زواج بالقدر 192
العرض الأخير
بقلم فاطمة النجار
كان لقاء ليلى وزياد على الشرفة بمثابة عاصفة صغيرة ضربت سكون الليل. تبادلا الهمسات، وتبادلا أسرارًا كان من الأفضل لو بقيت حبيسة الصدور، لكن القدر شاء أن تتشابك الأقدار وتكشف المستور. عادت ليلى إلى غرفتها وقلبها يتصارع بين الرعب والأمل. رعب من المستقبل المجهول، وأمل ولدته كلمات زياد.
في صباح اليوم التالي، كانت الأجواء في قصر آل الشريف متوترة. عمها، السيد منصور، كان يتصرف بغرابة. يبتسم ببرود، ويتجنب النظر في عينيها. كأنما يخفي سرًا عظيمًا، سرًا يثقل كاهله. كل محاولاتها لفهم ما يحدث باءت بالفشل. كان يتهرب من أسئلتها، ويرد بعبارات مبهمة.
"لا تقلقي يا ليلى، كل شيء سيكون على ما يرام." كان يرددها بنبرة مفتعلة، كأنه يصدقها هو نفسه.
لكن ليلى لم تعد تصدق هذه الكلمات. كانت ترى الحقيقة في عينيه المتوترة، في حركة يديه اللاإرادية. لقد أخبرها زياد بما سمع، وأصبح كل شيء يتردد في ذهنها منطقيًا. لم يعد الأمر مجرد شائعات، بل أصبح واقعًا مريرًا.
في ظهيرة ذلك اليوم، وبينما كانت ليلى تجلس في حديقة القصر، تتأمل الأزهار التي بدت وكأنها تفقد بهجتها، سمعت صوت سيارة تقف أمام المدخل الرئيسي. كانت سيارة فخمة، من النوع الذي لا يظهر إلا في المناسبات الكبرى، أو بوجود شخصيات ذات نفوذ.
عندما رأت السيد خالد ينزل منها، شعرت بالغثيان. حضوره كان يخنقها، كأنه يجلب معه معه كل الشر الذي يتصوره. لم ينتظر طويلاً، بل اتجه مباشرة نحو باب القصر، وتبعه عمها السيد منصور، الذي بدا أكثر ارتياحًا بوجوده.
جلست ليلى في مكانها، لا تجرؤ على التحرك. كانت تتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعها، بعيدًا عن هذا الموقف. لكن فضولها، ورغبتها في معرفة المزيد، جعلتها تبقى.
بعد فترة، خرج السيد منصور والسيد خالد إلى الحديقة، وقفا بالقرب من مكان جلوس ليلى. كان السيد خالد يرتدي بدلة رمادية داكنة، وابتسامة واثقة على وجهه. أما السيد منصور، فكان يتصبب عرقًا رغم برودة الجو.
"يا ابنة أخي،" بدأ السيد خالد بصوت هادئ، لكنه كان يحمل سلطة واضحة، "لقد جئتك اليوم لأتحدث معكِ في أمر هام."
نظرت ليلى إليه، وعيناها مليئتان بالترقب. لم تتفوه بكلمة، تنتظر ما سيقوله.
"لقد وافق عمكِ العزيز على عرضي،" استمر السيد خالد، ثم ألقى نظرة سريعة على السيد منصور، الذي هز رأسه بتأكيد. "عرض بالزواج. زواجي بكِ."
شعرت ليلى بأن الهواء قد انسحب من رئتيها. كان الأمر أسوأ مما تخيلت. لقد تم البيع بالفعل، وتم الإعلان عنه.
"لا أستطيع..." تمتمت ليلى، وصوتها ضعيف.
"لا أستطيع ماذا يا ليلى؟" قاطعها السيد خالد بابتسامة ماكرة. "لا تستطيعين رفض عرض يضمن لكِ حياة كريمة، ويخرج عائلتك من الأزمة التي تعيش فيها؟"
"لكنني لا أحبك!" صاحت ليلى، وأخيرًا انفجر فيها الغضب المكبوت.
"الحب؟" ضحك السيد خالد ضحكة خافتة. "الحب هو شيء تافه، يا ليلى. ما يهم هو الاستقرار، والمنصب، والقوة. وهذه كلها ستكون لكِ معي."
"الحب ليس تافهًا!" قالت ليلى بشجاعة، تتذكر كلمات والدها. "الحب هو أساس الزواج السعيد."
"وهل تعتقدين أن زياد، الشاب الفقير الذي لا يملك شيئًا، سيمنحكِ هذا الحب؟" سأل السيد خالد بتهكم. "سوف يترككِ مع أول صعوبة تواجهينها."
"زياد لن يفعل ذلك!" قالت ليلى مدافعًة، على الرغم من أنها لم ترَ زياد منذ لقائهما.
"إذاً، فلنعد إلى الموضوع الأساسي." قال السيد خالد، وانتهت ضحكته. "لقد تمت الموافقة. الزواج سيكون قريبًا. أريدكِ أن تكوني جاهزة."
"جهز؟" صرخت ليلى. "هل تعتقد أنني مجرد دمية تلعب بها؟"
"أنتِ زوجتي المستقبلية، يا ليلى. وهذا يعني أنكِ ستخضعين لرغباتي." قال السيد خالد ببرود.
