زواج بالقدر 192
ثقل الأمس في قلوب الغد
بقلم فاطمة النجار
في أروقة قصر آل الزهيري، حيث تمتزج عبق التاريخ بأناقة الحاضر، كان يجلس الأستاذ فهد، وقد استقرّت نظراته على النافذة الواسعة التي تطلّ على حدائقٍ خضراء مورقة. لم تكن عيناه، اللتان تحملان عمقاً وهدوءاً، تعكسان سوى قلقٍ خفيّ، ورغبةٍ مستمرةٍ في الاطمئنان على "زهره" كما كان يحب أن ينادي ليلى في سرّه.
كان يومه مليئاً بالأعمال، لكنّ فكره كان يتسلل بين الحين والآخر إلى صورة ليلى، إلى ابتسامتها التي تخيلها، إلى تلك النظرة التي شعر بأنها تخفي شيئاً. لم يكن يفهم ما هو هذا الشيء، لكنه كان يشعر بثقله. هل كان الأمر متعلقاً بوالدتها الراحلة؟ أم بشيءٍ آخر لم يستطع استيعابه؟
تذكر كلمات جدته، أمينة، التي كانت تراقب ليلى بعينٍ حانيةٍ، ولكنها كانت تحمل أيضاً قلقاً خفياً. "ليلى يا فهد، فتاةٌ طيبة، قلبها أبيض، ولكنها تحمل أحزاناً قديمة. كن لها سنداً، وكن لها رحيماً." كانت هذه الكلمات تتردد في أذنيه، وتزيد من إحساسه بالمسؤولية.
كانت "الأخبار السعيدة" التي أراد أن يشاركها معها تتعلق بتطوراتٍ هامةٍ في عمله. لقد نجح في الحصول على صفقةٍ تجاريةٍ كبيرة، كانت كفيلةً بأن تضع شركته على طريقٍ جديدٍ من الازدهار. كان يتمنى أن يرى الفرحة في عينيها، وأن يشاركها هذا النجاح، آملاً أن يكون ذلك سبباً في بثّ البهجة في نفسها.
لكنه كان يدرك أيضاً أن هناك جوانب أخرى في حياة ليلى قد تتأثر بهذه الأخبار. لقد وعدها بأن يقضي معها وقتاً أطول، وأن يمنحها الاهتمام الذي تستحقه. لكن طبيعة عمله، التي تتطلب منه السفر المتكرر والتغيب عن المنزل، قد تشكل تحدياً.
"يا ولدي،" قالت جدته أمينة، وهي تدخل الغرفة بهدوء، تحمل في يديها صينيةً من الشاي الدافئ. "يبدو أنك غارقٌ في أفكارك."
ابتسم فهد، وأخذ منها كوب الشاي. "نعم يا جدتي. أفكر في ليلى، وفي المستقبل."
جلست أمينة بجانبه، وأردفت بصوتٍ هادئ: "أتفهم قلقك. هي فتاةٌ تحمل هموماً، ولكنها قادرةٌ على تجاوزها. المهم أن نعطيها المساحة، وأن ندعمها دون أن نخنقها."
"هل تعتقدين أنها تخفي شيئاً عني يا جدتي؟" سأل فهد، وهو ينظر إلى جدته بترقب.
تنهدت أمينة، وقالت: "كل إنسانٍ يحمل أسراره يا فهد. المهم هو كيف نتعامل مع هذه الأسرار. هل نتركها تدمرنا، أم نستغلها لتجعلنا أقوى؟"
"أنا أحبها يا جدتي. أحبها بصدق، وأريد لها السعادة."
"وأنا أعرف ذلك. لهذا السبب بالذات، عليك أن تكون صبوراً، وأن تثق بها. الحب الحقيقي لا يقوم على الكمال، بل على القبول والمغفرة. إن كانت تحمل ما يؤلمها، فإنه يحتاج إلى وقتٍ لتتجاوز، وإلى يدٍ حانيةٍ ترشدها."
