الفصل 16 / 25

زواج بالقدر 192

اللقاء الثاني وظلال الشك

بقلم فاطمة النجار

في تلك الليلة، وبينما كانت أصوات والدها وحسام تتردد من الديوان، شعرت نوران وكأنها في سجن. كانت الكلمات التي قيلت بينها وبين خالد في الحديقة لا تزال ترن في أذنيها، مشوشة، مؤلمة. نظرت إلى يدها، إلى الخاتم الذي لم ترتدِه بعد، لكنه كان رمزاً لاتفاق لا تستطيع التراجع عنه بسهولة.

"نوران، هل أنتِ هنا؟" نادى صوت والدتها من خلف الباب.

"نعم يا أمي، أنا هنا." أجابت، وحاولت أن تبدو طبيعية.

دخلت الأم، وتبسمت لها. "ماذا تفعلين وحدكِ في غرفتكِ؟ حسام ووالده هنا. يجب أن تأتي لتستقبليهم."

ارتدت نوران حجابها، ووقفت. "حسناً يا أمي."

في الديوان، كان الجو رسمياً. رائحة القهوة العربية والبخور تملأ المكان. والدها، الحاج أحمد، كان يتحدث مع السيد جابر، والد حسام، عن تفاصيل العرس. كانا يتناقشان في الأمور المادية، وترتيبات الاحتفال.

"كل شيء سيكون على أكمل وجه، يا جابر." كان الحاج أحمد يقول بثقة. "ابنتي تستحق الأفضل."

"بالتأكيد، يا أحمد. وحسام أيضاً." قال السيد جابر، مبتسماً. "لقد وجدا بعضهما البعض. هذا هو الأهم."

جلست نوران بجانب والدتها، وحاولت أن ترسم ابتسامة. كان حسام ينظر إليها بعينين تحملان حباً عميقاً، لكن نوران لم تستطع أن تبادلها. كان قلبها لا يزال مشتتاً.

"كيف حالكِ يا نوران؟" سأل حسام، بنبرة لطيفة.

"بخير، الحمد لله." قالت، وصوتها بدا وكأنه يأتي من بعيد.

"أتمنى أن تكوني مرتاحة. لا تقلقي بشأن أي شيء. أنا سأتولى كل شيء." قال حسام، وعيناه تلمعان بالاهتمام.

"شكراً لك." قالت نوران، وشعرت بوخزة من الضمير.

طوال السهرة، كانت نوران في حالة من التوتر. كانت تدرك أنها تلعب دوراً، دور العروس السعيدة، لكنها لم تكن سعيدة. كانت تشعر بأنها تخدع الجميع، بما فيهم حسام.

بعد مغادرة السيد جابر، جلست نوران مع والدها ووالدتها.

"ما رأيكِ في حسام؟" سأل الحاج أحمد، بابتسامة. "رجل طيب، وأخلاقه عالية. وهو يعشقكِ."

"إنه رجل جيد، يا أبي." قالت نوران، وحاولت أن تتجنب نظراته.

"وماذا عن الزواج؟ هل أنتِ مستعدة؟" سأل والدها، بجدية.

"أعتقد ذلك، يا أبي." قالت، وهي تشعر بأنها تسقط في بئر عميق.

في تلك الليلة، عندما عادت إلى غرفتها، لم تستطع النوم. كان صدى كلمات خالد يتردد في رأسها: "هل السعادة تكمن في هذا الاتجاه الذي تسيرين فيه؟"

لم تستطع أن تجيب. كان قلبها ينادي لخالد، لكن عقلها كان يقول لها إنها لا تملك خياراً.

في الأيام التالية، بدأت الاستعدادات للزفاف تكتسب زخماً. كانت والدة حسام، السيدة فاطمة، تأتي كل يوم لمساعدة نوران في اختيار الفساتين، وقائمة الضيوف. كانت نوران تحاول أن تبدو متفاعلة، لكنها كانت تشعر بأنها مجرد دمية تحركها خيوط الآخرين.

في أحد الأيام، وبينما كانت تتصفح مجلات الأزياء مع السيدة فاطمة، دخلت الخادمة، وأخبرت بأن هناك زائرة تنتظرها في غرفة الاستقبال.

"من هي؟" سألت نوران، بانزعاج.

"لا أعرف اسمها، يا سيدتي. تقول إنها تدعى... هدى." قالت الخادمة.

"هدى؟" رددت نوران، وشعرت بشيء مريب. لم تتذكر أي شخص بهذا الاسم.

"حسناً، سأذهب لأرى." قالت نوران، ونظرت إلى السيدة فاطمة. "أرجو المعذرة يا خالتي."

