زواج بالقدر 192
خيوط الأمل في نسيج القدر
بقلم فاطمة النجار
في صباحٍ مشرقٍ، حمل معه نسيمٌ عليلٌ يحمل عبق الياسمين، استيقظت ليلى وقد استقرّ قرارٌ في قلبها. لم تكن تلك "القهوة" هي ما يشغل تفكيرها هذه المرة، بل كانت كلمات والدتها، وصدق فهد، وإلحاح سالم. أدركت ليلى أنها لا تستطيع أن تعيش في ظلّ الخوف والإنكار. لقد حان الوقت لمواجهة ماضيها، مهما كان الثمن.
بعد تناول وجبة الإفطار، جلست ليلى مع جدتها أمينة. كانت الجدة، ببصيرتها الثاقبة، قد شعرت بأن هناك أمراً جللاً يمرّ بابنتها.
"ماذا بكِ يا ابنتي؟" سألت أمينة، وهي تمسح على شعر ليلى بحنان. "أرى أنكِ تحملين هموماً جديدة."
أخذت ليلى نفساً عميقاً، وبدأت تحكي. بدأت تحكي عن "القهوة"، عن بدايتها، عن تطورها، وعن كل ما مرت به. ثم تحدثت عن سالم، عن تهديداته، وعن محاولاته لابتزازها. لم تخفِ شيئاً، بل روت كل شيءٍ بتفصيلٍ مؤلم.
"يا رب!" قالت أمينة، وقد ارتسمت على وجهها علامات الصدمة والأسى. "كنتُ أخشى من هذه الأمور. أخشى أن تكون الفتيات في هذا الزمن عرضةً لمثل هذه الانزلاقات."
"ولكن يا جدتي،" قالت ليلى، وقد استقرت في صوتها نبرةٌ من العزم، "أنا لا أريد أن أكون عرضةً لأي شيء. أنا أريد أن أكون قويةً، وأن أبني مستقبلي. ولهذا، أريد أن أواجه سالم. أريد أن أخبر فهد بالحقيقة."
نظرت أمينة إلى ليلى، وقد امتلأت عيناها بالدموع. "أعلم أن هذا القرار صعبٌ يا ابنتي. ولكنه القرار الصحيح. الصدق هو مفتاح كل شيء. وإن كان فهد يحبكِ حقاً، فسوف يتقبلكِ، وسيدعمكِ."
"ولكن ماذا عن "القهوة"؟" سألت ليلى، والخوف يعود يتسلل إلى صوتها. "كيف سأخبره أنني.. أنني مدمنة؟"
"يا ابنتي،" قالت أمينة، وهي تضمّ ليلى بحنان، "كل إنسانٍ لديه نقاط ضعفه، ولديه أخطاؤه. المهم هو أن نسعى للتغيير، وأن نطلب العون. إن كنتِ ترغبين في العلاج، فسوف نساعدكِ. وسأقف بجانبكِ."
بعد هذه المحادثة، شعرت ليلى بأنها قد حملت عبئاً ثقيلاً. كانت لا تزال خائفة، لكنها كانت تشعر أيضاً بقوةٍ جديدة، قوةٍ مستمدةٍ من الصدق، ومن دعم عائلتها.
قررت ليلى أن تواجه فهد في اليوم التالي. حددت موعداً في حديقةٍ هادئة، بعيداً عن ضوضاء المدينة. عندما وصل فهد، كان يبتسم كعادته، لكن ليلى رأت في عينيه شيئاً من القلق.
"ليلى،" قال، وهو يقترب منها. "أرى أنكِ تتغيرين. هل هناك ما يزعجكِ؟"
"فهد،" بدأت ليلى، وقد اختنقت الكلمات في حلقها. "هناك شيءٌ يجب أن أخبرك به. شيءٌ مهمٌ جداً."
ثم بدأت تحكي. روت له كل شيءٍ عن "القهوة"، عن ماضيها، عن سالم، وعن كل ما كانت تخفيه. كانت كلماتها متقطعة، وصوتها مرتعشاً، لكنها لم تتوقف. كانت ترى في عيني فهد تعابير مختلفة: الدهشة، الألم، ولكن أيضاً شيئاً من التفهم.
عندما انتهت، ساد صمتٌ طويل. كان الهواء ثقيلاً، مشحوناً بالتوتر. كانت ليلى تنتظر حكم فهد، تنتظر أن ينهض ويغادر، أن يتركها وحدها في ظلمة ماضيها.
ولكن فهد لم يفعل ذلك.
بعد لحظاتٍ بدت وكأنها دهور، رفع فهد رأسه. كانت عيناه لا تزالان تحملان بعض الألم، لكنها كانت أيضاً تحمل شيئاً من العزم.
"ليلى،" قال بصوتٍ هادئ. "لقد سمعتُ كل شيء. ولم أتوقع أبداً أن تحملي كل هذا الألم وحدكِ."
"أنا.. أنا آسفة يا فهد،" تمتمت ليلى، والدموع تنهمر من عينيها. "لم أرد أن أخفي عنك شيئاً. لكنني كنتُ خائفةً."
"الخوف يسيطر على الكثيرين يا ليلى،" قال فهد، وهو يقترب منها. "ولكنه لا يجب أن يدمرنا. لقد أخبرتني جدتي عن بعض أحزانكِ. ولكنني لم أتخيل أبداً أنها بهذا الحجم."
مسك بيدها، وضمّها برفق. "يا ليلى، الحب الحقيقي لا يقوم على الكمال. يقوم على القبول، وعلى الدعم، وعلى الرغبة في مساعدة من نحب على تجاوز أخطائهم. أنتِ فعلتِ شيئاً، ولكنكِ الآن تسعين للتغيير. وهذا ما يهم."
"ولكن.. ماذا عن سالم؟" سألت ليلى، والخوف لا يزال يسيطر عليها. "إنه يهددني."
"سالم؟" قال فهد