روحي تعشقك 193
ظلال الماضي: خيوط متشابكة
بقلم فاطمة النجار
اجتمعت نور والمحامي خالد في مكتبه الأنيق، الذي تفوح منه رائحة القهوة المختلطة بعبق الورق القديم. كانت الأوراق التي أحضرتها نور مبعثرة على الطاولة، وكل ورقة تحمل في طياتها قصة. كان المحامي خالد يتصفحها بتركيز شديد، وعلامات الدهشة تظهر تدريجياً على وجهه.
"يا سيدة نور، ما أحضرته هو كنـز حقيقي!" قال المحامي خالد، وهو يرفع ورقة تبدو كعقد قديم. "هذه المستندات تثبت أن جدك، رحمه الله، كان له شراكة تجارية قوية مع السيد مراد، قبل سنوات طويلة. والغريب في الأمر، أن هذه الشراكة انتهت بشكل مفاجئ، وأن هناك شبهات بأن السيد مراد قد استغل ثقة جدك في تلك الفترة."
شعر نور بقشعريرة تسري في جسدها. "هل هذا يعني أن قضية والدة أيهم مرتبطة بماضي جدي؟"
"يبدو أن الأمور متشابكة أكثر مما كنا نتوقع. هذه الوصية التي وجدتيها، مكتوبة بلغة قديمة، تشير إلى أن السيد مراد كان مديناً لجدك بمبلغ كبير، وأن هناك رغبة في إخفاء هذه الديون. يبدو أن السيد مراد لم يكتفِ بالخلافات القديمة، بل استمر في محاولة تشويه سمعة عائلة أيهم، ربما للانتقام أو لإخفاء حقيقته."
نظر المحامي خالد إلى نور بجدية. "السيدة نور، يبدو أن السيد مراد هو الطرف الثالث الذي كنا نبحث عنه. لديه مصلحة قوية في إبقاء والدة أيهم متورطة في هذه القضية، ربما للضغط عليها، أو لإجبارها على التنازل عن حقوقها، أو حتى لإسكاتها."
"ولكن لماذا الآن؟" سألت نور. "لماذا لم تظهر هذه الأمور من قبل؟"
"هذا هو السؤال الأهم. ربما اكتشف السيد مراد أننا نقترب من الحقيقة، فقرر التصعيد. أو ربما، وجد فرصة مناسبة لتنفيذ خطته. بكل الأحوال، هذه المستندات ستكون سلاحنا الأقوى. ستسمح لنا بتحدي ادعاءات الطرف الآخر، وإثبات براءة والدة أيهم."
"وماذا عن أيهم؟ هل أخبرته بكل هذا؟"
"لم أخبره بعد. أردت أن أتأكد من صحة هذه المعلومات أولاً. ولكن، مع هذه الأدلة، يمكننا تقديم طلب إعادة نظر في القضية، مع اتهام رسمي للسيد مراد بالتحريض والتضليل."
شعر نور بمسؤولية ثقيلة تلقي على عاتقها. لقد كانت تبحث عن طريقة لمساعدة أيهم، ولكنها وجدت نفسها في قلب معركة قديمة. "ماذا يجب أن نفعل الآن؟"
"سأقوم بإعداد مذكرة قانونية مفصلة، تتضمن كافة هذه الأدلة. سنقدمها إلى المحكمة، ونطلب استدعاء السيد مراد للشهادة. ولكن، يجب أن نكون حذرين. السيد مراد شخصية نافذة، وقد يحاول التلاعب بالأدلة، أو حتى تهديد الشهود. يجب أن تكون مستعداً لأي رد فعل منه."
"أنا مستعدة. لن أسمح لأحد بأن يضر بأيهم أو بعائلته."
في هذه الأثناء، كان أيهم يشعر بضغوط متزايدة. كان يتلقى اتصالات متكررة من المحامي، تتطلب منه معلومات إضافية، وكان عليه أن يواجه رفضاً من بعض الأشخاص الذين كان يأمل في الحصول على شهاداتهم. كان يشعر بأن الأمور تزداد صعوبة، وأن الخيارات تتضاءل.