في تلك اللحظة، شعر السيد منصور بعدم الارتياح. نظر إلى ليلى، ثم إلى السيد خالد، وكأنما بدأ يدرك حجم الخطأ الذي ارتكبه.
"يا سيد خالد،" قال السيد منصور بتردد، "لقد وافقت على الزواج، ولكن... يجب أن نحترم مشاعر ليلى."
"مشاعر؟" سأل السيد خالد بحدة. "مشاعر من؟ مشاعر فتاة صغيرة لا تفقه شيئًا في الحياة؟ هذه صفقة، يا منصور، صفقة بيني وبينك. وليس لدي وقت لأي مشاعر."
"لكن... لي أسباب أخرى." قال السيد منصور، وقد بدأ صوته يرتجف. "لقد... لقد وعدت ليلى بشيء آخر."
"وعد؟" رفع السيد خالد حاجبيه. "هل تعد الفتيات وعودًا كاذبة؟"
"لا، لم يكن وعدًا كاذبًا!" قالت ليلى، استجمعت كل قوتها. "لقد وعدتني بأنني لن أتزوج إلا من رجل أحبه. ووعدتني بأنك لن تتلاعب بمصيري."
"هذا الكلام كله عبث!" قال السيد خالد بغضب. "لقد حصلت على موافقة عمك، وهذا يكفي. أما عن وعدك، فالظروف تغيرت."
"لا، الظروف لم تتغير، بل تغيرت نوايا الناس." قال زياد فجأة، وخطواته تقترب.
ظهر زياد من خلف شجرة كبيرة، يقف شامخًا، وعيناه تقدحان شررًا. كان حضوره المفاجئ قد صدم الجميع.
"زياد!" صرخت ليلى بدهشة، ولم تدرك كيف وصل إلى هنا.
"ماذا تفعل هنا؟" سأل السيد منصور بغضب. "كيف تجرؤ على التدخل في أمورنا؟"
"أتدخل لأنني لا أستطيع أن أرى الظلم يتم." قال زياد بثبات. "وأتدخل لأنني أعرف نوايا السيد خالد."
"وما هي نواياي برأيك؟" سأل السيد خالد بتهكم، محاولًا استعادة سيطرته.
"نواياك هي الاستيلاء على كل ما تراه ملكًا لك،" قال زياد. "تستخدم المال كسلاح، والوعود الزائفة كغطاء. لقد استغلت حاجة آل الشريف، وحاولت شراء ابنة أختهم."
"أنت تتجاوز حدودك يا شاب!" قال السيد خالد بصوت مرتفع.
"لا، بل أنا أرى الحقائق بوضوح،" قال زياد. "لقد علمت ما تقوم به. لقد استغلت ديون آل الشريف، وتعرضت صفقة الزواج هذه على ليلى كحل وحيد. ولكن، ما لم تعلمه هو أنني لن أسمح بذلك."
"أنت تهددني؟" سأل السيد خالد، وقد بدأت علامات الغضب تظهر على وجهه.
"لست أهددك، بل أقدم لك عرضًا." قال زياد. "انسحب من هذه الصفقة. ابتعد عن ليلى وعائلتها. وإلا، سأضطر إلى كشف كل شيء."
"كشف ماذا؟" سأل السيد خالد بتحدٍ.
"كشف عن الطرق الملتوية التي استخدمتها للاستيلاء على ممتلكات الآخرين،" قال زياد. "عن الصفقات المشبوهة التي قمت بها. لدي ما يكفي من الأدلة."
نظر السيد منصور إلى زياد، ثم إلى السيد خالد، وبدا عليه الخوف الشديد.
"سيد خالد،" قال زياد بنبرة قاطعة، "هذا هو عرضي الأخير. إما أن تنسحب، أو سأضطر إلى اتخاذ إجراءات أخرى."
شحب وجه السيد خالد، وأدرك أنه قد وضع في موقف لا يحسد عليه. لقد كان يعتقد أن ليلى وعائلتها في وضع لا يمكن الدفاع عنه، لكن وجود زياد قد قلب المعادلة.
"هذا تهديد واضح،" قال السيد خالد ببرود، يحاول السيطرة على غضبه. "ولكن، هل أنت متأكد من أن لديك ما يكفي من الأدلة؟"
"أنا متأكد تمامًا،" قال زياد بثقة.
نظر السيد خالد إلى ليلى، ثم إلى السيد منصور، ثم إلى زياد. رأى في عيون زياد تصميمًا لا يتزعزع، وفي عيون ليلى أملًا جديدًا.
"حسناً،" قال السيد خالد أخيرًا، بصوت يحمل مرارة. "سأنسحب. لكن هذا ليس نهاية الأمر."
التفت السيد خالد إلى السيد منصور. "لم ننتهِ بعد يا منصور." ثم ركب سيارته وغادر.
ارتفعت دقات قلب ليلى. لقد مرت لحظة حرجة. لقد نجحت، بفضل زياد، في تفادي كارثة. لكنها أدركت أن المعركة لم تنتهِ بعد، وأن السيد خالد لن يستسلم بسهولة.