زواج بالقدر 192
الأسرار المخبأة في الرمال
بقلم فاطمة النجار
واصل يوسف مسيره في الظلام، مصباحه القوي يشق سماء الليل، موجهاً ضوءه نحو الأفق الذي أشار إليه الرجل المريض. كانت الكلمات الأخيرة للرجل، "ظلال... بناء..." تتردد في عقله. هل كان يتوهم، أم أن هناك حقاً ما كان يراه؟ الصحراء واسعة، ولا تخلو من المفاجآت، سواء كانت طبيعية أو من صنع الإنسان.
"شاهين، كن قوياً يا صديقي. علينا أن نجد شيئاً." قال يوسف، وهو يشد اللجام برفق. كان الحصان الأسود، كعادته، رشيقاً وقوياً، يتجاوز الصعاب بسهولة، رغم الظلام.
كان يوسف مهندساً، يعتمد على الحقائق والأدلة. لكن في هذه المهمة، كان عليه أن يثق بحدسه، وبالكلمات الأخيرة لرجل في حالة ضعف، كلمات قد تكون مفتاحاً لإنقاذ حياة أخرى.
بعد مسافة، بدأ يوسف يلاحظ تغيراً طفيفاً في طبيعة الرمال. كانت تبدو متماسكة أكثر، وكأنها قد وطئتها أقدام كثيرة، أو أن هناك شيئاً مدفوناً تحتها. أوقف شاهين، ونزل على الأرض.
"هنا شيء مختلف." قال يوسف لنفسه، وهو يوجه مصباحه نحو الأرض. بدأ يحفر بيده في الرمال. كانت هناك طبقة رقيقة من الرمل الناعم، لكن تحتها، شعر بشيء صلب.
"هذا ليس حجراً." تمتم. بدأ يحفر بحماس أكبر، باستخدام أدواته الصغيرة. كانت الأرضية تبدو مسطحة، وغير طبيعية.
وبينما كان يحفر، لمح بريقاً خافتاً من المعدن. "ما هذا؟"
أزال يوسف المزيد من الرمال، ليكشف عن قطعة معدنية، يبدو أنها جزء من باب قديم، أو هيكل مدفون. لم يكن ذلك طبيعياً في هذا المكان.
"ربما كان الرجل يرى بقايا بناء قديم. لكن لماذا هو مدفون هكذا؟" تساءل يوسف، وشعوره بالفضول والقلق يزداد.
واصل الحفر، ليكشف عن شكل مربع، يبدو وكأنه مدخل صغير. كانت هناك آثار تخريب، توحي بأن هذا المكان قد تعرض للنهب أو التدمير في الماضي.
"يا الله! ما هذا المكان؟"
كان يبدو وكأنه مدخل إلى كهف، أو غرفة تحت الأرض. كان الهواء الساكن المنبعث منه بارداً، على عكس هواء الصحراء.
"عليّ أن أخبر أحمد." قال يوسف، وأخرج جهاز الاتصال الخاص به. "أحمد، هل تسمعني؟"
"يوسف! الحمد لله. هل وجدت شيئاً؟" جاء صوت أحمد، مفعماً بالقلق.
"أحمد، وجدت شيئاً غريباً. يبدو أن الرجل المريض كان يرى بقايا بناء قديم، ربما مدخل لمكان تحت الأرض. لا أعرف ماهيته بالضبط، لكنه يبدو قديماً."
"تحت الأرض؟ هل أنت بخير؟"
"أنا بخير. لكن عليّ أن أستكشف. هل يمكنك أن تأتي مع بعض الرجال، ومعك الأدوات اللازمة؟ أحضروا معكم حبالاً وأضواء قوية."
"بالتأكيد. أين أنت تحديداً؟"
أعطى يوسف وصفاً دقيقاً لموقعه. "سأنتظر هنا. كن حذراً، هذا المكان قد يكون خطيراً."
"لا تقلق، سنكون معك. فقط ابق آمناً."
قطع يوسف الاتصال. كان قلبه يتسارع. كان هناك دائماً ما هو أبعد من مجرد مهمة إنقاذ. كانت الصحراء تحمل أسراراً، وحضارات قديمة، وربما كنوزاً، أو مخاطر غير متوقعة.
