأحاديث... تلك النظرات..."
"كان هناك، خالد." اعترفت بصوت مختنق. "كان هناك الكثير. لكن... الأمور سارت بسرعة. لم أستطع فعل شيء."
نظر إليها خالد طويلاً، يبحث في عينيها عن إجابة، عن أمل. لكنه لم يجد سوى الحزن والصدق. "إذاً... أنا آسف." قال أخيراً، بصوت يكاد يكون مسموعاً. "آسف لأنني دخلت حياتك في وقت غير مناسب."
"لا، لا تعتذر." قالت نوران، تشعر بأن العالم كله ينهار من حولها. "كنت... كنت أنت كل ما حلمت به."
"والآن...؟" سأل هو، ونظرته تائهة.
"والآن... سأفعل ما يجب عليّ فعله." قالت، وكلماتها باردة، وإن كانت تنطق من قلب موجوع.
وقف الاثنان في صمت، تحيط بهما رائحة الياسمين، وفي أعماق كل منهما، تساؤلات لا نهاية لها. هل كان هذا لقاءً عابراً، أم كان بداية لشيء آخر؟ هل كانت هذه النهاية، أم كانت مجرد بداية نهاية؟