الفصل 5 / 25

زواج بالقدر 192

ظلال في روح الزهرة

بقلم فاطمة النجار

كانت الليلة سابقةً لأوانها، تلقي بوشاحها الحالك على بساتين الشام، حيث تعانقت ظلال القصور العريقة وأزقة الأسواق القديمة في احتضان صامت. في غرفةٍ تفوح بعطر الياسمين الممزوج برائحة بخور العود، جلست ليلى، زهرةً ذابلةً في غير وقتها. لم تكن عيناها، اللتان اعتادتا أن تشعا ببريق الأمل، سوى نافذتين تحملان غمامةً من الحزن والخوف. أزياءها المزركشة، التي عادةً ما تضفي عليها بهاءً، بدت اليوم باهتةً، كأنما فقدت بريقها مع فقدانها لراحة بالها.

تسللت الأفكار كالأفاعي في عقلها، تلفّها بخناقٍ بارد. تذكرت كلمات جدتها، أمينة، وهي تصف لها زواجها الأول: "كان نوراً يا ابنتي، نوراً يملأ البيت، وزوجٌ يخاف الله فيك، ويجعل رضاك غايته." آهٍ، لو أن هذا النور يصل إلى حياتها! ولكن كيف لها أن ترى النور وهي غارقةٌ في ظلامٍ صنعته بيدها، أو بتعبير أدق، صنعت شراراته بأيدي الآخرين.

كانت "القهوة" تلك، كما أطلقوا عليها لتلطيف الأمر، قد استولت على روحها. لم تعد مجرد متعةٍ عابرة، بل أصبحت شبحاً يطاردها، يشدّها إليه بكل قوة. في البداية، كان الأمر مجرد فضول، تقليدٌ للبعض، محاولةٌ للتسلية في أيامٍ طغت عليها رتابة العيش. لكن هذا الفضول سرعان ما تحول إلى تعلّق، ثم إلى حاجةٍ ملحة، ثم إلى عبوديةٍ موحشة. كانت تشعر بانقباضٍ في صدرها، بضيقٍ في تنفسها، لا يزول إلا بجرعةٍ من تلك المادة التي أصبحت سُمّها ومرادها.

جلست أمام المرآة، تتأمل وجهها الشاحب. هل هذا وجهها حقاً؟ أين ذلك النضارة التي كانت تبهر كل من رآها؟ أين تلك الابتسامة الصافية التي كانت تضيء وجه جدتها؟ كانت ترى علامات الإرهاق والوهن ترسم خطوطاً دقيقة حول عينيها، وتلقي بظلالٍ قاتمةٍ تحت جفونها. لم تعد تلك "ليلى" الفتاة الطموحة، الحالمة، المتفائلة. لقد تحولت إلى شبحٍ يطارد أيامه، يتهدده شبح المستقبل المجهول.

تذكرت مرةً، عندما زارتها زميلتها القديمة، سارة، بعد انقطاعٍ طويل. سارة، التي كانت تعرفها على "القهوة" لأول مرة، تبدو اليوم أكثر حيويةً وازدهاراً. "كيف حالك يا ليلى؟" سألتها سارة بابتسامةٍ ساحرة، بينما كانت عيناها تتجولان في أرجاء الغرفة، ثم تستقران على وجه ليلى ببعض الدهشة. "تبدين متعبةً قليلاً. هل أنتِ بخير؟"

حاولت ليلى أن تخفي حقيقتها، أن تبتسم وتؤكد أنها بخير. لكن صوتها كان مرتعشاً، وكلماتها متقطعة. شعرت بلسعةٍ من العار تلفّها. كانت سارة، بملابسها الأنيقة، وعطرها الفواح، حديثها الملئ بالحياة، تمثل نموذجاً لما كانت عليه، ولما يمكن أن تكون عليه. وفي المقابل، شعرت ليلى بالدونية، بالخزي، وكأنها تحمل وصمة عارٍ لا تمحى.

"أنا.. أنا فقط.. قليلاً من ضغوط العمل،" تمتمت ليلى، وهي تمسح جبينها بيدٍ مرتعشة. "أتعرفين، الأمور ليست دائماً كما تبدو."

