الفصل 1 / 25

روحي تعشقك 193

سكونٌ قبل العاصفة

بقلم فاطمة النجار

كانت شمسُ الأصيلِ تلقي بظلالٍ ذهبيةٍ طويلةٍ على أرضِ قريةِ "الأثير"، فتنيرُ بساتينَ البرتقالِ ورائحةَ الياسمينِ العتيقة. في هذا الهدوءِ الذي يسبقُ صخبَ المساءِ، كانت "ليلى" تتحركُ بخفةٍ بينَ أزقةِ السوقِ القديم، تحملُ سلةَ خبزٍ طازجٍ من فرنِ جدتِها، وتُوزِّعُ ابتساماتٍ هادئةً على الوجوهِ السمحةِ التي اعتادتْ رؤيتَها يومياً. كانت "ليلى" فتاةً تجاوزتْ عتبةَ العشرينَ ببعضِ السنوات، لكنَّ عينَيها العسليتينِ كانتا تحملانِ عمقَ أعمارٍ كثيرة، مزيجاً من البراءةِ والحكمةِ، والفرحِ المكتومِ بالمسؤولية.

توقفتْ عندَ دكانِ "أبو أحمد" لِتُسلِّمَهُ بعضَ قطعِ الحلوى المصنوعةِ يدوياً، تلكَ التي اشتهرتْ بها أسرتُها. كانَ "أبو أحمد"، الرجلُ ذو الشاربِ الأبيضِ والضحكةِ الرنانة، يحاولُ جاهداً أنْ يُقنعَها بِشراءِ قطعةِ حريرٍ زرقاءَ كزرقةِ السماء، قائلاً: "يا ابنتي، هذا اللونُ يليقُ بكِ أيَّما يليق، سيُبرزُ جمالَ عينيكِ التي تشبهانِ بحرَ جدةَ في صفائِه." ابتسمتْ "ليلى" بخجلٍ ورفضتْ بلطف: "لا يا عمي، هذهِ لزوجةِ ابنِكِ، فقدْ وعدتُها بذلكَ عندَما زرتُهم الأسبوعَ الماضي."

لم يكنْ السوقُ في "الأثير" مجردَ مكانٍ للتجارة، بل كانَ قلبَ القريةِ النابض، شاهداً على قصصِ الأجيال، وحاضناً لأحلامِ الشبابِ وطموحاتِ الشيوخ. كانت "ليلى" تعرفُ كلَّ زاويةٍ فيه، كلَّ رائحةٍ، كلَّ صوتٍ. كانتْ جزءاً لا يتجزأُ من نسيجِ هذهِ القريةِ الصغيرةِ التي تحتضنُ الحياةَ ببساطةٍ وهدوء.

وبينما كانتْ تخطو عائدةً إلى منزلِ جدتِها، استرعى انتباهَها صوتُ صهيلٍ عالٍ، تلاهُ صوتُ menneskerٍ يصرخ. رفعتْ رأسَها لتَرى سحابةَ غبارٍ تتصاعدُ قربَ حافةِ السوق، حيثُ تبدأُ الطرقُ الوعرةُ المؤديةُ إلى خارجِ القرية. تجمعتْ بعضُ الناسِ ينظرونَ بدهشةٍ وقلق. مدفوعةً بفضولٍ وحسٍّ بالمسؤولية، ألقتْ سلتَها على إحدى السقائفِ الخشبيةِ الخالية، وانطلقتْ بخطواتٍ سريعةٍ نحو موقعِ الاضطراب.

عندما وصلتْ، وجدتْ مشهداً لم تعتدْ عليه. كانَ حصانٌ جامحٌ، يبدو أنهُ أفلتَ من لجامِه، يرتجفُ ويدورُ بعنفٍ، بينما كانَ صاحبهُ، شابٌّ غريبٌ عن القرية، يحاولُ السيطرةَ عليهِ ببراعةٍ ولكنْ بقلقٍ ظاهر. كانَ الشابُّ يرتدي ملابسَ لا تشبهُ ملابسَ أهلِ "الأثير"، قماشُها أرقُّ، وتصميمُها أكثرُ حداثة. شعرُهُ الأسودُ الغزيرُ كانَ مبعثراً، وعيناهُ السوداوانِ تبدوانِ كجمرتينِ تشتعلانِ بالغضبِ والقلق.

تجمعتْ نظراتُ أهلِ القريةِ حولَ هذا المشهد، بعضُهم خائفٌ، وبعضُهم متسائل. لكنَّ "ليلى" لاحظتْ شيئاً آخر. لاحظتْ أنَّ الحصانَ، رغمَ هياجِه، كانَ يتجهُ نحو عربةٍ صغيرةٍ تقفُ على جانبِ الطريق، كانتْ محملةً بالكثيرِ من الأواني الفخاريةِ الرقيقة. كانتْ على وشكِ الاصطدامِ بها.

دون تفكيرٍ، دونَ تردُد، اندفعتْ "ليلى" نحو الحصان. لم تكنْ فارسةً، ولمْ تكنْ من هواةِ الخيل، لكنَّها كانتْ تمتلكُ جرأةً فطريةً وشجاعةً لا تعرفُ الخوفَ في اللحظاتِ الحاسمة. صرختْ بصوتٍ قويٍّ، صوتٌ لمْ تعتدْ هي نفسها أنْ تسمعهُ بهذا الوضوح: "قفْ! قفْ أيها الحصان!"

