الفصل 19 / 25

زواج بالقدر 192

همسات الماضي المظلم

بقلم فاطمة النجار

ارتعش جسد ليلى برقة عند رؤية ذلك الوجه الذي طالما شغل تفكيرها. لم يكن عمها، ولم يكن أحد الخدم. كان زياد. وقف أمامها، يرتدي ملابسه الأنيقة كالعادة، لكن عينيه كانتا تحملان شيئًا من الحزن العميق، وربما، وربما فقط، شيء من التردد.

"ليلى؟" نادى بصوت خفيض، كأنه يخشى أن يكسر سكون الليل. "ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت؟"

لم تستطع أن تنطق بكلمة. كانت عيناها مثبتتين عليه، تحاولان قراءة ما تخفيه ملامحه. كم مرة حلمت بهذه اللحظة، لكنها لم تتخيلها بهذا الشكل، ليست هنا، على شرفتها، في هذا التوقيت الغامض.

"زياد... كيف...؟" تمتمت أخيرًا، وصوتها بالكاد مسموع.

ابتسم زياد ابتسامة باهتة، ابتسامة لم تصل إلى عينيه. "لم أستطع النوم. شعرت بأن هناك شيئًا ما. أردت الاطمئنان عليك."

"اطمئنان؟" كررت ليلى الكلمة، معلقة في الهواء، تحمل معها كل الأسئلة التي لم تجرؤ على طرحها.

"نعم، الاطمئنان." مد يده ببطء، وكأنه يتحسس طريقه في الظلام، ثم توقف قبل أن يلمس يدها. "لقد كنت قلقًا عليكِ، يا ليلى. منذ لقائنا الأخير، شعرت بأن شيئًا ما قد تغير."

"هل تقصد...؟" بدأت ليلى، لكنها ترددت. هل يجب عليها أن تتحدث عن مشاعرها؟ هل يجب عليها أن تبوح له بكل ما يدور في خلجات نفسها؟

"أقصد ذلك اللقاء في المعرض،" أكمل زياد، وكأنه يقرأ أفكارها. "بعدها، شعرت بأن هناك مسافة قد بدأت تتكون بيننا. لم أرَكِ بنفس الحماس، بنفس البريق في عينيكِ."

"ربما... ربما كنت مشغولة." تراجعت ليلى خطوة صغيرة، تحاول لملمة شتات أفكارها. "الكثير من الأمور تحدث."

"أعرف." هز زياد رأسه. "أعلم أن عائلتك تمر بظروف صعبة. سمعت ببعض الشائعات. هل هذا صحيح؟"

تغيرت نظرة ليلى. هل كان يعرف؟ هل كان يسمع ما يدور في أروقة المدينة؟ "الشائعات؟ أي شائعات يا زياد؟"

تنهد زياد. "شائعات عن ديون، عن صعوبات مالية. وعن... وعن بعض الاتفاقات التي تتم في الخفاء."

شحب وجه ليلى. هل كان يقصد اللقاء بين عمها والسيد خالد؟ هل كان يعرف عنه؟ "اتفاقات؟ لا أعرف عن أي اتفاقات."

"أتمنى ذلك." قال زياد بصدق، ونبرته حملت شيئًا من الألم. "ولكن، يا ليلى، هناك أمور في هذه الحياة ليست كما تبدو. هناك أناس يسعون لأهدافهم الخاصة، ولا يهتمون بمن يدوسون عليه في طريقهم."

"هل تقصد السيد خالد؟" سألت ليلى بصوت يرتجف.

نظر زياد إليها مباشرة، نظرة طويلة عميقة. "السيد خالد رجل لا يعرف الرحمة، يا ليلى. طموحه لا حدود له، وكبرياؤه لا يقبل المساومة. لقد سمعت عنه الكثير، وشاهدت بأم عيني كيف يتلاعب بالناس."

"لكن... عمي... يبدو أنه يثق به." قالت ليلى، وهي تشعر بأن عالمها بدأ ينهار.

"الثقة سلاح ذو حدين، يا ليلى." قال زياد بحكمة. "وخاصة عندما تكون موجهة نحو شخص مثل السيد خالد. لقد كان السيد أحمد، والدك رحمه الله، يحذرك دائمًا من هذا النوع من الناس، أليس كذلك؟"

كلمة "والدك" جعلت قلب ليلى ينقبض. تذكرت نصائح والدها، تحذيراته من الطمع والجشع. "نعم، كان والدي يدرك خطورة مثل هؤلاء الأشخاص. لكنني لم أتصور أن الأمور ستصل إلى هذا الحد."

