زواج بالقدر 192
رياح التغيير وأوراق الماضي
بقلم فاطمة النجار
تسللت خيوط الشمس الأولى، لترسم لوحات ذهبية على جدران قصر آل الشريف. لكن نوران لم تستمتع بجمال هذا الصباح. كانت ليلة أمس قد تركت في روحها غباراً ثقيلاً، وأسئلة تتكاثر كغيوم سوداء في سماء صافية. لقاء خالد لم يكن مجرد لقاء، بل كان زلزالاً هز أركان حياتها الهادئة.
تسللت إلى غرفة والدتها، فوجدتها جالسة على سجادة الصلاة، تقرأ آيات القرآن. كانت تضع يدها على قلبها، وتتمتم بكلمات لا تسمعها إلا هي. شعرت نوران بالذنب، فالحديث مع والدتها كان دائماً راحة لها، لكنها الآن تشعر بأنها تخفي عنها جزءاً مهماً من الحقيقة.
"صباح الخير يا أمي." قالت نوران، محاولة أن ترسم ابتسامة على شفتيها.
"صباح النور يا حبيبتي." ردت الأم، والتفتت إليها بعينيها الحانيتين. "لم تنامي جيداً الليلة الماضية، أرى."
"لم أستطع، يا أمي." قالت نوران، وجلست بجانبها. "هناك أمور... تجعلني قلقة."
"ما الذي يقلقك يا ابنتي؟ هل هو حسام؟" سألت الأم، وربتت على يد نوران.
ترددت نوران للحظة. كيف تبدأ؟ كيف تشرح لوالدتها مشاعر مختلطة، وصراعاً بين ما هو واقع وما هو ماضٍ؟ "ليس حسام تحديداً يا أمي. بل... الحياة بشكل عام. المستقبل."
"المستقبل يبدو مشرقاً يا نوران. لديكِ خطيب نعم، ورجل يقدرك. عائلتنا ستفرح بلم شملها. والدكِ سعيد جداً بهذا الزواج."
"أعلم يا أمي. ولكن..." بدأت نوران، ثم توقفت. كانت كلمات خالد تتردد في أذنيها: "ألم يكن هناك شيء بيننا، نوران؟"
"ولكن ماذا يا ابنتي؟" شجعتها الأم.
"ولكنني... شعرت بالضياع في الأيام الماضية." قالت نوران، وقررت أن تكون صادقة قدر الإمكان. "لقد شعرت بأنني أجبرت على قرار لم أختره بنفسي."
نظرت إليها الأم بعينين واسعتين، فيها دهشة ولوم خفيف. "وما الذي جعلكِ تشعرين بهذا يا نوران؟ لقد كنتِ موافقة. لقد رضيتِ."
"لم أكن أدرك تماماً ما أوافق عليه، يا أمي." قالت نوران، ودموعها بدأت تتساقط. "لم أكن أعرف أنني... ما زلت أحمل في قلبي شيئاً آخر."
"شيئاً آخر؟ وما هو هذا الشيء الآخر؟" سألت الأم، بنبرة جدية.
"شخص... قابلته لفترة قصيرة، يا أمي. قبل أن يأتي حسام." قالت نوران، وهي تشعر بأنها تخطو خطوة خطيرة. "كانت علاقة... بريئة. حديث عن الكتب، وعن الحياة. لكنه ترك في قلبي أثراً."
تساءلت الأم، ورفعت حاجبها. "شخص؟ وكيف تعرفتِ عليه؟"
"في معرض الكتاب، يا أمي. لم يكن هناك شيء مريب. كان مجرد لقاء... روحي." قالت نوران، محاولة تلطيف الموقف. "وكان... يتحدث عن العودة."
"وما دخله الآن؟" سألت الأم، بانزعاج. "لقد تم تحديد مصيرك. أنتِ مخطوبة لرجل محترم، ولنا. هذا الشاب... أين كان حينما كنا بحاجة إليه؟"
"لم يكن يعرف، يا أمي. ولم أكن أعرف أنه سيعود." قالت نوران، وتشعر بأن حجتها تضعف. "لقد... رأيته الليلة الماضية."
اتسعت عينا الأم بصدمة. "رأيته؟ هنا؟"
"في حديقة القصر. تحت شجرة الياسمين. تحدثنا قليلاً." قالت نوران، وارتعشت يداها.
"وماذا قال؟" سألت الأم، وعيناها تركزان على ابنتها.
"قال إنه عاد، وأنه كان يبحث عني. وأنه... آسف." قالت نوران، وتشعر بأنها تعيش كابوساً.
"آسف؟ على ماذا؟ على أنه عاد بعد أن وجدتِ لنفسكِ رجلاً؟" قالت الأم، بنبرة قاسية. "نوران، لا تدعي مشاعر عابرة تفسد مستقبلكِ. هذا زواج، وليس مجرد حلم."
"ولكنني... شعرت بشيء نحوه، يا أمي." قالت نوران، تدافع عن مشاعرها.
"وهل هذا الشعور أقوى من عائلتكِ؟ أقوى من احترامكِ لوالدكِ؟ أقوى من اختيار حسام؟" سألت الأم، بحدة. "حسام رجل سيقدركِ، وسيكون لكِ سندا. وهذا الشاب... من هو؟ ماذا يريد؟"
"لا أعرف، يا أمي. لقد اختفى فجأة، وعاد فجأة." قالت نوران، وتشعر بالإحباط.
