الفصل 18 / 25

زواج بالقدر 192

خيوط القدر المتشابكة

بقلم فاطمة النجار

كانت نسمة الليل تحمل معها عبق الياسمين من حدائق قصر آل الشريف، لكنها لم تستطع أن تخفف من وطأة الثقل الذي اعتصر قلب ليلى. جلست في شرفتها المطلة على سكون الليل، وعيناها تائهتان في الظلام، تعكسان عاصفة تدور في داخلها. لم يكن لقاء السيد خالد بالشيخ رضوان مجرد لقاء عابر، بل كان أشبه بزلزال هز أركان عالمها الهادئ.

تذكرت تلك النظرات التي تبادلها السيد خالد مع الشيخ رضوان، تلك الهمسات التي تخللتها نبرات عميقة، ثم تلك الورقة التي سلمها الشيخ لعمها. ماذا تحتوي تلك الورقة؟ ولماذا كان عمها يبدو شاحب الوجه بعدها، وكأنما رأى شبحًا؟ كل هذه التساؤلات كانت تتصارع في ذهنها، تجعلها تشعر بالاختناق.

منذ عودتها من رحلة الحج، شعرت ليلى بتغير مفاجئ في نبرة عمها. أصبح أكثر حرصًا، وأكثر اهتمامًا بتفاصيل حياتها، وحتى بات يرافقها في زياراتها لجدتها المريضة في البلدة المجاورة، وهو أمر لم يكن يفعل مثله من قبل. في البداية، اعتبرت ذلك تجليًا لبره أو لزيادة في حرصه على أخته المريضة، لكن شيئًا ما كان يوحي لها بأن هناك ما هو أبعد من ذلك.

كانت آخر محادثة لها مع عمها قد تركت أثرًا عميقًا. سألها عن رأيها في الزواج، وعن تصوراتها للمستقبل، وعن مدى استعدادها لتقبل مسؤوليات الحياة الزوجية. أجابته بصدق، تحدثت عن أحلامها البسيطة، وعن رغبتها في حياة مستقرة هادئة، حياة تشبه تلك القصص التي كانت تقرأها في صغرها، عن الحب والوفاء والتفاهم. لم تدرك حينها أن كلماتها هذه ستصبح في مهب الريح، وأن خططًا أخرى قد تم رسمها خلف الكواليس.

أما زياد، فقد كان غائبًا عن الساحة في الأيام الأخيرة. منذ ذلك اللقاء في المعرض، لم تره ليلى. غياب جعله غامضًا أكثر، وزاد من تعقيد مشاعرها تجاهه. هل كان يختبر قدرتها على نسيانه؟ أم كان ينتظر الفرصة المناسبة ليعود؟ كان قلبها يحدثها بأن هناك شيئًا ما يجمع بينها وبينه، وأن القدر ربما نسج بينهما خيوطًا أقوى مما تتصور.

نظرت إلى صورة والدها المعلقة على الحائط، تتمنى لو كان حاضرًا ليمنحها بعضًا من حكمته. لقد تعلمت منه الكثير عن الصبر والثبات، وعن قوة الإيمان في مواجهة المصاعب. لكن القدر كان له رأي آخر، وقد كتب عليها أن تخوض هذه المعركة بمفردها، مدعومة فقط بما زرعه فيها والدها من قيم ومبادئ.

في هذه الأثناء، كان السيد خالد يجلس في مكتبه الفخم، يدخن سيجارته الفاخرة ببطء، وعيناه تحدقان في فراغ، تعكسان تفكيرًا عميقًا. كانت صفقة آل الشريف تمثل له انتصارًا كبيرًا، ليس فقط على المستوى المالي، بل على المستوى الاجتماعي أيضًا. استيلائه على ممتلكاتهم، وربط اسمه بعائلتهم العريقة، كان بمثابة تتويج لمسيرته الطموحة.

لكن الصفقة لم تكن مجرد استثمار تجاري. كان هناك هدف أعمق، هدف قديم قدم الطموح الذي اشتعل في صدره منذ شبابه. كانت هناك امرأة، والدة ليلى، التي رفضته ذات يوم، واختارت رجلًا آخر، رجلًا بسيطًا لكنه كان محبوبًا وذو أخلاق. هذا الرفض ظل جرحًا غائرًا في كبريائه، وها هي الفرصة سانحة للانتقام، ليس منها، بل من إرثها، ومن ابنتها.

لقد أدرك السيد خالد قوة ليلى، ذكائها، ورقتها، وعنادها. إنها تحمل في عينيها شيء من روح والدتها، تلك الروح التي أبت أن تخضع لرغباته. لذلك، قرر أن يغير خطته. بدلًا من مجرد الاستيلاء على ممتلكات آل الشريف، أراد أن يستحوذ على ليلى نفسها. أراد أن يرى تلك العينين اللامعتين تخضعان له، وأن يسمع تلك الكلمات الجميلة تنطق باسمه.

كانت زيارة الشيخ رضوان ليلة أمس أشبه بمرحلة حاسمة. لقد زود السيد خالد بمعلومات قيمة، معلومات عن ديون آل الشريف المتراكمة، وعن حاجتهم الماسة للمساعدة. ورقة الشيخ رضوان لم تكن مجرد ورقة، بل كانت عقدًا، عقدًا يسمح له بالتدخل في شؤون العائلة، بل ويخول له اقتراح حلول.

"العقد الجديد سيكون بمثابة سجن جميل لليلى،" تمتم السيد خالد بابتسامة ماكرة. "ستكون زوجتي، وستعيش تحت حمايتي، وستنسى ذلك الشاب الطائش الذي لا يساوي شيئًا."

كان يعرف أن والد ليلى، السيد أحمد، كان له دور في عزل عائلته عن العالم الخارجي. كان رجلًا يعتز بقيمه، ويرفض الخضوع لأي مؤثرات خارجية. لكن خالد كان يرى أن السيد أحمد قد أخطأ في تربية ابنته، إذ سمح لها بأن تنمو بعيدًا عن "الحقيقة"، بعيدًا عن عالم القوة والنفوذ الذي يعيش فيه.

بينما كانت ليلى تتأمل النجوم، شعرت بارتعاشة خفيفة. لم تكن تعرف أنها على وشك الغرق في بحر من المؤامرات، وأن قدرها قد بدأ ينسج خيوطه بدقة، خيوطًا تربطها بمستقبل لم تتخيله قط. لقد بدأت تظهر التشققات في جدار حياتها الهادئة، والريح العاتية كانت تستعد لتمزيق ستار السكينة.

نظرت مرة أخرى نحو نافذة مكتب عمها، كانت الإضاءة ما تزال خافتة. لم تتجرأ على اقتحام عالمه في هذا الوقت المتأخر. لكن صوتًا خافتًا في داخلها كان يلح عليها، صوت يقول إن عليها أن تعرف الحقيقة. الصمت المحيط بها كان ينذر بعاصفة، عاصفة ستجبرها على مواجهة واقع قاسٍ.

في تلك اللحظة، سمعت صوت خطوات تقترب من شرفتها. تجمدت في مكانها، وقلبها يخفق بعنف. هل كان ذلك أحد الخدم؟ أم ربما كان عمها؟ رفعت رأسها ببطء، لتجد أمامها وجهًا مألوفًا، وجهًا لطالما انتظرت رؤيته. كانت المفاجأة أكبر من أن تستوعبها، والأسئلة تتضاعف في عقلها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%