في مساء ذلك اليوم، وبينما كانت العقارب تشير إلى اقتراب الليل، تلقت ليلى اتصالاً هاتفياً. كان الصوت الرجالي الذي تسمعه، رغم محاولته التخفي، مألوفاً بشكلٍ مزعج.
"ليلى، أنا. هل أنتِ وحدكِ؟"
تجمد الدم في عروقها. كانت تعرف من المتصل. "سالم."
"لا تخافي، أنا هنا لأساعدكِ. لقد سمعتُ أن خطبتكِ من فهد تسير على ما يرام. هذا جيد، ولكن هل فكرتِ كيف ستتعاملين مع... مشاكلنا القديمة؟"
شعرت ليلى ببرودةٍ تسري في جسدها. سالم، الرجل الذي كان جزءاً من ماضيها المظلم، كان يعود ليطاردها. "ماذا تريد مني؟" سألت بصوتٍ مرتجف.
"أنا لا أريد شيئاً منكِ، ليلى. أنا فقط أريد أن أذكركِ بأن الماضي لا يموت. وأن هناك أشياءً قديمة، قديمة جداً، قد تظهر فجأةً وتدمر كل شيء. خصوصاً وأن هناك شخصاً نبيلًا يدخل حياتكِ. هل هو على علمٍ بكل شيء؟"
شعرت ليلى بأنها على وشك الانهيار. كانت كلماته كلسعٍ، تذكرها بأن ماضيها ليس مجرد ذكريات، بل هو لعنةٌ قد تلاحقها. "ليس لكَ علاقةٌ بأمري. اتركني وشأني."
"ليلى، ليلى،" قال سالم بضحكةٍ خبيثة. "أنا لا أترك أحداً وشأنه. خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بـ "رفاقي". أتعرفين، البعض من "أصدقائكِ" القدامى لم ينسوا حتى الآن. وهم يتساءلون متى ستعودين إلى "نادينا". قد يكون من الأفضل أن تزوريهم ليلةً، لتطمئنيهم. أو قد أزورهم أنا، وأخبرهم بكل شيءٍ عن ليلى، وعن خطيبها الجديد."
أغلقت ليلى الخطّ بسرعة، وقلبها يخفق بعنف. كانت تشعر بأنها محاصرة. سالم لم يكن مجرد ذكرى سيئة، بل كان تهديداً حقيقياً. كانت تعرف أنه قادرٌ على فعل أي شيءٍ ليحصل على ما يريد.
"يا رب،" همست، وهي تعود إلى غرفتها. "كيف سأواجه هذا؟"
كانت الأخبار السعيدة التي أعدّها فهد تبدو الآن وكأنها غبارٌ يثير العبوس. كيف يمكنها أن تشاركه فرحته وهي تحمل هذا الثقل؟ كيف يمكنها أن تبني معه مستقبلاً وهي تخشى أن يكشف الماضي عن وجهه القبيح؟
جلست على حافة السرير، تنظر إلى هاتفها. هل يجب أن تخبر فهد؟ هل يجب أن تخاطر بكل شيءٍ من أجل قول الحقيقة؟ لكنها كانت تخشى أن تفقده، أن يراها بعينٍ مختلفة، أن يتخلى عنها.
"لا،" قالت لنفسها بصوتٍ خافت. "لن أخبره الآن. سأحاول حلّ هذا بنفسي. سأجد طريقةً لأتخلص من سالم."
لكن في أعماقها، كانت تعلم أن الأمر ليس بهذه البساطة. كانت تعلم أن سالم ليس مجرد تهديدٍ بسيط، بل هو جزءٌ من ضعفها، من سذاجتها. كانت تعلم أن القوة التي تحتاجها لتجاوز هذه المحنة، ليست القوة الظاهرية، بل القوة الداخلية، قوة الإيمان، وقوة التوكل على الله.
استقبلت ليلى في غرفتها حزناً جديداً، لم يكن سببه "القهوة" فقط، بل سببه أيضاً ظلال سالم التي عادت لتلقي بظلالها القاتمة على حياتها، وعلى مستقبلها الذي كانت تتمنى أن يكون مليئاً بالنور.