عاد يوسف إلى الحفر، محاولاً توسيع الفتحة. كان المدخل ضيقاً، لكن يبدو أنه يقود إلى مكان أوسع. رأى يوسف حجارة منحوتة، عليها نقوش غريبة، لم يفهمها.
"يبدو أنه مكان قديم جداً. ربما يكون مقبرة، أو مخبأ."
كانت النقوش تبعث على الغموض. كانت كأنها تحكي قصة، لكنها لم تكن لغته.
بعد فترة، سمع صوت محركات سيارات الدفع الرباعي. كان أحمد ورجاله قد وصلوا.
"يا يوسف! ما هذا؟" سأل أحمد، وهو ينظر إلى الحفرة.
"لا أعرف بالضبط. لكن يبدو أنه مدخل لمكان أثري."
بدأ الرجال في مساعدة يوسف. استخدموا أدواتهم لتوسيع المدخل. كان الهواء يزداد برودة، ورائحة غريبة، مزيج من التراب القديم والأعشاب الجافة، بدأت تنتشر.
"هل تعتقد أن الرجل المفقود دخل إلى هنا؟" سأل أحد الرجال.
"لا أعرف. لكن كان يشير في هذا الاتجاه، وكان يتحدث عن بناء."
قام أحمد بإعداد مصباح قوي، وربط حبلاً جيداً. "سأكون أول من يدخل. يوسف، هل أنت مستعد؟"
"بالتأكيد. لا يمكنني أن أترك هذا الأمر دون أن أفهم ما فيه."
نزل أحمد بحذر في الحفرة. كان المكان مظلماً تماماً، ولا يرى إلا ما يغطيه ضوء مصباحه. تبعه يوسف.
كان المكان الأولي ضيقاً، ثم اتسع ليصبح ما يشبه غرفة صغيرة. الجدران كانت منحوتة، وبها نقوش لم ير مثلها يوسف من قبل. كانت أرض الغرفة مغطاة بالرمال، مع بعض قطع الفخار المتناثرة.
"هذا مذهل!" قال أحمد، وهو يسلط ضوءه على الجدران.
"يبدو أنه مكان سري. ربما كان مخبأ، أو معبداً قديماً." قال يوسف، وقد شعر بقشعريرة تسري في جسده.
في زاوية الغرفة، لمح يوسف شيئاً. كان يبدو ككرسي حجري، وفوقه، شيء مغطى بقطعة قماش بالية.
"انظر إلى هناك، يا أحمد."
تقدم أحمد بحذر نحو الكرسي. أزال الغطاء البالي.
تحته، لم تكن هناك كنوز، ولا ذهب، بل كان هناك... صندوق خشبي قديم، يبدو أنه محكم الإغلاق. وعلى الصندوق، كانت هناك نقوش مشابهة لتلك الموجودة على الجدران.
"ماذا تعتقد أن فيه؟" سأل أحمد.
"لا أعرف. لكنه يبدو ثميناً. ربما هو السبب الذي جعل هذا المكان سرياً."
فجأة، سمع يوسف صوتاً ضعيفاً، قادماً من عمق المكان. "هل... هل هناك أحد؟"
"هذا صوت! من هناك؟" صرخ أحمد.
"إنها... قد تكون... المرأة التي اختفى زوجها؟" قال يوسف، وشعوره بالخطر المفاجئ يزداد.
"من يتحدث؟" سأل أحمد بصوت عالٍ، موجهاً ضوء مصباحه في اتجاه الصوت.
"أنا... أنا هنا... في الممر... الضيق..." جاء الصوت أضعف، وأكثر اختناقاً.
"إنه الرجل المفقود!" قال يوسف. "لقد دخل إلى هنا، وظل عالقاً. يجب أن نخرجه بسرعة!"
في هذا الاكتشاف المذهل، لم يجد يوسف مجرد بقايا أثرية، بل وجد دليلاً على حياة أخرى، وعلى خطر كان يلوح في الأفق. كان القدر ينسج خيوطه بطرق لم يتوقعها.