روحي تعشقك 193
مواجهة الحقيقة وجهاً لوجه
بقلم فاطمة النجار
في اليوم التالي، اجتمع أفراد العائلة المقربون، وهم السيد هاشم، السيدة فاطمة، السيدة ليلى، نور، وعمها السيد خالد، الذي كان له دور كبير في تربية عبد الرحمن بعد وفاة والده. كانت الأجواء مشحونة بالترقب، فكلهم يعلمون أهمية هذا اللقاء. وصل عبد الرحمن، وبصحبتهم المهندس أحمد، صديقه المقرب، الذي كان يعرف بقصة حب عبد الرحمن القديمة.
استقبل السيد هاشم الضيوف بحفاوة، ثم دعا الجميع للجلوس في غرفة المعيشة. كانت نور تجلس بين جدتها ووالدتها، تراقب عبد الرحمن الذي جلس مقابلها، وعيناه تبحثان عنها باستمرار، ولكنها كانت تتجنب النظر إليه مباشرة.
بدأ السيد هاشم الحديث بكلمات ترحيبية، ثم تطرق إلى الموضوع مباشرة. "عبد الرحمن، أحمد. نشكركم على قبول دعوتنا. نحن هنا اليوم لنتحدث بصراحة، عن أمر يخص نور، وأمر يخصك أنت يا عبد الرحمن."
نظر عبد الرحمن إلى السيد هاشم، وقال بصوت ثابت: "أشكركم على استضافتي. وبالنسبة للموضوع، فليكن الحديث صريحاً وواضحاً."
"لقد سمعنا منك يا نور، سمعنا منك يا عبد الرحمن. لقد تحدثت نور عن زيارتك لها، وعن ما قلته لها. ولكننا نحتاج إلى سماع منك أنت. لماذا عدت؟ وما الذي تريده حقاً؟" سأل السيد خالد، الذي كان لديه صوته العميق، وصوته يحمل بعض القسوة.
تنفس عبد الرحمن بعمق. "لقد عدت لأنني لم أستطع أن أنسى. لم أستطع أن أعيش حياتي وأنا أعرف أنني تركت ورائي أجمل ما في حياتي. لقد أخطأت، وأعتذر عن هذا الخطأ. لم أكن أعرف قيمة نور إلا بعد أن خسرتها."
"ولماذا خسرتها؟" سألت السيدة ليلى، بصوت فيه نبرة اتهام.
"لقد كنت شاباً، وعامل الضغط من حولي، والطموح الجامح، جعلوني أتصرف بشكل متهور. ظننت أنني سأحقق كل شيء بدونه، ثم أعود. لكن الزمن لم يكن في صالحي. لقد خسرت نور، وخسرت معها الكثير." قال عبد الرحمن، وعيناه تعكسان صدقاً لا ينكره أحد.
"ولماذا لم تفعل شيئاً طوال هذه السنوات؟ لماذا لم تحاول التواصل؟" سأل السيد هاشم.
"لقد حاولت. ولكنني كنت أخجل. وكنت أعرف أنني سأجد صعوبة في إقناعكم، بل وربما إقناع نور نفسها. وبعد أن بدأت حياتي تستقر، وبعد أن أدركت معنى السعادة الحقيقية، قررت أن أعود. وأن أواجه كل شيء. وأن أضع نفسي تحت حكمكم، وتحت حكم نور." قال عبد الرحمن.
"وما هو حكمك يا نور؟" سأل السيد هاشم، وهو ينظر إليها.
نظرت نور إلى عبد الرحمن. رأت في عينيه الكثير من المشاعر: الحب، الندم، الخوف، والأمل. لقد كانت صامتة لفترة طويلة، تحاول أن تجمع كلماتها.
"لقد سمعت ما قلته يا سيد عبد الرحمن. ولكن، كما قلت أنت، لقد مرت سنوات. لقد تغيرت. ولم أعد تلك الفتاة التي تركتها. ولديّ مسؤولياتي. وأنا أفكر في مستقبلي." قالت نور، وصوتها كان قوياً وثابتاً.
"وأنا أحترم قرارك يا نور. ولكنني أتمنى أن تعطينني فرصة. فرصة لأثبت لكِ، ولأثبت لعائلتكِ، أنني رجعت لأجل الحب، ولأجل بناء بيت مسلم، يقوم على كتاب الله وسنة رسوله." قال عبد الرحمن.
"وما الذي يضمن لك أنك لن ترحل مرة أخرى؟" سألت السيدة ليلى.
"إرادتي، وعقلي، وقلبي. لقد تعلمت درساً قاسياً. لن أكرر خطئي أبداً. أنا هنا لأبقى." قال عبد الرحمن، وعيناه لا تفارقان نور.
"وماذا عن الزواج؟" سأل السيد هاشم. "نور ليست صغيرة، ووالدتها تبحث لها عن زوج."
"إذا كانت نور مستعدة، وإن كانت عائلتها توافق، فسأتقدم لخطبتها رسمياً. وسأبذل كل ما في وسعي لأكون الزوج الصالح، والأب الحنون، الذي تستحقه." قال عبد الرحمن، وهو ينظر إلى نور. "أعلم أن الأمر صعب، وأن الثقة مسألة بناء. ولكنني مستعد لبدء هذا البناء من الصفر."
نظرت نور إلى جدتها، ثم إلى والدتها، ثم إلى عمها. كانت ترى فيهم علامات التفكير، وعلامات عدم الاقتناع التام، ولكنهم أيضاً لم يغلقوا الباب.
"عبد الرحمن، أنت تعلم أننا نعاملكم كأهل. وأننا نحبكم. ولكننا أيضاً مسؤولون عن سعادة نور." قال السيد خالد. "لذلك، سنعطي هذه المسألة بعض الوقت. سنتحدث نحن كعائلة، وسنرى ما هو الأنسب. لكن ما أريده منك الآن، هو أن تثبت لنا، ولنفسك، أنك حقاً تغيرت. وأنك جاد في كلامك."
"سأفعل ذلك. سأبذل قصارى جهدي." قال عبد الرحمن.
"وإذا وافقت نور، فهل ستكون مستعدة لتكون زوجة صالحة، وأماً مربية؟" سأل السيد هاشم نور.
"إذا اخترت هذا الطريق، فأتمنى أن أكون كذلك." قالت نور، وصوتها لا يزال فيه بعض التردد.
"الأمر يحتاج إلى تفكير. وخصوصاً بالنسبة لك يا نور." قال السيد هاشم. "سنعقد اجتماعاً آخر بعد أسبوع. حتى ذلك الحين، فكروا جميعاً. فكروا جيداً."
نهض الجميع، وغادر عبد الرحمن وأحمد. بقيت نور مع عائلتها، وهي تشعر بأن ثقل العالم قد ألقي على كتفيها. لقد واجهت الحقيقة، وواجهت الماضي. والآن، عليها أن تتخذ قراراً مصيرياً. هل ستمنح الحب فرصة ثانية؟ هل ستفتح باب قلبها مجدداً؟ أم أن جراح الماضي كانت أعمق من أن تشفى؟