"إذاً، فلا تسمحي له بأن يدخل حياتكِ مرة أخرى. لقد اتخذتِ قراركِ. أنتِ مخطوبة. يجب أن تتصرفي كابنة صالحة، وكامرأة تعرف حدودها." قالت الأم، وبدت كلماتها كحكم نهائي.
شعرت نوران باليأس. كانت تتمنى أن تفهمها والدتها، أن ترى ما في قلبها. لكن يبدو أن الأم كانت ترى الأمور من منظور مختلف تماماً، منظور العادات والتقاليد والمصالح العائلية.
بعد فترة وجيزة، دخلت والدة حسام، السيدة فاطمة، إلى غرفة نوران. كانت تحمل في يدها صينية بها فطور شهي، وابتسامة عريضة على وجهها.
"صباح الخير يا نوران، يا حبيبتي." قالت السيدة فاطمة، ووضعت الصينية على طاولة صغيرة. "كيف تشعرين اليوم؟ هل أنتِ مستعدة لزيارة دار الأزياء مع أمكِ؟"
ابتسمت نوران ابتسامة زائفة. "صباح النور يا خالتي. نعم، مستعدة."
كانت السيدة فاطمة تعامل نوران كابنتها، بل وأكثر. كانت تحبها بشدة، وتتمنى أن تكون زوجة لابنها. لكن نوران كانت تشعر بأنها لا تستطيع أن تمنح حسام كل ما يستحقه.
"هل حدث شيء؟ تبدين شاحبة قليلاً." سألت السيدة فاطمة، وبدت عليها علامات القلق.
"لا شيء يا خالتي. ربما لم أنم جيداً." قالت نوران، وهي تشعر بضيق في صدرها.
"لا تقلقي يا حبيبتي. كل هذا طبيعي. الزواج تغيير كبير." قالت السيدة فاطمة، وربتت على يد نوران. "حسام سعيد جداً بكِ. وهو رجل طيب. سيجلب لكِ السعادة."
"أعلم يا خالتي." قالت نوران، وهي تحاول أن تقنع نفسها بذلك.
وبينما كانت السيدة فاطمة تتحدث عن تفاصيل الزواج، لم تستطع نوران أن تتوقف عن التفكير في خالد. هل كان لقاؤهما أمس مجرد لقاء عابر؟ هل كان يجب عليها أن تنساه تماماً؟
بعد أن غادرت السيدة فاطمة، شعرت نوران بالوحدة. كانت تدرك أن حياتها على وشك أن تتغير بشكل كبير، لكنها لم تكن متأكدة ما إذا كانت هذه التغييرات ستجلب لها السعادة الحقيقية.
بعد قليل، جاءها خبر بأن حسام سيحضر إلى القصر مساء اليوم. أراد أن يتحدث مع والدها حول بعض التفاصيل المتعلقة بالعرس. شعرت نوران بالتوتر. كان عليها أن تبدو طبيعية، كعروس سعيدة. لكن كيف يمكنها ذلك، وقلبها ما زال يصارع أشباح الماضي؟
في تلك الليلة، بينما كان والدها يتحدث مع حسام في الديوان، شعرت نوران بأنها محاصرة. كانت تدرك أن عليها أن تتخذ قراراً، وأن تتخذ قراراً سريعاً. هل تستسلم للقدر، أم تحاول أن تصنع مصيرها بنفسها، حتى لو كان ذلك يعني تحدي كل شيء؟
ارتدت نوران ثوباً بسيطاً، ونزلت إلى الحديقة. كانت رائحة الياسمين لا تزال تفوح في الهواء. بحثت بعينيها عن الظل تحت شجرة الياسمين. لم يكن هناك أحد. هل كان لقاؤهما مجرد حلم؟
جلست على مقعد حجري، والتفتت إلى السماء. بدت النجوم بعيدة، وكأنها تشهد على صراعها الداخلي. شعرت بأنها في مفترق طرق، وأن كل خطوة ستكون لها عواقب وخيمة.
فجأة، سمعت صوتاً خافتاً. "هل انتظرتِني؟"
التفتت نوران بسرعة. كان خالد يقف على بعد خطوات منها، بنفس النظرة الحزينة في عينيه.
"خالد... ماذا تفعل هنا؟" قالت، وصوتها يرتعش.
"لم أستطع الذهاب بعيداً." قال، واقترب ببطء. "كنت أريد أن أتحدث معكِ مرة أخرى. أن أفهم... ما الذي يحدث."
"ليس هناك ما يمكن قوله، خالد." قالت نوران، بصوت يائس. "لقد تم تحديد كل شيء."
"ولكن... ألم يكن هناك شيء بيننا؟" سأل مرة أخرى، ونظرته تخترق روحها.
"كان هناك... وكان شيئاً جميلاً." اعترفت نوران، وهي تشعر بأن قلبها يتقطع. "لكنه... لم يكن مقدراً له أن يستمر."
"ولماذا لم يكن مقدراً له أن يستمر؟ هل لأنني غبت؟ أم لأنكِ وجدتِ رجلاً آخر؟" سأل، بنبرة تحمل ألماً عميقاً.
"لأن الحياة... تسير في اتجاهات لا نتوقعها، خالد." قالت نوران، وهي تشعر بأنها تكذب على نفسها وعلى قلبها.
"وهل السعادة تكمن في هذا الاتجاه الذي تسيرين فيه؟" سأل، ودموعه بدأت تتلألأ في عينيه.
نظرت نوران إليه، وشعرت بكل الضعف في العالم. لم تستطع أن تجيب. لم تستطع أن تقول له الحقيقة، الحقيقة التي كانت تؤلمها أشد الألم.