عاد أيهم إلى منزله، ليجد والدته تجلس بجوار النافذة، وعيناها زائغتان. "أمي، هل أنتِ بخير؟" سأل. "بخير يا بني. فقط أفكر."
"في ماذا؟" "في كل شيء. في هذه القضية، وفي ماضينا. هل تعلم يا أيهم، أن هناك أشخاصاً لا يريدون لنا الخير؟ أشخاصاً يحسدوننا على ما نملك، ويحاولون سلبنا إياه."
"من تقصدين يا أمي؟" "لا أعرف بالتحديد. ولكنني أشعر بذلك. أشعر أن هناك قوى خفية تحاول دفعنا إلى الهاوية."
كانت كلمات والدته تزيد من قلق أيهم. في تلك اللحظة، رن هاتفه. كان المحامي خالد. "سيد أيهم، لدي بعض الأخبار الهامة. لقد اكتشفنا أدلة تربط السيد مراد بقضيتك. سأشرح لك كل شيء غداً."
شعر أيهم بتغيير في نبرة صوت المحامي. كان هناك شيء مختلف، شيء يبشر بالأمل. "حسناً، سأكون بانتظارك."
عندما انتهى أيهم من المكالمة، نظر إلى والدته. "أمي، هناك بصيص أمل. يبدو أننا على وشك كشف الحقيقة."
ابتسمت السيدة سعاد ابتسامة باهتة. "الحمد لله. الله لا يخذل عباده الصابرين."
في اليوم التالي، اجتمع أيهم والمحامي خالد ونور في مكتب المحامي. شرح المحامي خالد كل شيء، بدءاً من الشراكة القديمة بين جد نور والسيد مراد، وصولاً إلى الأدلة الجديدة التي تربط السيد مراد بقضية والدته.
"السيدة نور، بفضل ما أحضرته من مستندات، أصبح لدينا الآن دليل قوي على تورط السيد مراد. يبدو أن لديه تاريخاً طويلاً من الاحتيال والتلاعب. وسوف نستخدم هذا ضده."
"ولكن، كيف سيؤثر هذا على قضية والدتك؟" سأل أيهم.
"سيؤثر بشكل كبير. سنقدم طلباً جديداً للمحكمة، يتضمن اتهاماً للسيد مراد بالتحريض والتضليل، مع طلب إعادة النظر في القضية. سنطالب باستدعائه للشهادة، وسيواجه أسئلة مباشرة حول علاقته بوالدتك، وحول هذه الديون القديمة."
نظر أيهم إلى نور، وشعر بامتنان عميق. "نور، لم أكن أتخيل أنكِ ستساعديني بهذا الشكل. أنتِ حقاً ملاكي الحارس."
"هذا واجبي يا أيهم. أنا أحبك، ولن أدع أحداً يمسك بسوء."
وبينما كانوا يناقشون تفاصيل الخطة، رن هاتف المحامي خالد. كان الرد قادماً من مكتب السيد مراد. "سيد خالد، السيد مراد يطلب منك تحديد موعد لمقابلتك. لديه عرض يريد تقديمه."
نظر المحامي خالد إلى أيهم ونور. "يبدو أن السيد مراد علم بأننا اقتربنا من الحقيقة. هذا العرض قد يكون محاولة منه للرشوة، أو للتفاوض."
"لا تقبل أي عرض منه،" قالت نور بحزم. "نريد الحقيقة، لا نريد المال."
"أتفق معها،" قال أيهم. "نريد أن ينال جزاءه."
"حسناً،" قال المحامي خالد. "سأذهب لمقابلته، ولكن بحذر شديد. سأطلب منك، سيد أيهم، أن تكون مستعداً لأي طارئ. وقد نحتاج إلى تدخل الشرطة إذا تطلب الأمر."
شعر أيهم بأن المعركة بدأت تأخذ منحى جديداً. لم يعد الأمر مجرد قضية والدته، بل أصبح صراعاً لكشف الحقيقة، ولإحقاق الحق.