توجهت نوران إلى غرفة الاستقبال. كانت الغرفة شبه مظلمة، فقط ضوء خافت يتسلل من النافذة. جلست على أحد الكراسي، وانتظرت.

بعد لحظات، دخلت امرأة. كانت ترتدي ملابس بسيطة، وتبدو عليها آثار التعب. كانت عيناها تحملان نظرة حادة، لا تخلو من التصميم.

"أنتِ نوران، أليس كذلك؟" قالت المرأة، بنبرة قوية.

"نعم، أنا نوران. ومن أنتِ؟" سألت نوران، بقلق.

"اسمي هدى. وأنا... قريبة خالد." قالت المرأة، بنبرة مخيفة.

تجمد الدم في عروق نوران. خالد! لماذا جاءت هذه المرأة؟ وماذا تريد؟

"قريبة خالد؟" كررت نوران، بصوت خافت.

"نعم. لقد سمعت عن زواجكِ. سمعت أنكِ ستتزوجين من حسام." قالت هدى، بابتسامة ساخرة.

"وما دخلكِ أنتِ في أموري؟" سألت نوران، محاولة السيطرة على أعصابها.

"دخلي؟" ضحكت هدى ضحكة قصيرة، خالية من المرح. "دخلي كبير جداً. أنا أعرف خالد جيداً. وأعرف كم يحبكِ."

"لا تتحدثي عن أشياء لا تعرفينها." قالت نوران، وقد بدأت تشعر بالغضب.

"أعرف كل شيء، يا نوران. أعرف أنكِ ما زلتِ تحبينه. وأعرف أن هذا الزواج ليس زواجاً عن حب." قالت هدى، واقتربت قليلاً.

"هذا شأني الخاص." قالت نوران، بحزم.

"ليس شأنكِ الخاص. لأن خالد... لن يسمح لكِ بالزواج من رجل آخر." قالت هدى، بنبرة تهديد.

"ماذا تقصدين؟" سألت نوران، والرعب يتملكها.

"أقصد أن خالد... عاد. وهو لن يترككِ." قالت هدى، وعيناها تحدقان في نوران. "وهو طلب مني أن آتي إليكِ. أن أخبركِ بأنكِ ملكه."

شعرت نوران بأنها على وشك الانهيار. هذا لم يكن مجرد لقاء عابر. خالد كان جاداً. هل كان هذا تهديداً؟

"لقد وعدته. ووعدته بأنني سأكون معكِ." قالت هدى، بنظرة ماكرة. "ولكن، إذا رفضتِ... فإن هناك طرقاً أخرى."

"طرق أخرى؟ ما هي هذه الطرق؟" سألت نوران، والخوف يتسرب إلى صوتها.

"طرق تجعل حسام... يعيد النظر في كل شيء." قالت هدى، بنبرة شريرة. "طرق تجعل عائلتكِ تندم على كل ما فعلته."

شعرت نوران بالبرد يتسلل إلى أطرافها. هذه المرأة لم تكن طبيعية. هل كان خالد يخطط لشيء؟ هل كان على استعداد للتسبب في الأذى؟

"أنا... أنا لن أفعل شيئاً ضد حسام أو عائلتي." قالت نوران، بحزم. "وأنا لن أسمح لأحد بتهديدي."

"هذا جيد." قالت هدى، ووقفت. "ولكن فكري جيداً، يا نوران. فكر في خالد. فكر في ما يمكن أن يحدث."

خرجت هدى، وتركت نوران في حالة من الذهول والرعب. لم تكن تعرف ماذا تفعل. هل كان خالد حقاً يعتزم إيقاف الزواج؟ وهل كان مستعداً لاستخدام وسائل غير أخلاقية؟

شعرت نوران بأنها عالقة بين سندان ومطرقة. من جهة، لديها مسؤولياتها تجاه عائلتها وحسام، ومن جهة أخرى، لديها مشاعرها تجاه خالد، ومخاوفها من تهديدات هدى.

جلست نوران في الظلام، وقلبها يخفق بسرعة. هل كانت مشاعرها تجاه خالد قوية بما يكفي لجعله يتصرف بهذه الطريقة؟ أم أن هذه المرأة كانت مجرد محاولة لابتزازها؟

فكرت في خالد، في عينيه الحزينتين، في كلماته. هل كان كل هذا مجرد تمثيل؟ أم أن هناك شيئاً أعمق؟

في تلك اللحظة، شعرت نوران بأنها على وشك اتخاذ قرار مصيري. قرار قد يغير مجرى حياتها وحياة من حولها. لكنها لم تكن تعرف بعد ما هو هذا القرار.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%