تنهدت سارة، وأمسكت بيد ليلى برفق. "أتفهم ذلك. لكن لا تدعي العمل يستنزفك يا عزيزتي. الحياة قصيرة، وعلينا أن نستمتع بها. هل لازلتِ ترين تلك المجموعة؟"

ارتعشت شفتي ليلى. "المجموعة؟" سألت بصوتٍ بالكاد مسموع.

"نعم، المجموعة التي تعرفت عليها. أعني، إن كنتم لا تزالون تلتقون. إنهم أشخاصٌ رائعون، ويقدمون لكِ المتعة والسعادة التي تحتاجينها."

أحست ليلى بأن الأرض تميد بها. كانت سارة، بجهلها لحقيقة ما يحدث، تدفعها إلى هاويةٍ أعمق. لم تكن "القهوة" مجرد متعة، بل كانت قيداً. لم تكن سعادة، بل كانت وهمًا. كانت تخاف أن تعترف لسارة، أو لأي شخصٍ آخر، بحقيقة ما أصبحت عليه. كان الخوف من نظرة الشفقة، أو نظرة الازدراء، أقوى من أي شيءٍ آخر.

"لم.. لم نعد نلتقي كثيراً،" قالت ليلى، وهي تجذب يدها برفق. "لقد انشغلتُ بأمورٍ أخرى."

نظرت سارة إلى ليلى بعمق، وكأنها ترى ما وراء كلماتها. "أتمنى أن تكوني صادقة يا ليلى. لا أريدكِ أن تضيعي. أنتِ فتاةٌ رائعة، ولا تستحقين إلا الأفضل."

بعد أن غادرت سارة، بقيت ليلى وحدها في الغرفة، تحاصرها أفكارها. هل كانت سارة ترى فيها الوهن؟ هل كانت تعرف السر؟ لم تكن تعلم. لكن ما كانت تعلمه بيقين، هو أنها في دوامةٍ لن تخرج منها إلا بصعوبة.

كانت تتطلع إلى الزواج من فهد. كانت تأمل أن يكون هذا الزواج هو المنقذ، هو الخلاص. كانت تؤمن بأنه سيكون سنداً لها، وسيمنحها الأمان والاستقرار الذي تفتقده. لكنها كانت تخشى أن تكشف له عن سرها. كيف يمكن لفهد، هذا الرجل النبيل، المتدين، صاحب الأخلاق الرفيعة، أن يتقبلها وهي تحمل هذا العيب؟ هل سيراها كما يراها الآخرون، ضعيفة، مدمنة؟

"يا رب،" تمتمت، وهي تغطي وجهها بيديها. "اهدني، وقوّني."

كانت صلاتها تحمل في طياتها رجاءً يائساً، ودعاءً مستعجلاً. كانت تشعر بأنها تقف على حافة جرف، وأن أي خطأٍ بسيط قد يلقي بها في الهاوية. كانت تعلم أن أمامها طريقاً طويلاً وشاقاً، وأن عليها أن تواجه نفسها أولاً، قبل أن تواجه العالم، وقبل أن تواجه الرجل الذي اختارها.

كانت الشاشة المضيئة في هاتفها تلقي بضوءٍ خافتٍ على وجهها، تعرض رسالةً جديدة. كانت من فهد.

"ليلى، كيف حالكِ اليوم؟ أرجو أن تكوني بخير. أتطلع للقائكِ غداً. أحببتُ أن أتأكد من أنكِ مستعدةٌ لبعض الأخبار السعيدة التي أودّ مشاركتها معكِ."

ارتجفت ليلى. أخبار سعيدة؟ ما هي هذه الأخبار؟ هل ستكون سبباً في سعادتها أم في شقائها؟ هل سيساعدها هذا الزواج الم المنتظر على الخروج من الظلال؟ أم سيصبح قيداً آخر يزيد من ثقلها؟

لم تستطع أن ترد على الرسالة. شعرت بأن يديها لا تقويان على الإمساك بالهاتف. تنهدت بعمق، وأغمضت عينيها، محاولةً أن تستجمع قواها، وأن تهرب من ظلال الماضي، ومن ظلال الحاضر، إلى نورٍ لم تستطع رؤيته بعد. لكن الظلال كانت أقوى، والأشباح أشدّ إصراراً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%