انعطفتْ الحشودُ نحوها، ولكنَّ الشابَّ الغريبَ هو منْ استجابَ لندائِها. بدا للحظةٍ وكأنَّ صوتَها قدْ أحدثَ وقفةً قصيرةً في هياجِ الحصان، أو ربما أدهشهُ هذا الصوتُ الأنثويُّ القويُّ في وسطِ الفوضى. استغلَّ الشابُّ هذهِ اللحظةَ، وقبلَ أنْ يفكِّرَ أحدٌ، أمسكَ بلجامِ الحصانِ بقوةٍ فائقة، ونجحَ في جذبهِ بشدةٍ نحو الخلف، مانعاً إياه منْ الاصطدامِ بالعربة.

تنفّسَ الجميعُ الصعداء. كانَ الحصانُ لا يزالُ يرتجفُ، لكنَّه بدأ يهداً قليلاً تحتَ وطأةِ قبضةِ الشابِّ القوية. اقتربَ "أبو أحمد" مسرعاً، متجاهلاً دهشتهُ الأولى، وسألَ الشابَّ بلهجةٍ حازمة: "منْ أنتَ يا هذا؟ ومنْ أينَ لكَ هذا الحصانُ الجامح؟"

ابتسمَ الشابُّ ابتسامةً خفيفةً، بدتْ وكأنها ترتسمُ على وجهٍ مرهق. قالَ بصوتٍ أجشٍّ بعضَ الشيء: "أنا "نور"، وهذهِ أرضُ الله. أما الحصان، فهو لصديقٍ لي، يبدو أنهُ لمْ يعتَدْ على صخبِ السوق."

كانتْ كلماتُهُ غامضةً بعضَ الشيء، لكنَّ "ليلى" لمْ تهتمْ كثيراً. كانتْ عيناها تلتقيانِ بعيني "نور" للحظةٍ خاطفة. كانتْ تلمحُ فيهما شيئاً يتجاوزُ ما يبدوه، شيئاً منَ التحدي، وربما شيئاً منَ الوحدة. بدا وكأنهُ يحملُ عالماً منَ القصصِ خلفَ تلكَ النظرةِ الثاقبة.

"بارك الله فيكِ يا ابنتي،" قالَ "أبو أحمد" لـ "ليلى"، وقدْ عادَ إليهِ هدوءُه، "لقدْ كنتِ شجاعةً جداً. لولا صوتُكِ، لكانتْ مصيبةٌ." ابتسمتْ "ليلى" بخجلٍ، وشعرتْ بدفءٍ يتسللُ إلى وجنتيها. لمْ تكنْ تبحثُ عنْ الثناء، لكنَّ كلمةَ "شجاعة" منْ "أبو أحمد" كانتْ تعني لها الكثير.

أنهى "نور" وضعَ الحصانِ في مكانٍ آمن، ثمَّ اقتربَ من "ليلى" بخطواتٍ محسوبة. انحنى قليلاً، قائلاً بصوتٍ خفيضٍ بدا وكأنهُ يحملُ امتنانًا عميقاً: "أشكرُكِ، آنسة. لقدْ أنقذتِ موقفاً صعباً. لمْ أتوقعْ أنْ أجدَ مثلَ هذهِ الشجاعةِ في هذهِ القريةِ الهادئة."

نظرتْ إليهِ "ليلى" مباشرةً، ولمْ تشعرْ بالرهبةِ هذهِ المرة. "كلُّ إنسانٍ يمتلكُ شجاعةً ما، يا سيد "نور". أحياناً، لا تظهرُ إلا في اللحظاتِ التي نحتاجُ فيها إليها."

ابتسمَ "نور" مرةً أخرى، وهذهِ المرةَ بدتْ ابتسامتُه أوسعَ قليلاً، فيها شيءٌ منَ الإعجاب. "كلماتٌ حكيمة. أتمنى أنْ ألتقي بكِ مرةً أخرى، لِأُكملَ حديثنا."

قبلَ أنْ تستطيعَ "ليلى" الرد، كانَ "أبو أحمد" قدْ تدخل، قائلاً: "لا يا بني، هذهِ "ليلى" فتاةٌ عفيفةٌ وطاهرة، ولا يليقُ بها أنْ تتحدثَ معَ الغرباء. لو أحببتَ أنْ تتعرفَ على أهلِ القرية، فإلى دكانِ "أبو محمد" لِتشربَ كوبَ شايٍ وتُعرّفَ بنفسِك."

ارتسمتْ على وجهِ "نور" مسحةُ خيبةِ أملٍ سريعة، لكنَّه لمْ يُظهرْ امتعاضاً. أومأ برأسِه احتراماً، وقال: "شكراً على النصيحة، يا عم. سأفعل." ثمَّ التفتَ إلى "ليلى" وأضافَ: "وداعاً، يا آنسة الشجاعة."

شاهدتهُ "ليلى" يبتعد، تاركاً خلفه أثراً منَ الغموضِ والفضول. كانتْ تعرفُ أنَّ هذا اللقاءَ لمْ يكنْ عادياً، وأنَّ هذا الشابَّ الذي جاءَ منْ حيثُ لا تدري، بحصانِه الجامحِ وعينيهِ الثاقبتين، قدْ زرعَ شيئاً ما في سكونِ حياتِها الهادئة. شعرتْ بأنَّ هذهِ اللحظةَ، سكونُ الأصيلِ الذي كادَ ينقلبُ إلى عاصفة، كانتْ مجردَ بداية.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%