"لقد وصل الأمر إلى أبعد مما تتصورين، يا ليلى." قال زياد بصوت متعب. "لقد سمعت تفاصيل. تفاصيل عن صفقة. صفقة قد تضع آل الشريف، بل تضعكِ أنتِ، في موقف لا تحسدين عليه."

"ما هي الصفقة؟" سألت ليلى، وكل خلية في جسدها كانت تنتظر الإجابة.

تردد زياد قليلًا. بدا وكأنه يصارع مع نفسه، هل يجب عليه أن يفصح عن كل شيء؟ هل ستتحمل ليلى الحقيقة؟

"الليلة الماضية،" بدأ زياد، "كنت في قصر آل الشريف. لم أكن أقصد التدخل، ولكنني سمعت بعض الأحاديث. كانت بين عمك والسيد خالد. لقد كانا يتحدثان عن... عن زواج."

شعرت ليلى بالدوار. زواج؟ من؟ ولماذا؟

"زواج؟" كرر زياد، وكأنه يتأكد من أنه ينطق الكلمة الصحيحة. "زواج منكِ، يا ليلى. لقد عرض السيد خالد مبلغًا كبيرًا من المال على عمك. مبلغًا سيخرجه من ديونه. مقابل هذا المبلغ، وافق عمك على تزويجك للسيد خالد."

لم تستطع ليلى التنفس. زواج من السيد خالد؟ الرجل الذي لطالما شعرت بالنفور منه؟ الرجل الذي تمثل سمعته بالنسبة لها شيئًا أسود ومظلم؟

"مستحيل!" صاحت ليلى، صوتها يرتجف من الصدمة. "عمي لن يفعل هذا. لن يبيعني!"

"للأسف، يا ليلى، الظروف قد تجبر الناس على اتخاذ قرارات صعبة." قال زياد بحزن. "لقد رأيت الابتسامة على وجه السيد خالد، والارتياح على وجه عمك. لقد أصبحت الصفقة شبه نهائية."

"لكن... لكنني مخطوبة لزيد!" نطقت ليلى بالكلمة، وكأنها تتشبث بطوق نجاة.

ضحك زياد ضحكة قصيرة مؤلمة. "خطوبة لم تكن رسمية، يا ليلى. إنها مجرد وعد. ووعد يمكن التراجع عنه بسهولة في ظل هذه الظروف."

"لكن... لماذا؟ لماذا يريدني السيد خالد؟" سألت ليلى، والعجز يسيطر عليها.

"أعتقد أنه يرى فيكِ شيئًا يعود إلى والدتك،" قال زياد ببطء. "رغبة في السيطرة، رغبة في امتلاك كل شيء. وهو يعتقد أنكِ ستكونين جائزة ثمينة، إثباتًا لقوته ونفوذه."

"وماذا عنك يا زياد؟" سألت ليلى، تنظر إليه بعمق. "لماذا تخبرني بهذا؟ لماذا أنت هنا؟"

"لأنني لا أستطيع أن أقف مكتوف الأيدي وأرى الظلم يقع عليكِ، يا ليلى." قال زياد، وعيناه تلمعان. "ولأن... ولأنني لا أريدكِ أن تتزوجي رجلًا لا تحبينه، رجلًا قد يدمر حياتك."

"لكن ماذا يمكننا أن نفعل؟" سألت ليلى، فقد شعرت بأنها محاصرة. "عمي اتخذ قراره. والسيد خالد يبدو مصممًا."

"يجب أن نتصدى لهم، يا ليلى." قال زياد بحزم. "يجب أن نجعلهم يرون أنكِ لستِ مجرد سلعة يمكن بيعها. يجب أن نكشف نواياهم الحقيقية."

"ولكن كيف؟" كررت ليلى، تشعر باليأس يغمرها.

"سنكتشف ذلك معًا." قال زياد، مد يده نحو يدها مرة أخرى، وهذه المرة لم يتردد. وضع يده برفق فوق يدها. "لستِ وحدكِ في هذا، يا ليلى."

شعرت ليلى بدفء يسرى في عروقها، دفء لم تكن تتوقعه. لقد كانت كلماته بلسمًا لجروحها، نورًا في ظلامها. في تلك اللحظة، أدركت أن المعركة الحقيقية قد بدأت، وأنها لن تكون معركة سهلة. خيوط القدر كانت تتشابك، وتنسج لها طريقًا وعرًا، لكن مع وجود زياد بجانبها، شعرت ببعض القوة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%