زواج بالقدر 192
لغز اللقاء والخوف المستتر
بقلم فاطمة النجار
استيقظت ليلى في صباح اليوم التالي، وقد غلفها شعورٌ غريبٌ بالضيق. لم تكن تلك "القهوة" هي ما يثقل صدرها هذه المرة، بل كانت كلمات سالم، وتهديداته، والخوف الذي زرعه في قلبها. كانت تنظر إلى انعكاسها في المرآة، فترى فيه شابّةً تحمل ثقل العالم على كتفيها، رغم أنها لم تتجاوز عقدها الثاني والعشرين.
"لا،" قالت لنفسها بصوتٍ هامس، وهي تغسل وجهها بالماء البارد. "لن أستسلم. سأجد حلاً."
كان لقاؤها بفهد في ذلك اليوم مقرراً في حديقةٍ عامةٍ هادئة، بعيداً عن أعين المتطفلين. أرادت ليلى أن تكون قوية، وأن تقدم له صورةً غير صورة الفتاة الضعيفة المنهارة. ارتدت فستاناً أخضرَ زاهياً، كان يحمل نقوشاً ورديةً رقيقة، محاولةً أن تستعيد شيئاً من بريقها المفقود. وضعت القليل من العطر، وزينت شعرها بوشاحٍ حريري.
عندما وصلت إلى المكان، وجدته واقفاً تحت شجرةِ أبنوسٍ عتيقة، ينتظرها. ابتسامته كانت مشرقّة، وعيناه كانت تحملان بريقاً من الشوق. شعرها الأسود كان مصففاً بعناية، وثيابه الأنيقة، بلونٍ رماديٍ داكن، زادته وقاراً.
"ليلى!" قال، وهو يقترب منها بخطواتٍ سريعة. "لقد اشتقتُ إليكِ."
ابتسمت له ليلى، محاولةً أن تخفي ما يعتمل في صدرها. "وأنا أيضاً يا فهد."
جلسا على مقعدٍ حجريٍ، تحيط بهما الورود المتفتحة. كان الجو لطيفاً، تغمرهُ نسماتٌ خفيفةٌ تبعث على الاسترخاء. لكن ليلى لم تستطع أن تستشعر ذلك الاسترخاء. كانت تتوقع في أي لحظةٍ أن يظهر سالم، أو أن تأتي رسالةٌ منه، لتفسد كل شيء.
"لدي أخبارٌ رائعة لكِ يا ليلى،" قال فهد، وقد لمعت عيناه. "لقد نجحتُ في إتمام صفقةٍ تجاريةٍ كبيرة. هذه الصفقة ستكون نقطة تحولٍ حقيقية لشركتي. أردتُ أن أكون أول من يشارككِ هذه الفرحة."
ابتسمت ليلى، وشعرت بلحظةٍ من الارتياح. "مباركٌ لكَ يا فهد! أنا سعيدةٌ جداً من أجلك. أنتَ تستحق كل خير."
"أنا ممتنٌ لكِ، يا ليلى. وجودكِ في حياتي يجعل كل شيءٍ أجمل. لقد تحدثتُ مع والدتي، وقررتُ أن نزور عمّي وعمّتي الأسبوع المقبل. أردتُ أن نأخذ موافقتهم الرسمية على زواجنا، وأن نحدد موعداً مبدئياً."
ارتعشت ليلى قليلاً. "موعدٌ مبدئي؟"
"نعم. أريد أن يبدأ العد التنازلي لـ "زواج القدر" هذا. ما رأيكِ؟"
شعر فهد بتغيّرٍ مفاجئٍ في تعابير وجه ليلى. "هل أنتِ بخير؟" سأل، وقد استقرّت نظراته على وجهها بقلق.
"أنا.. أنا بخير." أجابت ليلى، وهي تتجنب النظر إليه. "فقط.. تذكرتُ بعض الأمور."
"أمور؟" سأل فهد، بفضولٍ واضح.
"نعم. أمورٌ من الماضي. أشياءٌ قديمة."
صمت فهد للحظة، ثم قال بصوتٍ هادئ: "ليلى، لقد أخبرتني جدتي أنكِ تحملين بعض الأحزان. لا بأس في ذلك. كلنا نحمل أحزاننا. لكن إن كانت هناك أشياءٌ تزعجكِ، أو تمنعكِ من الراحة، أرجوكِ، تحدثي معي. أنا هنا لأسمعكِ، ولأدعمكِ."
نظرت ليلى إليه، فرأت في عينيه صدقاً لا يمكن إنكاره. كان صوته مليئاً بالحنان، وبالرغبةِ في مساعدتها. شعرت بدموعٍ تتجمع في عينيها، لكنها حبستها. لم تكن مستعدةً بعد للكشف عن كل شيء.
"أنا.. أنا فقط.. أشعر بالقلق بعض الشيء."
"القلق من ماذا؟" سأل فهد، وهو يمسك بيدها برفق.
"من المستقبل. من قدرتي على أن أكون الزوجة التي تستحقها. أحياناً.. أشعر بأنني لستُ جيدةً بما يكفي."
"ليلى،" قال فهد، وضمّ يدها بقوةٍ أكبر. "أنا اخترتكِ أنتِ. لم أختر امرأةً أخرى. وثقتي بكِ كبيرة. لا تدعي الشكوك تتسلل إلى قلبكِ. نحن سنبني هذا المستقبل معاً. وسنواجه أي صعوبةٍ تواجهنا معاً."
في تلك اللحظة، شعرت ليلى بأن جزءاً من ثقلها قد زال. كانت كلمات فهد بلسمةً لروحها، لكنها لم تكن كافيةً لإزالة كل الأوجاع.
"شكراً لكَ يا فهد،" قالت، وقد انفرجت أساريرها قليلاً. "سأحاول. سأبذل قصارى جهدي."
"وهذا يكفي،" قال فهد، وهو يبتسم لها. "والآن، أخبريني المزيد عن هذه الصفقة. كيف ستبدأ؟ وما هي الخطوات التالية؟"
وبينما كانت ليلى تستمع إلى تفاصيل صفقة فهد، وتشعر ببعض الارتياح، كان هاتفها يرنّ مرةً أخرى. نظرت إليه، فرأت اسم "سالم" يضيء الشاشة. انقبض قلبها، واختفى الارتياح.
"من هذا؟" سأل فهد، وقد لاحظ تغيّر وجهها.
"لا أحد،" أجابت ليلى بسرعة. "مجرد.. شخصٌ خاطئ."
"هل أنتِ متأكدة؟" سأل فهد، وقد استقرّت نظراته على هاتفها. "تبدين قلقةً."
"لا، لا شيء. فقط.. كان هاتفي يرنّ. ربما خطأٌ في الرقم."
تمالكت ليلى أعصابها، وحاولت أن تبتسم. لكنها شعرت بأن سالم يضغط عليها، يهددها، يجعلها تخشى من كل لحظةٍ سعادة.
"هل نذهب الآن؟" سأل فهد، وقد بدت عليه بعض علامات الاستغراب. "أنا أشعر أن الجو بدأ يبرد."
"بالتأكيد،" قالت ليلى، وهي تقف بسرعة. "أعتقد أنني متعبةٌ قليلاً."
كانت متعبةً حقاً، ليس من التعب الجسدي، بل من تعب الخوف، وتع ب الأسرار، وتع ب الغموض الذي يحيط بها. كانت تعلم أن لقاءها بفهد قد انتهى، ولكن معركةَ الحفاظ على نفسها، وعلى مستقبلها، قد بدأت للتو.